الخراب الكبير

عندما استولت الجيوش البريطانية والفرنسية على المشرق العربي، في الحرب العالمية الأولى، بدأ تخريب المنطقة التي عاشت تحت الحكم العثماني ردحاً من الزمن (أربعة قرون) بنظام الملل، أي بمنطق المذاهب المتفرعة عن الأديان الثلاثة بين التعايش والتنافر والتراضي إلى هذا الحد أو ذاك فيما بينها، ولكن تحت هيمنة سلطان الباب العالي، الذي أدارها على شكل ولايات تتّسع مساحاتها أو تضيق تبعاً لنفوذ الولاة الذين يعيّنهم ومدى طاعتهم له أو قربهم منه.

“إنّ خراباً بالحق بناءٌ بالحق” (مظفر النواب، “بكائية على صدر الوطن”)

كانت السلطنة العثمانية الممتدة على مساحة جغرافية واسعة هي موضوع البحث الدائم في المؤتمرات الامبريالية التي كانت الدول الأوروبية الاستعمارية السبع تعقدها دورياً خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مباشرة بعد أن أفشلت بريطانيا وفرنسا محاولة محمد علي باشا في توحيد سوريا ومصر، وذلك للبحث في شؤون البلدان التي استعمرتها تلك الدول، وفي شؤون البلدان التي ستستعمرها، وفقاً لعقيدة المركنتيلية التي وضعها الغرب الاستعماري لتبرير استعمار العالم، وهي عقيدة سياسية اقتصادية عسكرية قوامها أن الغرب الصناعي الرأسمالي يقدم للعالم حضارة جديدة تقوم على الرفاه وعلى مجموعة من القيم، وله، في المقابل، الحق في الاستيلاء على خيرات جميع البلدان التي تشكل سوقاً لتصريف واستهلاك منتجات الغرب الصناعية؛ وبخاصة عندما بدأت السلطنة العثمانية تفقد شيئاً فشيئاً سلطانها على أقسام كثيرة من تلك المساحة، مع تزايد التدخل الأوروبي في شؤون السلطنة الداخلية، وتُملي عليها أحياناً قرارات تجعل ذلك التدخل شرعيّاً، إلى أن دبّ الضعف في جميع أنحاء السلطنة العثمانية، وأُطلِق عليها لقب “الرجل المريض” الذي ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليه وقتله.

كانت اللحظة الحاسمة هي الحرب العالمية الأولى. عندما انتصرت جيوش الحلفاء على الجيش الانكشاري، وجلبت معها إسرائيل [التي كانت جاهزة مجهّزة حتى من قبل أن تنتهي الحرب العالمية الأولى (“وعد بلفور” الذي لم يكن أكثر من الكشف عن القرارات المتَّخّذَة في “مؤتمر لندن” الاستعماري سنة 1907) والقاضي بإنشاء دولة Buffer State] حلّ الخراب الكبير في المنطقة. لكن جرى تصوير هذا الخراب في صورة ترتيب المنطقة وتحديثها والخلاص من التخلّف الذي كان سائداً في ظلّ السلطنة العثمانية، وأن تقدم المنطقة قد بدأ. فغيّرت شكل الحكم في المنطقة بما يتوافق مع مقررات المؤتمرات الاستعمارية التي كانت تخطط لاستعمار العالم وإخضاعه لمتطلبات الدول الصناعية التي أنتجت حضارة غربية قائمة على تقديم الرفاه (طائرات، قطارات، سيارات، برادات، غسالات إلخ..) للعالم وعلى مجموعة قيم تُثبِّت شرعية هيمنتها الاستعمارية كالديموقراطية وحقوق الإنسان والتقدم العلمي.

