لم يكتفِ نتنياهو، في خطابه أمام الجمعية العامة، بالدفاع عن الواقع الذي تفرضه إسرائيل في الجولان، وإنما اخترع رواية دينية وتاريخية لتثبيت فكرة الوجود اليهودي القديم فيه، بما يعيد فتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بالطريقة التي يمكن أن تستخدم بها إسرائيل التاريخ في بناء سردية سياسية وجغرافية جديدة للمنطقة.
المشكلة ليست في أن يكون للتاريخ الديني مكان في الذاكرة الجماعية، ولا في أن يستحضر أي شعب تاريخه القديم، وإنما في تحويل ذلك التاريخ، عبر تزويره، إلى أداة لإنتاج حقوق سيادية معاصرة. فإذا كان وجود جماعة بشرية في منطقة قبل آلاف السنين يمكن أن يُستخدم لتبرير السيطرة السياسية عليها اليوم، فإن الباب يصبح مفتوحًا أمام سلسلة لا تنتهي من الادعاءات التاريخية، ويمكن لكل طرف عندها أن يعود آلاف السنين إلى الوراء ليعيد رسم الخريطة وفق الرواية التي تناسبه.
وهنا يصبح من المشروع طرح السؤال اللبناني: إذا كان بالإمكان إعادة تقديم الجولان أمام العالم من خلال رواية مزعومة تبدأ من أيام موسى، فما الذي يمنع مستقبلًا من استخدام الأسلوب نفسه في الحديث عن جبل حرمون أو مناطق أخرى متصلة بلبنان وسوريا وفلسطين؟ وهل ينبغي للبنان أن ينتظر حتى تتحول الروايات السياسية إلى وقائع عسكرية وديموغرافية على الأرض، ثم يبدأ في البحث عن رد فعل؟
والأهم أن التعامل مع التاريخ يجب أن يكون دقيقًا حتى عندما نختلف جذريًا مع الطريقة التي تستخدمه بها إسرائيل. فالرواية الواردة في سفر التكوين حول إبراهيم وسارة تقول إن إبراهيم كان في أورشليم عندما توفيت زوجته، وطلب من الكنعانيين أرضًا لدفنها فأهدوه هذه الأرض، كما أن أورشليم مدينة بنتها مملكة صور. وهذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف خطورة تحويل النصوص الدينية القديمة إلى خرائط سياسية حديثة؛ فالمنطقة في العصور القديمة كانت تضم شعوبًا وممالك ومجموعات متداخلة، ولا يمكن إسقاط الحدود والقوميات والدول الحديثة عليها بصورة آلية.
لكن إذا كان مطلوبًا من اللبناني أن يكون دقيقًا في قراءة التاريخ، فإن المطلوب من المجتمع الدولي أن يكون أكثر دقة في التعامل مع استخدام مزاعم تاريخية لتبرير الاحتلال أو تغيير الحدود. فالقانون الدولي لا يمنح دولة حق السيادة على أرض استنادًا إلى رواية دينية مزعومة تربط جماعة بشرية بها في زمن قديم. والجولان مثال واضح على ذلك، إذ إن الاعتراف الدولي بوضعه القانوني لم يتغير لمجرد أن إسرائيل تسيطر عليه منذ عقود أو أن حكومتها تقدم رواية تاريخية ودينية لتبرير وجودها فيه.
وهنا تبرز المفارقة اللبنانية. فالرد الوحيد الواضح على هذا النوع من تزييف الوقائع جاء من الخارج، ولا سيما من فرنسا، التي جددت تمسكها بالقانون الدولي وبالحدود المعترف بها دوليًا، مؤكدة أن تغيير الخرائط بالقوة ليس أمرًا يمكن إقراره بقرار أحادي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين الصوت اللبناني؟ ولماذا لا يتحول كل ادعاء يمس الجغرافيا اللبنانية أو يمهد للمساس بها إلى موقف رسمي واضح لا يحتمل الالتباس؟
الأمر يصبح أكثر إثارة للقلق عندما ننتقل من الخطاب إلى الجغرافيا. فقد تعمّد نتنياهو، قبل سفره إلى الولايات المتحدة، زيارة جبل حرمون، وظهر أمام الكاميرات متحدثًا عن الموقع باعتباره جزءًا من المنظومة الاستراتيجية التي باتت إسرائيل تسيطر عليها بعد سقوط النظام السوري السابق. وهنا لا بد من الدقة أيضًا: جبل حرمون أرض لبنانية، وأي تحول عسكري إسرائيلي في المنطقة لا يبرر المس، بصورة مباشرة، بالأمن اللبناني والجغرافيا المتصلة بالحدود اللبنانية.
