ما بعد حرب إيران: «سنتكوم» يعيد تصميم الردع الأميركي في الشرق الأوسط

18018017/09/2026
تتناول ورقة "مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية" البيئة الأمنية والاستراتيجية التي نشأت بعد الحرب الأميركية–الإيرانية عام 2026، من منظور القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، وتخلص إلى أن الحرب أضعفت بصورة كبيرة قدرات إيران في مجالات القيادة والسيطرة، الصواريخ الباليستية، الطائرات المسيّرة، وشبكات الوكلاء، لكنها لم تؤدِّ إلى تغيير النظام الإيراني أو إنهاء قدرته على تهديد القوات الأميركية وحلفائها والتجارة العالمية. لذلك، فإن توقف العمليات القتالية الكبرى لا يعني نهاية الصراع، بل انتقاله إلى مرحلة جديدة عنوانها الردع والمنافسة وإدارة المخاطر. وهذا أبرز ما تضمنه التقرير:

الحرب انتهت.. لكن البيئة التي أنتجتها لم تنتهِ

“ألحقت الحرب الأميركية–الإيرانية عام 2026 أضراراً شديدة بالقدرات العسكرية الإيرانية التقليدية والاستراتيجية، بما في ذلك القيادات العسكرية، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وقوات الوكلاء، لكنها لم تؤد إلى تغيير النظام.

وعلى الرغم من استمرار المفاوضات عقب توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الهجمات الأخيرة أظهرت أن الجمهورية الإسلامية لا تزال تحتفظ بقدرات كافية لتهديد القوات الأميركية، وشركاء واشنطن في المنطقة، والملاحة التجارية.

على مدى سنوات، عمل شركاء الولايات المتحدة في الخليج، وبدعم أميركي كبير، على تحصين دفاعاتهم، مستندين في الوقت نفسه إلى ما يمكن تسميته «مظلة الردع» الأميركية. إلا أن تداعيات الحرب الأخيرة تفرض إعادة تقييم هذا النموذج؛ ذلك أن شبه الاحتكار الأميركي للعلاقات الأمنية في المنطقة لم يعد أمراً يمكن التسليم باستمراره.

وفي المقابل، يتزايد الطلب العالمي على القدرات الجوية والبحرية الأميركية، وعلى منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، ولا سيما في مسرحي المحيط الهادئ وأوروبا. وهذا يعيد إحياء ضغوط قديمة داخل الولايات المتحدة تدعو إلى تخفيض الانخراط في الشرق الأوسط ونقل جزء أكبر من الأعباء الأمنية إلى شركائها الإقليميين.

من هنا، تبحث هذه الورقة في شكل البيئة التي يمكن أن تنشأ في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية عقب التوصل إلى اتفاق مع إيران، وفي طبيعة العلاقات الجديدة مع الشركاء الإقليميين، وكيف يمكن لـ«سنتكوم» تعديل انتشارها وأنشطتها في ظل موارد أكثر تقييداً، بما يضمن حماية المصالح الأميركية.

من احتواء إيران إلى الحرب

منذ إنشاء القيادة المركزية الأميركية عام 1983، تمحورت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط حول هدفين مترابطين: المحافظة على الاستقرار الإقليمي واحتواء النفوذ الإيراني. وقد تشكلت «سنتكوم» نفسها، وتطورت عقيدتها وانتشارها، عبر سلسلة متواصلة من الأزمات والحروب التي شهدتها المنطقة.

وخلال العقود التالية، بنت الولايات المتحدة شراكات أمنية طويلة الأمد مع دول مجلس التعاون الخليجي، حصلت بموجبها على حقوق الوصول والتمركز والتحليق، المعروفة عسكرياً باختصار ABO – Access, Basing and Overflight، بما يتيح دعم العمليات الأميركية، في مقابل توفير ضمانات أمنية لهذه الدول.

وبالتوازي، عززت واشنطن الموقع الاستراتيجي لإسرائيل عبر سلسلة قرارات سياسية وعسكرية، من بينها نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وإدخال إسرائيل ضمن منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية، وتشجيع مسار التطبيع الإقليمي عبر اتفاقات أبراهام.

وجاء الاتفاق النووي، أو خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، ليشكّل منعطفاً أساسياً، بوصفه محاولة متعددة الأطراف لتقييد البرنامج النووي الإيراني في مقابل تخفيف العقوبات. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في أيار/مايو 2018 وإعادة فرض العقوبات أديا إلى تصاعد الضغوط على إيران وتعميق التوترات الإقليمية.