***

لم يكن وعد بلفور ولا اتفاقيات سايكس بيكو سوى أدوات تنفيذية في سياق مراحل عدّة كانت قد بدأ رسمها في المؤتمرات الامبريالية. فقد أنشأ سايكس بيكو الكيان الصهيوني، وأنشأ إلى جانبه “دولاً مستقلة” عربية منزوعة الاستقلال؛ منزوعة السيادة، ومنزوعة القدرة على حماية أراضيها، فليس من مهمة السلطات في الدول العربية الدفاع عن ترابها ولا حماية ثرواتها ولا كذلك حماية شعوبها من الاحتلال الصهيوني، فهي لا تسير في الاتجاه الذي تصبو إليه الشعوب العربية، بل تسير في اتجاه عيّنته السلطات الاستعمارية التي رسمت حدوداً للدول تضمن للكيان الصهيوني تفوقاً دائماً على الدول العربية “المستقلة” المحيطة به، ووضعت لها حكّاماً ارتضوا بأن تُطلَق يدُ جيش الاحتلال في قتل الفلسطينيين، وأن تقوم السلطات العربية الحاكمة، كلّما سنحت لها الفرصة، بقتْلِ المزيد من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين المؤيدين لتحرير فلسطين من الاحتلال.

أنهى الحكم البريطاني الفرنسي الذي سُمِّيَ تمويهاً آنذاك: انتداباً، تلك الهيمنة، وأنهى معها نظام المِلل والولايات، وأقام مكانَه نظام الدول المستقلة ذات الحدود الثابتة، باستثناء “دولة” واحدة هي “دولة” الاحتلال الصهيوني لفلسطين. هذا النظام كان شكلاً استعمارياً جديداً للمنطقة، حالَ دون تطوّرها وتقدّمها لأنه منع عنها التكامل السياسي والاقتصادي، على الرغم من تكاملها الثقافي والاجتماعي، فألبَسَ مكوناتها الاجتماعية ثوبَ الدول، وهو يَعْلَم عِلْمَ اليقين أن شكل الدولة القومية الذي عرفته أوروبا الغربية عبر مسار طويل من الصراعات والتغيّرات التاريخية، لا يتلاءم مع المسار التاريخي الذي عرفته منطقة المشرق العربي، ولا مع معطياته الثقافية المختلفة عن الوقائع الثقافية في أوروبا الغربية. فبقيت هذه الدول غريبة عن أهلها وشعوبها، جامدة لا تتقدّم، ومحكومة بحكومات تأتمر بأوامر العواصم الاستعمارية، لكنها كانت ضرورة لازمة للدولة التي احتلّت فلسطين، من دون تقييدها بحدود ثابتة، لكي تتوسع ساعة تشاء، ولها كل أسباب الدعم والتقدم والتطور. وكانت الدول الاستعمارية تعْلم تلك الغربة، وتعْلم أن الدول المفروضة بحدودها ودساتيرها وأشكال ممارسة السلطة فيها، تبقى هامشية في نفوس الشعوب، فلا تنخرط فيها بل تبقى مشدودةً إلى مبادئها وقيمها التي تحكم علاقاتها الداخلية وفيما بينها.

كان شرط قيام هذه الدول هو استقلال بعضها عن بعض، ولكن ليس عن الدول المستعمرة (بريطانيا وفرنسا، ولاحقاً أميركا وإسرائيل). وأوكِل ضمان عدم استقلالها عن الدول المستعمرة إلى الحكومات والزعامات والمشيخات والرئاسات وجميع المتبوّئين لمناصب الحكم في هذه الدول، فلا يصل إلى هذه المناصب إلا من يتمّ التفاهم معه على الوفاء لعهد الولاء، فإذا انحرف عن هذا العهد أُطيح أو عُزِل أو قُتِل. (هذا ما دفع الشاعر اليمني البردوني، على سبيل المثال، في قصيدته الشهيرة “أبو تمام وعروبة اليوم”، إلى القول عام 1971: “الحاكمون وواشنطن حكومتهم”). كان لتمسّك الحكام العرب بالاستقلالات نتائج كارثية على وحدة المشرق العربي، ومن هذه النتائج، مثلاً، تعاون السلطتين السورية واللبنانية على قتل أنطون سعادة الساعي إلى توحيد سوريا عبر مقاومة مشروع إسرائيل الكبرى الذي كان قد بدأ تنفيذه آنذاك عملياً.

