لهذا لا يصحّ النظر إلى ما يجري في غزة أو الضفة الغربية باعتباره ملفاً فلسطينياً منفصلاً عن الجولان السوري أو جنوب لبنان. الفروق القانونية والسياسية بين الساحات واضحة: الضفة والجولان أرضان محتلتان، فيما الجنوب جزء من دولة مستقلة يجري احتلال مساحات منها وانتهاك سيادتها. لكن اختلاف الوضع القانوني لا يلغي وحدة المنهج الإسرائيلي. ففي الساحات الثلاث تعمل العقيدة نفسها: دفع الحدود إلى الخارج كلما اتسع تعريف الخطر، والاستيلاء على أكبر قدر من الأرض بأقل عدد ممكن من سكانها، ثم خفض المسؤولية القانونية عن هؤلاء إلى الحد الأدنى.
إنه إذاً ضمّ انتقائي، يريد التلال والمياه والطرق والممرات ومرتفعات الرصد. يحشر أصحاب الأرض في معازل ضيقة أو يدفعهم إلى الهجرة. وقد يرتدي هذا الضم هيئة قانون في الكنيست، كما حدث في الجولان، أو هيئة صلاحيات مدنية في الضفة، أو اسم «منطقة أمنية» في جنوب لبنان أو جنوب سوريا. تتبدل المفردات، أما الخريطة فتتقدم في اتجاه واحد.. «إسرائيل الكبرى».
الضفة: القلب العقائدي لإسرائيل الكبرى
الضفة ليست في هذا التصور مجرد عمق أمني لإسرائيل؛ إنها قلب الرواية التوراتية التي يسميها اليمين «يهودا والسامرة». لذلك لا ينظر المشروع الصهيوني التوسعي إليها كأرض يمكن مقايضتها من أجل السلام، بل كجزء ناقص من الدولة يجب استعادته واستكمال السيطرة عليه. وهنا يكمن الفرق بين احتلال قابل للتفاوض واحتلال يعتقد صاحبه أنه عائد إلى ملكية أصلية. فالأول قد يقبل الانسحاب، أما الثاني فيرى الانسحاب تنازلاً عن حق مقدس.
بهذا المعنى، لا يُختزل قرار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تبديل الجهة التي تتولى التعامل مع المستوطنين. القرار، في صيغته الحالية، هو تكليف الجيش إعداد خطة تنقل إنفاذ القانون المدني المتعلق بالمستوطنين إلى الشرطة الإسرائيلية الخاضعة لإيتمار بن غفير. الأخير لم يترك مجالاً للتأويل حين وصف الخطوة بأنها انتقال مهم نحو فرض «السيادة الإسرائيلية» على الضفة.
يدير جيش العدو، نظرياً، أرضاً واقعة تحت الاحتلال؛ أما الشرطة فتعمل داخل الدولة. وعندما تمتد المؤسسة المدنية الإسرائيلية إلى الأرض المحتلة، لا يزول الحكم العسكري عن الفلسطيني، بل يُمحى الخط الأخضر لمصلحة المستوطن وحده: يصير هو مواطناً في ضاحية إسرائيلية، فيما يبقى الفلسطيني خاضعاً للحواجز والاقتحامات والمحاكم العسكرية.
إذن، لا تنهي إسرائيل نظام الاحتلال، بل تروّضه. قانون مدني للإسرائيلي، وقوة عسكرية للفلسطيني؛ حقوق كاملة للوافد، وسلطة استثنائية على صاحب الأرض.
هذا هو جوهر الضم الفعلي: ألّا تنتظر الدولة إعلان السيادة كي تتصرف بوصفها صاحبة السيادة.
والخطوة ليست معزولة ولا وليدة حادث أمني. ففي شباط/فبراير 2026 أقرّ المجلس الوزاري الإسرائيلي إجراءات تُسهّل شراء المستوطنين للأراضي وتوسع صلاحيات المؤسسات الإسرائيلية داخل مناطق يفترض أنها خاضعة للسلطة الفلسطينية، تحت عناوين المياه والبيئة والآثار والمواقع الدينية. ثم أُقرّ في تموز/يوليو تمويل إنشاء 34 مستوطنة جديدة ورصد أموال إضافية للطرق المؤدية إليها، قبل فتح عطاءات لبناء 1234 وحدة في مشروع «E1» الذي يصل القدس المحتلة بمعاليه أدوميم ويضرب التواصل بين شمال الضفة وجنوبها.
هنا تتكامل حلقات المشروع: المستوطن يستولي، والطريق يربط، والشرطة تحمي، والوزارة تنظّم، والجيش يقتحم، ثم يأتي الخطاب الدولي ليبحث إن كان الضم قد وقع أم لم يقع.