وفي السنوات التالية، تداخلت سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية مع تقدم إيران في برنامجها النووي إلى ما يتجاوز القيود المنصوص عليها في الاتفاق، ومع توسع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والوكلاء، لينشأ نمط مستمر من التصعيد والتصعيد المضاد.

أما محاولات خفض التصعيد المحدودة والدبلوماسية عبر القنوات الخلفية فلم تنجح في كسر هذه الحلقة. بل تزامنت مع ضربات دورية وعمليات تخريب وحوادث بحرية في مضيق هرمز ومحيطه، الأمر الذي أدى تدريجياً إلى إضعاف صدقية الردع الأميركي وتهيئة الظروف أمام حرب أوسع.

ألحقت الحرب الأميركية–الإيرانية عام 2026 أضراراً بالغة بالقدرات العسكرية الإيرانية، التقليدية والاستراتيجية، لكنها لم تُسقط النظام، كما لم تحرم طهران القدرة على تهديد القوات الأميركية وشركاء الولايات المتحدة وحركة التجارة العالمية

واندلعت الحرب الأميركية–الإيرانية في نهاية المطاف داخل هذه البيئة المتدهورة، وكانت تعبيراً، وفق الورقة، عن تهديدين أساسيين كما أدركتهما واشنطن: سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي، وحيازتها ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ومع بدء تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران/يونيو 2026، انتهت عملياً العمليات القتالية الكبرى، لكن الولايات المتحدة وإيران واصلتا تبادل ضربات محدودة، بالتزامن مع الصراع على السيطرة وحرية الملاحة في مضيق هرمز.

ماذا تضمنت مذكرة التفاهم؟

شكّلت مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية إطاراً عاماً هدفه خفض التصعيد وتهيئة الطريق أمام اتفاق أكثر شمولاً. وتضمنت وقفاً فورياً للأعمال العسكرية، واحتراماً متبادلاً للسيادة ووحدة الأراضي، والتزاماً إيرانياً بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية.

كما تناولت قضايا عملية، بينها الرفع التدريجي للعقوبات، وإعادة فتح طرق الملاحة البحرية في مضيق هرمز، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنشاء آلية لمراقبة التنفيذ والالتزام.

واتفق الطرفان على السعي إلى اتفاق نهائي خلال مدة لا تتجاوز ستين يوماً، على أن يتطلب أي تمديد موافقتهما معاً.

ما لم تتضمنه المذكرة قد يكون أهم مما تضمنته

كانت مذكرة التفاهم تسوية هشة ومثيرة للجدل، ويرى العديد من المراقبين أنها جاءت، استراتيجياً، في غير مصلحة الولايات المتحدة وأقرب شركائها الإقليميين.

فالإطار الزمني البالغ ستين يوماً منح إيران، نظرياً، فرصة لتأخير المفاوضات الجوهرية اللاحقة، بالتزامن مع البدء بإعادة بناء أجزاء من قدراتها العسكرية وغير المتناظرة.

وبالمقارنة مع الاتفاق النووي لعام 2015، تبدو مذكرة التفاهم أقل تفصيلاً وصلابة بكثير. فهي لم تنص على تخفيضات ذات معنى في الترسانة الصاروخية الإيرانية، وتركت إلى حد بعيد بنية الطائرات المسيّرة وشبكات الوكلاء من دون معالجة.

كما نجحت إيران فعلياً في توسيع النطاق السياسي للترتيب بحيث أصبح لبنان وحزب الله جزءاً من إطاره بصورة أو بأخرى. وبالنسبة إلى إسرائيل، كانت هذه الشروط إشكالية للغاية، وقد تؤدي إلى تعميق فجوة سياسية واستراتيجية مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تواجه فيه القيادة الإسرائيلية اتفاقاً لا يحد بصورة حاسمة من التهديدات الأساسية ولا يوفر ضمانات تنفيذ صارمة.

وفي المقابل، فرضت المذكرة إعادة فتح مضيق هرمز، وهو أمر بالغ الأهمية لاستعادة تدفقات الطاقة العالمية وتخفيف الضغوط عن الاقتصاد الدولي، لكنه يعيد في الوقت نفسه مخاطر الأمن البحري التقليدية إلى الواجهة.

كما أن السعي للحصول على تأييد لمذكرة التفاهم عبر قرار صادر عن مجلس الأمن يمنح الاتفاق ثقلاً قانونياً وسياسياً دولياً إضافياً، لكنه يخلق أيضاً خطر استخدام دولة دائمة العضوية حق النقض، بما قد يمنع اعتماده رسمياً. ويمكن لأي «فيتو» من هذا النوع أن يتحول إلى ورقة ضغط بيد أطراف خارجية، وأن يؤخر التنفيذ ويضعف الثقة بديمومة الاتفاق.