المقلق في هذه المشاهد ليس الزيارة وحدها، بل الطريقة التي تتحول بها السيطرة العسكرية إلى لغة سياسية عادية، ثم تتحول اللغة السياسية تدريجيًا إلى واقع دائم. فالوقائع الكبرى لا تبدأ دائمًا بإعلان ضم رسمي، وإنما قد تبدأ بموقع عسكري، ثم طريق، ثم منطقة عازلة، ثم وجود أمني، ثم واقع ديموغرافي، ثم خطاب سياسي يبرر الأمر باعتباره ضرورة أمنية أو استعادة لحق تاريخي.
ولكن ماذا لو انتقلت هذه المنهجية يومًا إلى الجنوب اللبناني؟ ماذا لو قررت إسرائيل استقدام مستوطنين إلى مناطق حدودية، أو إقامة واقع سكاني جديد، أو التعامل مع أراضٍ لبنانية باعتبارها جزءًا من مجالها الأمني؟ ماذا سيفعل لبنان عندها؟ هل سيكتفي ببيانات الاعتراض، إن صدرت؟ هل سينتظر موقفًا أميركيًا أو فرنسيًا أو أمميًا؟ أم سيكون قد بدأ التحرك منذ الآن لتثبيت حقوقه وحدوده ومنع الوصول إلى تلك اللحظة؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، خصوصًا أن التحذيرات المتعلقة بمستقبل الجنوب لم تعد تأتي من بعض الأطراف السياسية اللبنانية فحسب، بل ظهرت أيضًا في مواقف ودوائر دولية ودينية مختلفة، بما فيها الفاتيكان، الذي عبّر عن القلق من مصير سكان الجنوب ومن التحولات التي يمكن أن تجعل بقاءهم في أرضهم أكثر صعوبة. وإذا كان الخارج يرى خطورة التغيير الديموغرافي والتهجير وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي، فمن المفترض أن يكون اللبنانيون أول من يدرك خطورة ذلك.
والأمر لا يتوقف عند الجغرافيا والسياسة. فالجنوب أرض يمتلكها لبنانيون، وبيوت وحقول وأشجار وذاكرة عائلية تمتد مئات السنين. وفي هذا السياق، برزت قضية رجل أعمال لبناني رفع في فرنسا دعوى ضد إسرائيل، بعدما قال إن الجيش الإسرائيلي اقتلع من أرضه في الجنوب نحو ستمئة شجرة معمّرة، يعود عمر بعضها إلى قرون، وذلك بعد تدمير منزله. وقد أخذت القضية صدى في وسائل الإعلام الفرنسية، فيما بقي حضورها في لبنان معدومًا بصورة تثير التساؤل.
قد تكون هذه القضية في نهاية المطاف أمام القضاء، وقد يثبت القضاء الاتهامات أو ينفيها، لكن قيمتها السياسية تتجاوز مصير مئات الأشجار. إنها تطرح سؤالًا حول معنى الملكية اللبنانية في الجنوب، وحول ما إذا كان لبنان يتعامل مع أراضي مواطنيه باعتبارها جزءًا من السيادة الوطنية أم باعتبارها تفاصيل يمكن أن تضيع وسط الصراع الأكبر.
والأخطر أن الولايات المتحدة، التي اعتاد اللبنانيون سماع تأكيدها على سيادة لبنان واستقلاله ووحدة أراضيه، باتت تتحدث في سياق جديد أكثر تعقيدًا، يرتبط بالتفاوض الأمني وإعادة ترتيب الوضع على الحدود الجنوبية وملفات السلاح والسيطرة على الأرض. هذا التغير في اللغة والسياق يستحق المتابعة الدقيقة، خصوصًا في ظل خرائط إسرائيلية ظهرت في مراحل مختلفة وأثارت أسئلة حول النظرة الإسرائيلية إلى الحدود والمجال الأمني في جنوب لبنان.
ومن هنا، لا يجوز للبنان أن ينتظر حتى يعرف ماذا تريد إسرائيل تحديدًا. فالدولة التي تنتظر أن يعلن خصمها طموحه النهائي تكون قد تركت له مساحة واسعة لصناعة الوقائع. المطلوب أن يحدد لبنان بنفسه ما الذي يعتبره أرضًا لبنانية، وما حدوده، وما حقوق مواطنيه، وما الآليات القانونية والدبلوماسية والسياسية التي يريد استخدامها لحماية هذه الحقوق.
