في هذا السياق، لا يمكن تجاهل مؤشرات تتشكل بصمت. فالمشهد العام يعيد التذكير بمراحل سابقة في تاريخ لبنان، حيث سبق التوتر السياسي لحظة الانفجار الأمني الكبير الذي قد تتردد تداعياته لعقود طويلة. جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لا تُستحضر هنا للمقارنة المباشرة، بل لفهم كيف تتكوّن المناخات التي تجعل حدثاً بهذا الحجم ممكناً، وقابلاً للاستثمار والتوظيف.
المسألة لا تتعلق بوجود معطيات حاسمة، بل بكيفية تفاعل العوامل القائمة. نبرة الخطاب السياسي، طبيعة الاتهامات، واتساع الاستهداف من مستوى النقد السياسي إلى الاستهداف الشخصي المباشر، كلها عناصر ترسم مشهداً شديد الحساسية.
يزداد هذا المشهد تعقيداً مع انتقال بعض الخطابات إلى الشارع، حيث تظهر شعارات وهتافات ذات طابع تعبوي حاد، من بينها توصيفات تخوينية مباشرة لرئيس الحكومة، وترداد عبارات ذات بُعد مذهبي، بما يعكس انتقال التوتر من مستوى النُخب السياسية إلى مستوى القواعد الشعبية.
ضمن هذا المناخ، يصبح احتمال الاختراق الأمني – بما في ذلك الاغتيال السياسي – احتمالاً موضوعاً في الحسابات، في بلدٍ لا تنقصه الشواهد التاريخية على هذا النوع من الأحداث، سواء جرى الإعداد له أو نشأ من فائض التوتر والانقسام، ضمن بيئة داخلية لبنانية لطالما تمكنت إسرائيل من اختراقها سعياً إلى أهداف عديدة بينها تفجير توازنات الداخل.
ويزداد هذا الاحتمال خطورة في أعقاب الغارات الإسرائيلية الواسعة، يوم الأربعاء الماضي، والتي خلّفت مشهداً دموياً قاسياً بسقوط مئات الشهداء والجرحى في بيروت والجنوب والبقاع وجبل لبنان، بما عمّق مناخ الاحتقان ورفع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة. كما يتفاقم الخطر حين يصبح رأس السلطة التنفيذية الطرف الأكثر عرضة للاستهداف، باعتباره الحلقة الأضعف في معادلة داخلية مختلّة التوازن، ولا سيما في حلقتها السنية، ربطاً باستمرار انكفاء زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري وعدم تبلور بديل سني جدي.
هذا المناخ لا ينشأ من فراغ، بل يتغذى من صراع داخلي محوره موقع لبنان الإقليمي، فالسلطة السياسية ممثلة بالحكومة ورئيسها، تتناغم بمعظم أطيافها مع ضغط أميركي وعربي لترجمة وقائع الحرب الإقليمية في الداخل اللبناني، ولا سيما من خلال شعار حصرية السلاح واستعادة القرار السيادي، وتتعاطى- من هذه الزاوية تحديداً- مع ملف التفاوض بوصفه جزءاً من هذا التموضع. في المقابل، يرى “حزب الله” أن هذا المسار يتم تحت تأثير ضغوط دولية وفي ظل اشتباك إقليمي مفتوح ولا يُراعي الحساسيات اللبنانية ولحظة استمرار الحرب.
لكن الإشكالية الأعمق تكمن في أن خطاب الطرفين لا يعكس بدقة التوازنات الواقعية. فالسلطة تستند اليوم إلى غطاء سياسي وطني واسع نسبياً، لا سيما في ما يتصل بمسألة حصر السلاح بيد الدولة، وإن كان هذا الغطاء لا يرقى إلى مستوى الإجماع الكامل والمطلق في ظل موقف “الثنائي الشيعي”. ومع ذلك، تتصرف أحياناً كما لو أن هذا المسار محصّن بضمانات خارجية كافية، فيما التجربة اللبنانية مع إسرائيل تطرح علامات استفهام كبيرة حول أي التزام مستقبلي.
في المقابل، ينطلق “حزب الله” من فرضية أن سلاحه يشكّل عنصر القوة الحاسم، والضامن الوحيد في مواجهة الأطماع الإسرائيلية المعلنة والمضمرة، وأن البيئة الداخلية لا تزال قادرة على تحمّل هذا الخيار، برغم وجود شريحة واسعة من اللبنانيين ترى أن كلفته باتت أعلى من قدرات البلد على التحمل.
هذا التباعد بين الخطاب والواقع لا يبقى نظرياً، بل يتحول إلى عامل إضافي في تعميق الانقسام.
وبرغم حدة هذا المشهد، يُسجّل للمرة الأولى نوع من المرونة في التعاطي مع خيار التفاوض، أو على الأقل عدم مواجهته بشكل مباشر، وهو ما ينعكس في موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف الأبرز لـ”حزب الله” الذي اشترط وقف النار أولاً، تاركاً الباب مفتوحاً أمام المفاوضات، بشرط أن يتمكن لبنان من استجماع كل عناصر قوته وأولها وحدته الداخلية.
في موازاة ذلك، يتأثر الداخل اللبناني مباشرة بالتوترات الإقليمية، ولا سيما بين إسرائيل وإيران، وبأي مسارات تفاوضية دولية، خصوصاً تلك الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تنعكس نتائجها مباشرة على الواقع الداخلي. هذه المعادلة تجعل البلد أكثر هشاشة، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع حسابات خارجية لا يمكن التحكم بمساراتها.
لذا، ما يحتاجه لبنان في هذه اللحظة ليس ترجيح كفة طرف على آخر، بل خفض منسوب التوتر قبل أن يتحول إلى مسار خارج السيطرة. على السلطة أن تدرك حدود تفويضها، وأن تدير المرحلة بواقعية تتناسب مع تعقيد التوازنات الداخلية. وعلى “حزب الله” أن يعيد ضبط خطابه، وأن يتجنب تحويل الخلاف السياسي إلى حالة تعبئة مفتوحة تستهدف رأس السلطة التنفيذية، ذلك أن أي انزلاق داخلي في لحظة وطنية (الحرب الإسرائيلية مستمرة) يُمكن أن تكون أكلافه عالية جداً، وبالتالي، المشكلة لم تعد في احتمالات التصعيد، بل في أن مساراً كاملاً يتشكل بهدوء، يقود إلى لحظة قد تقع فجأة.. لكنها لن تكون وليدة الصدفة.