كيف يمكن أن يبدو الاتفاق النهائي؟

من الصعب تحديد صورة الاتفاق النهائي مسبقاً أو الجدول الزمني الذي سيحكمه. إلا أن مذكرة التفاهم، على الرغم من التصعيد المتبادل الذي تخلل المرحلة الأخيرة، يمكن أن توفر أساساً لأي اتفاق مستقبلي، شرط تحويل مبادئها العامة إلى التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ في أربعة ملفات رئيسية: البرنامج النووي، والأمن، والعقوبات، وآليات التنفيذ.

القيود النووية

يمكن أن يتضمن الاتفاق نظاماً طويل الأمد للرصد والتحقق تديره الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تحديد واضح لصلاحيات الوصول والتفتيش، وتقليص قدرات أجهزة الطرد المركزي بما يتلاءم مع الاستخدام المدني، ووضع سقف لتخصيب اليورانيوم عند 3.67 في المئة، انسجاماً مع المعايير التي نص عليها الاتفاق النووي السابق.

أما خفض مستوى تخصيب مخزون اليورانيوم، فمن المرجح أن يتم تدريجياً عبر سلسلة مراحل تبدأ بإتاحة وصول المفتشين، ثم التحقق من حجم المخزون، ونقل المواد، وإجراء عمليات المزج الفيزيائي لتخفيض مستوى التخصيب، وأخيراً التحقق من النتيجة.

أوقفت مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية الهشة العمليات القتالية الكبرى موقتاً، من دون أن تعالج جذور الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ، والطائرات المسيّرة، وشبكات الوكلاء، ما أوجد نافذة ضيقة للتوصل إلى تسوية أكثر استدامة

الأمن

على المستوى الأمني، قد يتضمن الاتفاق وقفاً رسمياً للأعمال العدائية، وآليات لمنع التصعيد في ساحات مثل لبنان عبر ترتيبات منظمة ومتعددة الأطراف، والتزامات متبادلة بعدم التدخل، مدعومة بإنشاء قناة اتصال عسكرية مباشرة لإدارة الأزمات.

وقد تشمل الترتيبات أيضاً تعديلات محسوبة على انتشار القوات الأميركية في المنطقة، عبر خفض بعض القوات وإعادة توزيعها في أنحاء منطقة مسؤولية «سنتكوم».

تخفيف العقوبات

يرجح أن يجري تخفيف العقوبات على مراحل وبصورة مشروطة؛ فيُفرج بداية عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، ثم تتم عمليات إفراج إضافية مرتبطة بتحقيق مراحل محددة من الالتزام، وصولاً إلى رفع ما تبقى من العقوبات بعد التحقق من تنفيذ الخطوات النووية الأساسية، على أن تخصص الأموال المفرج عنها لإعادة الإعمار والاحتياجات الإنسانية.

آليات التنفيذ

يمكن دعم التنفيذ من خلال مسارات تفاوضية متعددة، تشمل لجاناً فنية، وقنوات وساطة تديرها أطراف ثالثة، واتصالات سياسية رفيعة المستوى، مع تثبيت الاتفاق في نهاية المطاف من خلال قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي.

خمس ساعات تضغط على واشنطن وطهران

قد يوحي استمرار تبادل الضربات والمواجهة حول مضيق هرمز بأن واشنطن وطهران تملكان وقتاً مفتوحاً للوصول إلى اتفاق. إلا أن هذا الانطباع مبالغ فيه؛ إذ تتحكم بالجانبين مجموعة متزامنة من «الساعات» السياسية والعسكرية والاقتصادية.

أولى هذه الساعات هي الساعة الداخلية الأميركية. فالحرب تتقاطع مع موسم القيادة الصيفي في الولايات المتحدة، حين يرتفع الطلب على البنزين وأسعاره عادة، ما يضاعف حساسية الناخبين لتكاليف الوقود والمعيشة قبيل انتخابات التجديد النصفي لعام 2026. وفي ظل انخفاض الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي إلى مستويات لم يشهدها منذ عقود، يصبح لكل اضطراب إضافي في إمدادات الخليج تأثير أسرع وأكثر وضوحاً في الأسر الأميركية.