أما عنف المستوطنين فليس انحرافاً جانبياً عن هذه السياسة، بل ذراعها غير الرسمية. وظيفته أن يجعل الحياة مكلفة إلى حد الرحيل: حرق الممتلكات، قطع الطرق، تدمير الزراعة، حصار القرى، ومنع الناس من الوصول إلى الأرض. يتقدم المستوطن حيث تتحاشى الدولة إعلان نيتها، ثم تتدخل مؤسساتها لتثبيت النتيجة. هكذا يتحول التهجير إلى حركة تبدو «طوعية»، فيما هو في حقيقته اقتلاع موزع على ألف حادثة صغيرة.
وفي المحصلة، لا تُضم الضفة كلها مع سكانها؛ تُنتقى منها الكتل الاستيطانية والأغوار والطرق والتلال والمناطق الفاصلة، ويُترك الفلسطينيون داخل جزر منفصلة. هكذا، تصبح أوسلو هندسة للمعازل بدل أن تكون ممراً إلى الدولة: مدن بلا امتداد، وقرى بلا ظهير، واقتصاد بلا سيادة، وسلطة تتولى شؤون السكان فيما تستحوذ إسرائيل على الأرض.
الجولان: المختبر الذي تحوّل إلى سابقة
ما تخشاه الضفة اليوم جرّبه الجولان السوري منذ عقود. احتلت إسرائيل معظم الهضبة عام 1967، ثم فرضت قوانينها وإدارتها عليها عام 1981. اعتبر مجلس الأمن ذلك الإجراء باطلاً ومن دون أثر قانوني، لكن غياب الكلفة حوّل البطلان الدولي إلى واقع دائم. وفي العام 2019 كسرت واشنطن جانباً مهماً من الإجماع حين اعترفت بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، فتلقت إسرائيل الرسالة الأشد خطورة: ما يُنتزع بالقوة قد يصبح، مع الوقت والحماية الأميركية، موضع اعتراف سياسي ولو بقي مرفوضاً دولياً.
بعد سقوط النظام السوري السابق في أواخر العام 2024، تجاوزت القوات الإسرائيلية خط الفصل واستولت على أراضٍ إضافية بذريعة منع الأخطار الآتية من الفراغ السوري. قُدّمت الخطوة بوصفها مؤقتة، بالتزامن مع خطة لمضاعفة عدد المستوطنين في الجولان، قبل أن تتبعها برامج إسكان وبنى تحتية جديدة. وفي 2026 أعلنت الحكومة خطة لجلب ثلاثة آلاف عائلة إضافية إلى الجولان وكاتسرين.
لم يعد الجولان في التصور الإسرائيلي نهاية التوسع، بل قاعدة انطلاق إلى عمق سوري أكبر. فالمطلب الأمني المعلن لا يتوقف عند خط عام 1974، بل يتحدث عن نطاقات منزوعة السلاح تمتد من مشارف دمشق إلى جبل الشيخ، فيما تتواصل الغارات والاعتقالات والتوغلات بصورة شبه يومية.
وبذلك تنتقل إسرائيل من احتلال الهضبة إلى فرض تعريفها الخاص لما يجوز لسوريا أن تفعله داخل أرضها، ومع مَن تبني شراكاتها الدفاعية. الحدود هنا لا تتحرك بالدبابات وحدها؛ تتحرك أيضاً بحق النقض الذي تمنحه إسرائيل لنفسها على سيادة الدولة المجاورة.
جنوب لبنان: صناعة أرض بلا عودة
في جنوب لبنان لا تزال الآلية مختلفة: لا استيطان مدنياً معلناً، بل احتلال عسكري يصنع شروط الديمومة. تبدأ العملية بأوامر الإخلاء، ثم تدمير المنازل والجسور والطرق، فإقامة التحصينات، ومنع السكان من العودة، وأخيراً رسم نطاق على الخريطة وتسميته «حزاماً أمنياً».
هكذا لا تُعلن إسرائيل ضم الجنوب، لكنها تنتزع من لبنان حقه العملي في إدارة جزء من أرضه وتحوّل عودة أهله إلى بند تفاوضي.
في آذار/مارس 2026 أُمر سكان المنطقة الواقعة جنوب الليطاني بالمغادرة، وأعلن كاتس أن الجيش سيسيطر على «المنطقة الأمنية» حتى النهر، فيما كان جيشه يُنشئ تحصينات ويهدم ويفجر منازل في القرى المفرغة. ثم نشرت إسرائيل في حزيران/يونيو خريطة لنطاق سيطرة أوسع بلغ محيط النبطية في شمال نهر الليطاني، بالتوازي مع تفاوضها على إبقاء قواتها داخل الأراضي اللبنانية واحتفاظها بحرية الحركة خارج النطاق المرسوم.
الخطر، إذاً، ليس في بقاء دبابة على تلة اسمها علي الطاهر أو الشقيف فحسب، بل في إنتاج جغرافيا لا يستطيع أصحابها العودة إليها. فالقرية المهدمة ليست مجرد خسارة عمرانية؛ إنها أداة سياسية. والأرض المحروقة لا تُضعف القدرة العسكرية وحدها، بل تفكك شروط الحياة التي تسمح للمجتمع بالبقاء.