بقيت الدول الاستعمارية محتلة لسوريا ولبنان والعراق وفلسطين إلى حين ترويض وتعويد شعوبها على الاستقلال، وإنضاج القبول العام بالدولة المستقلة، وتكوين قيادات سياسية قادرة على حمل أمانة الاستقلال، لكي يبدأ انسحاب الجيوش المحتلة عندما تطمئن لتلك القدرة، وتمنح الاستقلالات تباعاً لهذا الاطمئان، وتُبقي على رقابتها على حسن سير العمل بموجب الأمانة وتنفيذ متطلباتها، وبالتالي، لم تقدم الدول الاستعمارية الاستقلال للدول التي خلقتها (بتقسيم المنطقة إلى دول غريبة عن طبائع وقيم وعادات أهلها)، هديةً أو خدمةً لهذه الشعوب بل قدّمتها هديةً مسمومة، وخدمةً لـ”الدولة الفاصلة” (l’Etat tempon) التي أقامتها بين سوريا ومصر وبين المشرق والمغرب، وكانت وظيفتها الأساسية منع هذه الشعوب من التقدم (بدأ قتل العلماء باغتيال المخترع اللبناني الكبير حسن كامل الصباح) ومن بناء وحدتها في دولة واحدة موحّدة تتكامل اقتصادياًَ وسياسياً وتتوافق مع قيمها وعاداتها (بدأ قتل السياسيين الذين نادوا بسوريا الكبرى والوقوف في وجه إسرائيل الكبرى، بإعدام السياسي الكبير أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي).

إقرأ على موقع 180  أميركا وتحديات الشراكة الإقتصادية الإقليمية الشاملة

فمشاريع النهضة، منذ القرن التاسع عشر، سواء العربية أو الإسلامية، لم تكن بحاجة إلى جهد لتوحيد المنطقة لأن المنطقة كانت تقوم على أساس من وحدة قائمة عملياً، وإنما كان جهدها منصباً على بلورة الإيديولوجيا السياسية التي ستحكم هذه الوحدة. جرى كنس جميع هذه المشاريع وإيديولوجياتها واستبدلت بإيديولوجيا الدولة الوطن فنسيت المنطقة إيديولوجياتها ولم تتعلم إيديولوجيا الدولة الوطن.

مشروع الدول هذا كان غريباً على عادات الحكم والعلاقات الاجتماعية والقيم والقواعد الأخلاقية وآداب السلوك الموروثة من الأديان الحاكمة لعقليات شعوب المنطقة. لكن لم تقُم في البلدان العربية ثورات ضد المستعمر على غرار ما وقع في الجزائر وفيتنام. بلى، جرت انتفاضات عدة في وجه المستعمر الفرنسي في سوريا (معركة ميسلون) وفي فلسطين (ثورة القسّام) وفي لبنان (أدهم خنجر وصادق حمزة) وفي غيرها.. ولكنها لم ترْقَ إلى حرب تحرير لانتزاع الاستقلال الوطني وفقاً لإرادة الشعوب.

***

بعد إحباط مشاريع النهضة العربية، ومنها مشروع محمد علي باشا وابنه إبراهيم لتوحيد مصر وسوريا، ومشاريع النهضة التي كان عنوانها سؤال النهضة: “لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟”، لم ينشأ مشروع استراتيجي للمشرق العربي، بل بقيت المنطقة العربية سجينة حدود دولها “المستقلة” تبحث عن “أمن قومي عربي” عبثاً تجده، فقد كانت تغلب على علاقات دول المنطقة صراعات بينية تُديرها العواصم الغربية الراعية للاستقلالات العربية، وتتحكّم في اتجاهاتها.