وفي الوقت نفسه، أبلغ الرئيس دونالد ترامب الكونغرس رسمياً باستئناف الأعمال القتالية مع إيران في 7 تموز/يوليو، وهي خطوة تفسرها إدارته باعتبارها بداية مهلة جديدة مدتها ستون يوماً يمكن خلالها استخدام القوة العسكرية من دون موافقة الكونغرس.

أما الساعة الداخلية الإيرانية، فتتحرك تحت تأثير العقوبات الطويلة والتضخم واضطرابات الحرب، وهي عوامل تضاعف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وتفرض على القيادة إدارة شرعية النظام، وتماسك النخب، وتوقعات الجمهور في ظل أعباء متزايدة.

وتتمثل الثالثة في ساعة الحرب نفسها. فكل شهر إضافي من العمليات يعني المزيد من الاستنزاف واحتمالات سوء الحساب والتوسع في قوائم الأهداف، ما يزيد خطر تحول مواجهة محدودة إلى حرب إقليمية أكثر شمولاً لا يستطيع أي طرف احتواءها بسهولة.

أما الساعة الاقتصادية العالمية فتتسارع مع كل تهديد لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، لما لذلك من انعكاسات على أسعار النفط والشحن. وتتقاطع محدودية قدرة الاحتياطي النفطي الأميركي على امتصاص الصدمات مع اعتماد إيران نفسها على صادرات الطاقة، بما يرفع الضغوط التي تمارسها الأسواق والشركاء على واشنطن وطهران لاحتواء المواجهة.

وأخيراً تأتي ساعة القدرات العسكرية. فالولايات المتحدة مطالبة بإدارة عمليات مرتفعة التكلفة في عدة مسارح في وقت واحد، وسط ذخائر وطاقات لوجستية محدودة وتراجع هامش الأمان الذي يوفره احتياطي الطاقة. أما إيران، فتمتلك منظومات صاروخية ومسيّرات وشبكات وكلاء أقل تكلفة نسبياً، لكنها ليست غير محدودة، كما أصبحت أكثر تعرضاً لتدابير المواجهة.

وتؤدي هذه الساعات مجتمعة إلى تضييق الهامش الزمني والسياسي المتاح أمام الطرفين لتحويل النفوذ الموقت الذي أنتجته الحرب إلى تسوية دائمة.

تعمل مجموعة من «الساعات» المتداخلة على تقييد خيارات واشنطن وطهران: السياسة الداخلية الأميركية، والضغوط الداخلية الإيرانية، وديناميات الحرب نفسها، والمخاطر الاقتصادية العالمية، ومحدودية القدرات والموارد العسكرية

شرق أوسط ما بعد الاتفاق

حتى لو أدى التفاوض إلى اتفاق أميركي–إيراني، فإن البيئة التي ستنشأ بعده ستبقى محكومة بتاريخ طويل من انعدام الثقة. فواشنطن وطهران ستنظر كل منهما إلى التزامات الأخرى بعين الشك.

ويعزز تجربة الاتفاق النووي هذا الحذر؛ فمن جهة، لم تلتزم إيران على مدى الوقت بجميع التزاماتها النووية بصورة كاملة، ومن جهة أخرى أقنع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 القيادة الإيرانية بأن الضمانات الأميركية قد لا تصمد عند انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى.

وستبقى إسرائيل متغيراً أساسياً في المعادلة. فالقيادة الإسرائيلية قد تستمر في النظر إلى الأنشطة النووية والإقليمية الإيرانية باعتبارها تهديداً وجودياً، وقد تلجأ إلى التحرك المنفرد أو الضغط على واشنطن لاعتماد سياسة أكثر تشدداً، وهو ما يمكن أن يعقّد تنفيذ أي اتفاق واستقراره.

لذلك، لا يؤدي الاتفاق إلى إزالة هشاشة النظام الإقليمي ولا إلى تحويل الشرق الأوسط إلى بيئة مستقرة. إنه يفتح، في أفضل الأحوال، نافذة محدودة للعمل، فيما يبقى انعدام الثقة الأميركي–الإيراني عاملاً يهدد عمر أي ترتيب جديد.

والمسألة الأكثر أهمية بالنسبة إلى القيادة المركزية هي أن الشرق الأوسط الذي ستعمل فيه بعد الحرب سيكون مختلفاً: قدرات أميركية أكثر استنزافاً، وميزانيات أكثر تقييداً، وضغط متزايد لتوجيه الموارد نحو المحيط الهادئ.

وسيترك ذلك آثاراً مباشرة في علاقات واشنطن بشركائها، وفي حقوق الوصول والتمركز والتحليق، وفي استراتيجية ردع إيران، وفي إدارة المنافسة الاستراتيجية مع القوى الكبرى.