وحين يُربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، ثم تُضاف شروط أمنية جديدة كلما اقترب التفاوض من إحداها، يتحول الاحتلال من نتيجة للحرب إلى وسيلة لإعادة تعريف الحدود.
وهنا لا بد من قول الأمور بوضوح. سلاح حزب الله خارج الدولة يطرح أزمة لبنانية عميقة لا يمكن إنكارها، لكن هذه الأزمة لا تمنح إسرائيل حق احتلال الأرض أو هدم القرى أو فرض أحزمة داخل دولة أخرى. القرار 1701 لا يجعل الانسحاب الإسرائيلي مكافأة مؤجلة إلى ما بعد تنفيذ لبنان واجباته؛ بل يفرض مسارات متوازية من الالتزامات. ولا تُبنى دولة لبنانية قوية إذا صار احتلال جزء من أرضها أداة ضغط لتقويتها.
الحجة الأمنية وحدودها
تقول الحجة الإسرائيلية المقابلة إن هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وحرب الإسناد التي أطلقها حزب الله، أثبتا أن الحدود القديمة لا توفر الأمن، وأن الأحزمة والمناطق المنزوعة السلاح باتت إجراءات دفاعية. لهذه الحجة منطقها في حسابات الأمن الإسرائيلي، لكنها تسقط أمام 3 اختبارات: الحد، الزمن والسكان.
فالإجراء الدفاعي يجب أن يكون محدداً، مؤقتاً، وألا يقوم على اقتلاع المدنيين. أما حين يتحرك الخط باستمرار، ويُمنع الأهالي من العودة، وتُهدم البيئة التي تسمح لهم بالحياة، وتُموّل المستوطنات والبنى الدائمة، فالأمن لا يعود قيداً على القوة بل يصبح لغتها المفتوحة.
المشكلة أن إسرائيل لا تعرّف أمنها ولا حدودها. صار ما يُسمى “التهديد” يُبرّر لها حدودها المتحركة. لذلك صارت الضفة عمق للداخل، والجولان عمق للشمال، وجنوب لبنان عمق للجليل، والجنوب السوري عمق للجولان.
وكل مساحة تُحتل باسم حماية ما وراءها تحتاج، بعد تثبيتها، إلى مساحة جديدة تحميها. إنها هندسة توسع لا تستطيع بلوغ الشبع، لأن مبررها يتجدد مع كل خط ترسمه.
حين تصبح الإدانة مهلةً للمحتل
ما يربط الساحات الثلاث أيضاً هو اطمئنان إسرائيل إلى أن الاعتراض الدولي لن يتحول غالباً إلى كلفة. تُدان المستوطنات، ثم تُموّل. يُرفض ضم الجولان، ثم يُكافأ باعتراف أميركي. يُطالب بانسحاب إسرائيل من لبنان، ثم تتحول الوساطة إلى تفاوض على عمق بقائها وشروطه. وحين يناقش العالم الاسم القانوني لما يحدث بعد اكتماله، يكون قد منح إسرائيل أهم مواردها: الوقت.
تريد إسرائيل من العالم أن يرى في كل ساحة حادثة منفصلة: شغب مستوطنين في قرية فلسطينية؛ حاجة أمنية عند نهر الليطاني في جنوب لبنان؛ فراغٌ عسكريٌ خلف الجولان. لكن جمع الوقائع يكشف نظاماً واحداً لإنتاج الحدود.
فالتوسع لا يأتي دائماً مرتدياً زيّاً رسمياً. قد يصل في دورية شرطة، أو عطاء سكني، أو أمر إخلاء، أو خريطة ملونة بخط جديد. والخطأ الأخطر هو انتظار إعلان إسرائيل خريطتها النهائية؛ لأنها حين تعلنها، تكون قد فرغت منذ زمن من رسمها على الأرض.
في الداخل الإسرائيلي، تمنح الرواية التوراتية التوسع شرعيته التاريخية والدينية. وفي الخارج، يمنحه خطاب الأمن لغة حديثة قابلة للتسويق. العقيدة تقول إن الأرض حق، والأمن يقول إن السيطرة ضرورة؛ وعندما يلتقي الحق المزعوم بالضرورة المفتوحة، لا تعود للحدود نقطة منطقية تتوقف عندها.
ولهذا فإن «إسرائيل الكبرى» ليست مشروعاً لزيادة مساحة إسرائيل فحسب، بل لإنقاص سيادة محيطها: فلسطين بلا دولة، وسوريا بلا حرية دفاعية كاملة، ولبنان لا يقرر مصير جنوبه.
إسرائيل الكبرى، إذاً، ليست نبوءة تنتظر المستقبل. إنها أفعال مضارعة تجري الآن: تُسجّل أرض، تُشق طريق، تُنقل صلاحية، تُبنى مستوطنة، تُفرغ قرية، تُمنع عودة، ويُرسم خط جديد. وعندما يكتمل التراكم، يأتي الإعلان متأخراً ليصف فقط ما صار قائماً. ما صار أمراً واقعاً.