تمسُّكُ الدول العربية باستقلالاتها ألغى البحث عن مشروع وحدوي يفسح في المجال أمام استراتيجية عربية توحّد المنطقة لِما فيه مصلحة شعوب الدول العربية مجتمعةً. هذا الخواء الاستراتيجي العربي ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام استراتيجيات أخرى تسعى إلى توحيد المنطقة ولكن ضدّ مصالح الشعوب العربية، فالفراغ الاستراتيجي الذي تركه غياب استراتيجية عربية، أطلق العنان لمشاريع استراتيجية أخرى، فكان المشروع الاستراتيجي الصهيوني ناشطاً أيّما نشاط في سبيل “إسرائيل كبرى”، والمشروع التركي الذي ظلّ يطمح إلى استعادة الهيمنة على بلاد الشام. ثم بعد نجاح الثورة الإسلامية التي أطاحت شاه إيران الموالي لإسرائيل بدأ يتشكل مشروع استراتيجي إيراني مؤازر للمقاومة الفلسطينية في إطار سياسة العداء المطلق للاحتلال الصهيوني. هذه المشاريع الاستراتيجية الثلاثة جعلت المشرق العربي نهباً لصراع استراتيجيات صهيونية وتركية وإيرانية، تتربّص جميعها بكامل المنطقة العربية، مشرقها ومغربها، فما كان من هذه المنطقة إلّا أن انقسمت إلى أطراف متنازعة لالتحاقها بهذا أو ذاك من المشاريع الاستراتيجية الثلاثة:

الأول؛ مشروع استراتيجي تركي يرمي إلى استعادة ما كان للسلطنة العثمانية من نفوذ في المشرق العربي.

الثاني؛ مشروع إسرائيلي يرمي إلى إقامة “إسرائيل كبرى” على كامل “الشرق الأوسط”، من خلال فرض الهيمنة على كل دول المنطقة.

الثالث؛ مشروع إيراني يقوم أساساً على تحرير فلسطين بعدما تخلّت الدول العربية عن هذا التحرير، وذلك من خلال كسب تعاطف شعوب المشرق العربي مع استراتيجيتها.

***

ثمة حالةٌ عجيبة غريبة تعيشها الشعوب العربية وتتمثّل في التساؤل التالي: ما أكثر الرجال والنساء الذين يريدون في كل الدول العربية مناصرة فلسطين والفلسطينيين، لكنهم يبقون عاجزين عن فعل شيء في هذا الاتجاه، على الرغم من الحماسة التي تجتاحهم، فما هي الحالة التي تُبقي الشعوب العربية عاجزةً عن ترجمة رغباتها أفعالاً؟ وما هي أسباب هذه الحالة اللغز التي يتكل عليها العدو في الحرب التي يخوضها ضدنا من أجل إخضاعنا والسيطرة علينا؟

لم يتمّ بعدُ تشخيص حالة المشرق العربي الذي بقي على حاله، بل من سيّء إلى أسوأ، ولم يقل أحد أن لبنان لن يتقدّم بمفرده ولا الأردن بمفرده ولا سوريا ولا العراق، ولا فلسطين، بل إنّ كلاً من هذه “الدول” لن تقوم له قائمة بمفرده، ولن يتقدم إلا بإسناد جاره والنهوض معه. لا يمكن أن تقوم قائمة اقتصادية لكل دولة في المشرق العربي (وبخاصة سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) إن لم تكن دولة واحدة موحدة. وهي لم تكن موحّدة في ظل الحكم العثماني، ولكن كان من الممكن أن تتكامل عبر الحركة الاقتصادية والتبادل التجاري فيما بينها من دون أي عوائق حدود واستقلالات فرضها سايكس بيكو.

مضى قرن من الزمن على تخريب المنطقة بتقسيمها إلى دول. عبّر عن ذلك الكثير من الدراسات، ومنها على سبيل المثال، كتاب غسان تويني: “مائة عام من أجل لا شيء” (Un siècle pour rien). لعلّ تجربة محور المقاومة بداية حقيقية لتوحيد المنطقة، وبداية العمل على تخريب التخريب، على إصلاح كل ما جرى تخريبه في المشرق العربي منذ الحرب العالمية الأولى على يد الاستعمار البريطاني الفرنسي، ثم الأميركي – الإسرائيلي.

Print Friendly, PDF & Email
حسين جواد قبيسي

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  هل من رابط بين "طوفان الأقصی" و"الإتفاق النووي"؟