الشركاء الأميركيون: نهاية نموذج «الضامن الوحيد»

من المرجح أن يعزز الاتفاق الأميركي–الإيراني تحولاً جارياً نحو شرق أوسط تقوده الدبلوماسية بصورة أكبر، وتتنافس داخله مراكز نفوذ متعددة. وستميل دول المنطقة بصورة متزايدة إلى الموازنة بين القوى الكبرى بدلاً من الاصطفاف الحصري خلف راعٍ واحد.

إقرأ على موقع 180  "حلف الفضول" جاهلي المنبت.. رؤيوي النظرة!

وحتى مع استمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، ستسعى دول عديدة إلى تقليل اعتمادها على واشنطن بوصفها الضامن الأمني الوحيد، بالتزامن مع تنويع الشراكات والانخراط الحذر مع إيران لتخفيف حدة التوترات.

ويعكس هذا النظام الناشئ انتقالاً من التحالفات الجامدة إلى اصطفافات أكثر مرونة وموقتة، تحكمها المصالح.

وتقسم الورقة شركاء الولايات المتحدة، استناداً إلى مستوى الاصطفاف والاستقلال الاستراتيجي، إلى ثلاث دوائر.

في الدائرة الأولى هناك الشركاء الموثوقون، وفي مقدمتهم الكويت والبحرين، اللتان يُرجح أن تحافظا على مستوى مرتفع من الاصطفاف الأمني مع الولايات المتحدة والاعتماد على حمايتها. أما الأردن، فسيبقى شريكاً أساسياً، وإن كان براغماتياً، ولا سيما في المجال الأمني.

وتضم الدائرة الثانية الشركاء الأكثر تنويعاً: السعودية وقطر وباكستان. فالسعودية ستواصل تعاونها الاستراتيجي مع واشنطن، لكنها ستعمق في الوقت نفسه سياسة التحوط وتنويع الخيارات. أما قطر فستوازن بين كونها شريكاً وثيقاً للولايات المتحدة وبين أجندتها المستقلة في الوساطة. فيما ستؤكد باكستان استقلالها الاستراتيجي عبر الاستفادة من علاقاتها مع شركاء بديلين مثل الصين، بالتزامن مع الاحتفاظ بتعاون انتقائي مع واشنطن.

أما الدائرة الثالثة فتضم الموازنين المحايدين أو الوسطاء. وستواصل عُمان أداء دور هادئ لكنه محوري في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران. في المقابل، سيبقى العراق ولبنان مقيدين بالديناميات السياسية الداخلية وبمستوى مهم من النفوذ الإيراني، ما يحد من قدرتهما على الاصطفاف الكامل مع الأهداف الأميركية، على الرغم من استمرار التواصل مع واشنطن.

أما سوريا، فتمثل فضاءً متحولاً ومتنازعاً عليه، وقد تتحرك في اتجاه المزيد من النفوذ الغربي، إلا أن النتائج لا تزال مفتوحة وغير مؤكدة.

وعموماً، ستعطي دول الخليج الأولوية للاستقرار وضمان أمن حركة الملاحة، ولا سيما في مضيق هرمز، لكنها ستعتمد استراتيجيات مختلفة لتحقيق ذلك: بعضها سيعمل على تعزيز الأطر الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة، فيما يفضل البعض الآخر الموازنة الدبلوماسية والانفتاح على أطراف متعددة، بما فيها إيران.

ومن هنا تطرح الورقة سؤالاً مركزياً: هل يعني أن تكون دولة ما شريكاً موثوقاً لواشنطن بالضرورة استمرار أو توسيع الوجود العسكري الأميركي على أراضيها؟

في البيئة التي نشأت بعد الحرب، قد تجد القيادة المركزية الأميركية نفسها مضطرة إلى إعادة تصميم شراكاتها، وانتشار قواتها، واستراتيجيتها لردع إيران، في ظل محدودية الموارد وتصاعد المنافسة الاستراتيجية مع القوى الكبرى

القواعد الأميركية تحت النار

على مدى عقود، اعتمدت الولايات المتحدة على شبكة واسعة من القواعد المتقدمة في الشرق الأوسط لإسقاط القوة، وطمأنة الشركاء، وردع إيران. إلا أن الحروب الأخيرة كشفت قيوداً مهمة في هذا النموذج.

فقد أثبتت إيران أنها تملك القدرة والاستعداد لاستهداف هذه المنشآت مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. كما تبين أن العديد من القواعد التي صُممت في الأصل للعمل داخل بيئات تسمح بحرية حركة واسعة أو لمواجهة صراعات منخفضة الشدة، ليست محصنة بما يكفي ضد الضربات الدقيقة والمستمرة.