بعد «طوفان الأقصى»، استخدم نتنياهو في خطبه لغة دينية مستندة إلى نبوءات الكتاب المقدس، ومن بينها نبوءة إشعيا، وربط الصراع بمعركة بين النور والظلام، بينما يحتوي النص نفسه على إشارات واضحة إلى لبنان تعمّد نتنياهو تحويرها. والمشكلة، مرة أخرى، ليست في النص الديني، وإنما في انتزاعه من سياقه وتحويله إلى لغة سياسية معاصرة تخدم مشروعًا محددًا. وعندما يحدث ذلك بصورة متكررة من مسؤول إسرائيلي على أعلى مستوى، يصبح من واجب لبنان أن يقرأ هذه الخطابات باعتبارها جزءًا من صناعة الوعي السياسي الذي قد يؤثر لاحقًا في تحديد الحدود والمصالح.
ليس المطلوب من لبنان أن يدخل في حرب دينية أو أن يواجه رواية دينية برواية مضادة، ولا أن يبحث عن نصوص عمرها آلاف السنين ليبرهن على حقه في أرضه. يستطيع لبنان الدفاع عن أرضه من خلال التاريخ الموثق والخرائط والوثائق والحدود والقانون الدولي والقرارات الدولية وملكية المواطنين والوجود الديموغرافي المستمر. لكن ذلك يحتاج إلى دولة تتحدث بصوت واحد.
وهنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي ألا يبقى مؤجلًا: متى يختصر اللبنانيون المسافة ويدعون إلى مؤتمر وطني عاجل يجمع القوى السياسية والمرجعيات والمؤسسات، لوضع الخلافات والملفات المتعلقة بالحدود والسيادة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم والجنوب تحت سقف لبناني واحد؟ متى تصبح حماية الجنوب قضية وطنية تتقدم على الخلافات السياسية اليومية؟ ومتى يصبح الاتفاق على الأرض اللبنانية سابقًا للاتفاق على أي شيء آخر؟
فالخطر لا يكمن فقط في رواية تاريخية مزوّرة، أو في احتلال منطقة جبلية وإقامة موقع عسكري، أو في ظهور خريطة لا وجود لجبل عامل فيها ثم اختفائها. الخطر الحقيقي يكمن في تراكم الوقائع: خطاب يعيد تفسير التاريخ، وسيطرة عسكرية تعيد تشكيل الجغرافيا، وخرائط تثير علامات استفهام، ومفاوضات ترسم ترتيبات جديدة، فيما لبنان غارق في خلافاته الداخلية.
الدول لا تحمي حدودها بالشكوى بعد ضياعها، ولا بالحنين بعد تغير الواقع، ولا بانتظار أن يأتي الآخرون للدفاع عنها. تحميها برؤية واضحة لحدودها، ومؤسسات قادرة على الدفاع عنها، وموقف سياسي موحد، وملفات قانونية ودبلوماسية جاهزة، وإرادة وطنية تمنع تحويل أرضها إلى ورقة تفاوضية بيد الآخرين.
وإذا كان هناك من يعتقد أن الحديث عن جبل عامل والجنوب والحدود مبالغ فيه، فإن التاريخ القريب يقدم درسًا مختلفًا: الوقائع التي تبدو صغيرة في بدايتها قد تصبح بعد سنوات حقائق يصعب تغييرها. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا سيحدث إذا تغيرت الخريطة، بل ماذا يفعل لبنان الآن لمنع تغييرها؟
فهل ينتظر اللبنانيون أن يصبح المستوطن واقعًا، والموقع العسكري قاعدة، والخريطة الجديدة أمرًا واقعًا، ثم يجتمعون ليتساءلوا أين ذهب الجنوب؟ أم أن الوقت حان لأن يختصروا المسافة، ويجلسوا إلى طاولة واحدة، ويتفقوا، ولو لمرة واحدة، على أن الأرض اللبنانية ليست مادة للمساومة الداخلية ولا مساحة للصمت الرسمي، وأن الجنوب ليس هامشًا على الخريطة، بل جزء أصيل من الكيان اللبناني يجب الحفاظ عليه قبل الاضطرار إلى البكاء عليه؟