وهذا يضعف، في حد ذاته، فاعلية القواعد كأداة ردع.

في المقابل، حققت الجهود الأميركية الرامية إلى تطوير بنية إقليمية متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي تقدماً ملموساً، سواء في الإنذار المبكر أو قابلية التشغيل المشترك أو نسب اعتراض الهجمات الإيرانية.

لكن هذه الإنجازات، على الرغم من قدرتها على تقليص نقاط الضعف، لم تُلغِ المشكلة الجوهرية: البنية التحتية الثابتة تبقى مكشوفة.

وتستنتج الورقة أن النموذج التقليدي القائم على قواعد أمامية كبيرة ومركزة يحتاج إلى تعديل، وأن انتقال الأولويات الاستراتيجية الأميركية يتطلب نموذجاً أكثر توزيعاً وصلابة وترابطاً شبكياً.

ردع إيران: حضور أقل.. فتك أكبر

لن يلغي أي اتفاق جديد الحاجة إلى استراتيجية قوية لردع إيران، لكنه سيغير الشروط التي يُمارس في ظلها هذا الردع.

فالقدرات العسكرية الإيرانية التقليدية والاستراتيجية تضررت بعد الحرب، لكنها لم تُدمّر. ومن المرجح أن تعتمد طهران بصورة أكبر على الأدوات غير المتناظرة، وخصوصاً الصواريخ والمسيّرات والوكلاء، لاختبار الإرادة الأميركية واستغلال الثغرات التي تتصور وجودها.

وفي ظل الموارد المحدودة والضغوط المتزايدة لإعطاء الأولوية لمسارح أخرى، قد تضطر «سنتكوم» إلى الانتقال من الردع المستند إلى انتشار واسع وثابت، إلى قوات أكثر توزيعاً وقدرة على البقاء ومتصلة شبكياً، تدعمها خيارات عسكرية موثوقة للرد، وتكامل أعمق مع أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي لرسائل الردع الأميركية أن تفصل بوضوح بين المسار الدبلوماسي والمسار العسكري: فالولايات المتحدة مستعدة للحفاظ على الاتفاق وربما تعميقه، لكنها تبقى قادرة ومستعدة لفرض تكاليف كبيرة إذا عادت إيران إلى التصعيد النووي، أو هاجمت القوات الأميركية، أو مارست الإكراه ضد شركاء واشنطن.

ويعني ذلك عملياً إعادة تنظيم القوات وإدارة التحالفات وإعادة توزيع المخاطر بحيث تصبح استراتيجية ردع إيران أخف من حيث الوجود، وأكثر فتكاً من حيث القدرة على الرد.

الصين وروسيا تدخلان المعادلة

ستبقى المنافسة الاستراتيجية عاملاً أساسياً في البيئة العملياتية للقيادة المركزية الأميركية.

فحتى مع بقاء ردع إيران ومنع الأزمات معها في صلب الاهتمام، سيُنظر إلى الانتشار الأميركي في الشرق الأوسط بصورة متزايدة من منظور المنافسة الأوسع بين القوى الكبرى، ولا سيما مع سعي روسيا والصين إلى تعزيز علاقاتهما بإيران وتوسيع نفوذهما الإقليمي.

وتشير تقارير حديثة، وفق الورقة، إلى أن موسكو وبكين قد تقدمان لطهران أشكالاً متفاوتة من المعلومات الاستخبارية والدعم التكنولوجي والغطاء الدبلوماسي.

وهكذا لم تعد المنافسة في منطقة عمليات «سنتكوم» مقتصرة على الموازين العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى المعلومات والفضاء السيبراني والطاقة والقدرات الصناعية.

وفي بيئة تتراجع فيها الموارد الأميركية ويتزايد التركيز على المحيطين الهندي والهادئ، ستواصل الدول الإقليمية سياسة التحوط وتنويع الشراكات الأمنية، مستفيدة من المنافسة بين القوى الخارجية لتحسين مواقعها التفاوضية.

السؤال الحقيقي: ما الحد الأدنى من القوة الأميركية المطلوبة؟

تترك الحرب الأميركية–الإيرانية والبيئة الهشة التي نشأت بعدها القيادة المركزية أمام واقع أمني تغير بصورة أساسية.

فإيران تبقى خصماً مستمراً وقادراً على التكيف، فيما نجحت مفاهيم الردع التقليدية بصورة جزئية فقط في الحد من استعداد طهران للمخاطرة.

ولذلك يحتاج الردع إلى عملية تكيف مستمرة، في بيئة تتحدد بموارد أميركية محدودة، وأولويات عالمية متحولة، وشركاء يعيدون بصورة متواصلة تقييم مدى موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية وقدرتها على الاستمرار.

وهنا تحدد الورقة المهمة المركزية: ما الحد الأدنى من الانتشار العسكري الأميركي الفعال القادر على طمأنة الشركاء، وردع إيران، والمحافظة على حرية العمل؟

وينبثق من هذا السؤال ثلاثة قرارات استراتيجية كبرى.

هل تبقى قطر والبحرين مركزَي القيادة؟

السؤال الأول هو ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن تحافظ على وجود دائم ومادي لمقار قيادتها في كل من قطر والبحرين بصورته الحالية.

توفر هذه المراكز الاستمرارية والوصول والطمأنة للحلفاء، لكنها تركز المخاطر في مواقع ثابتة معرضة للصواريخ، وبصورة أكثر انتظاماً للطائرات المسيّرة، كما تعزز اعتماد واشنطن السياسي على الدول المضيفة.

أما البديل، فيتمثل في هندسة قيادة أكثر توزيعاً، مدعومة بإمكانات القيادة والإسناد من داخل الولايات المتحدة القارية، وبعناصر قيادة متنقلة واحتياطية، بما يزيد القدرة على الصمود ويغير في الوقت نفسه الكيفية التي ينظر بها الشركاء الإقليميون إلى الوجود الأميركي.

كم قاعدة جوية تحتاجها واشنطن؟

يتعلق السؤال الثاني بحجم الانتشار الجوي الأمامي وتوزيعه.

فشبكة المطارات والقواعد الممتدة عبر السعودية والأردن والكويت ودول أخرى شكّلت تاريخياً أساس القدرة الأميركية على إسقاط القوة. لكن الحرب الأخيرة أظهرت مدى تعرض هذه المنشآت للخطر، ولا سيما أمام المسيّرات الرخيصة والواسعة الانتشار القادرة على إحداث تعطيل مستمر.

في المقابل، توفر الضربات بعيدة المدى، وطيران حاملات الطائرات، والانتشار الدوري للقوات وسائل بديلة لإنتاج القوة القتالية.

ولذلك يدور القرار الحقيقي حول ما إذا كانت شبكة واسعة من القواعد تزيد فعلاً القدرة على الصمود، أم أن عدداً أصغر من المراكز المحصنة، مدعوماً بمفاهيم الانتشار والتشتت واتفاقيات وصول مرنة، يمكن أن يلبي الاحتياجات العملياتية بكلفة ومخاطر أقل.

هل لا تزال القوات البرية الكبيرة ضرورية؟

السؤال الثالث يتعلق بدور القوات البرية الكبيرة المتمركزة بصورة دائمة في حرب ثبت أن القوة الجوية والبحرية هي العنصر الحاسم فيها.

أظهرت الحرب أن معظم التأثير العسكري ضد إيران جاء من القدرات الجوية والبحرية، فيما أدت القوات البرية أدواراً مساندة ودفاعية وتدريبية وبناءً لقدرات الشركاء.

وهذا يدعم الانتقال نحو نموذج يقوم على الانتشار الدوري، والمخزونات العسكرية الموضوعة مسبقاً، والقدرة على التعزيز السريع عند الحاجة، مع بقاء أسئلة تتعلق بسرعة الاستجابة والقيمة السياسية والردعية للوجود البري الدائم.

الدفاع الجوي والصاروخي: محور الاستراتيجية الجديدة

وسط كل هذه الخيارات، يبقى الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل – IAMD عنصراً مركزياً في إعادة بناء ردع موثوق.

فكلفة المسيّرات المنخفضة وسهولة إنتاجها وانتشارها تجعلها تهديداً أكثر تكراراً واستنزافاً من الناحية العملياتية حتى من الصواريخ الباليستية، مع بقاء الأخيرة تهديداً أساسياً.

وترى الورقة أن الميزة النسبية للقيادة المركزية تكمن في قدرتها على إنشاء بنية دفاع إقليمية شبكية من خلال التدريب والمشورة والمساعدة، وتحسين قابلية التشغيل المشترك، والإنذار المبكر، والدفاعات متعددة الطبقات لدى الشركاء.

ومن شأن هذا النموذج أن يوزع أعباء الدفاع، ويزيد القدرة على الصمود، ويعزز ما يعرف بـالردع بالحرمان، أي إقناع الخصم بأن الهجوم لن يحقق أهدافه حتى قبل التفكير في كلفة الرد الانتقامي.

من القواعد الثابتة إلى الانتشار الموزّع: شراكات أقل اعتماداً على واشنطن، قواعد أكثر عرضة للهجوم، وردع أخف حضوراً وأكثر قدرة على الفتك

ثلاثة نماذج للوجود الأميركي بعد الحرب

تخلص الورقة إلى ثلاثة خيارات كبرى لإعادة تصميم الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.

الخيار الأول هو الاحتفاظ بنسخة معدّلة من الوضع الحالي: إبقاء المقار الأساسية في قطر والبحرين، والمحافظة على شبكة واسعة من القواعد الجوية، واستمرار الوجود البري، مع تعزيز دفاعات القواعد وتعميق التكامل الإقليمي في الدفاع الجوي والصاروخي. ويوفر هذا الخيار أكبر قدر من الطمأنة والاستمرارية، لكنه يعني قبول تكاليف مرتفعة واستمرار التعرض للخطر.

الخيار الثاني هو اعتماد انتشار أقل حجماً وأكثر توزيعاً: تبسيط وظائف مقار القيادة، وتجميع الانتشار الجوي في عدد أصغر من المواقع المحصنة، وتحويل القوات البرية إلى نموذج الانتشار الدوري، والاعتماد بصورة أكبر على شبكات الدفاع الجوي والصاروخي التي يشغلها الشركاء. ويهدف هذا النموذج إلى إيجاد توازن بين الردع والكفاءة والقدرة على الصمود، لكنه يزيد الاعتماد على قدرات الشركاء ومستوى التنسيق معهم.

أما الخيار الثالث فيقوم على نموذج خفيف يعمل إلى حد كبير من «ما وراء الأفق»: الحد إلى أدنى مستوى من الوجود العسكري الدائم، والتركيز على القوات البحرية والقوة الجوية بعيدة المدى، والحفاظ على القدرة على الوصول من خلال ترتيبات مرنة للتمركز والتحليق، مع تركيز الجهد الأميركي على التعاون الأمني وبناء قدرات الشركاء.

ويتوافق هذا الخيار بصورة أكبر مع إعادة ترتيب الأولويات الأميركية عالمياً ومع محدودية الموارد، لكنه يغير في المقابل الصورة الإقليمية عن مستوى الالتزام الأميركي وسرعة استجابته.

الخلاصة: أميركا لا تخرج من الشرق الأوسط.. بل تغيّر طريقة وجودها

لا تقترح هذه الورقة انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، كما لا تفترض أن انتهاء الحرب يعني نهاية التهديد الإيراني. ما تطرحه هو تغيير أعمق في هندسة القوة الأميركية في المنطقة.

فالنموذج الذي قام لعقود على قواعد ضخمة وثابتة، وضمانات أمنية شبه حصرية، وانتشار بري وجوي دائم، يواجه بيئة أصبحت فيها تلك القواعد نفسها أهدافاً قابلة للإصابة، فيما لم يعد الشركاء مستعدين بالضرورة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها، ولم تعد واشنطن تملك الحرية نفسها في تخصيص قواتها وذخائرها للشرق الأوسط في ظل المنافسة في أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ.

لذلك يصبح السؤال في مرحلة ما بعد الحرب ليس: كم من القوات الأميركية ينبغي أن تبقى في المنطقة؟

بل: ما أقل حجم من القوة، الموزعة والمحصنة والمترابطة شبكياً، الذي يسمح لواشنطن بردع إيران، وحماية شركائها، والمحافظة على حرية عملها، من دون استنزاف الموارد التي تحتاجها في المسارح العالمية الأخرى؟

وهذه، في جوهرها، هي البيئة التي تسعى «سنتكوم» إلى تصميم نفسها للعمل داخلها بعد حرب 2026″.

(*) النص الأصلي للدراسة على موقع مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية، الترجمة بتصرف وبالاستعانة بالذكاء الإصطناعي.

(**) الآراء والاستنتاجات الواردة في هذه الورقة تعبّر عن آراء مجموعة من الضباط الدوليين العاملين ضمن “مجموعة التحليل الاستراتيجي المشترك”، ولا تعكس بالضرورة مواقف القيادة المركزية الأميركية أو الدول الممثلة داخل المجموعة أو أية جهة حكومية أخرى، حسب ما ورد في الدراسة نفسها.

Print Friendly, PDF & Email
180

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  روسيا، إيران، إسرائيل.. صراع النفوذ في جنوب سوريا