السلاح والتفويض.. من يملك حق الحرب؟

أخطر ما يمكن أن يحدث حين يمتلك فاعلون مسلحون من غير الدول السلاح ليس أن يخطئوا في تقدير عسكري ما، بل أن يتعاملوا مع حقهم في خوض معركة أو حرب ما كأنه أمر مفروغ منه. فبين عدالة القضية وحق اتخاذ قرار الحرب مسافة لا تختصرها الشعبوية، ولا السلاح، ولا التاريخ النضالي. وحين يقرر فصيل خوض حرب تتجاوز نتائجها حدود التنظيم إلى شعب أو دولة، يبرز السؤال الذي غالباً ما يأتي متأخراً: من فوّضه؟ ومن يحاسبه عندما يدفع الآخرون ثمن قراره؟ هنا تبدأ المراجعة الحقيقية: من هو صاحب القرار؟

في تاريخ الحركات السياسية والأيديولوجية، لا تكون المراجعة الجدية مجرد اعتراف بخطأ أو تعديل في الخطاب، بل إخضاع التجربة نفسها للنقد: أفكارها، أدواتها، قراراتها، علاقتها بالمجتمع والدولة، والأهم حدود السلطة التي تمنحها لنفسها باسم قضية أو عقيدة أو مشروع سياسي. فالمراجعة ليست إعادة تموضع بعد الهزيمة، ولا تغييراً في الخطاب تحت ضغط موازين القوى؛ إنها سؤال عن كيفية إنتاج القرار: من يملكه؟ ومن يشارك في صنعه؟ ومن يتحمل نتائجه؟

تقدم تجربة جماعة الإخوان المسلمين مثالاً مهماً على هذه الإشكالية. فقد ظهر كتاب «دعاة لا قضاة» في سياق الصراع الفكري داخل الجماعة في السجون المصرية، ولا سيما حول التكفير والحاكمية وحدود الحكم على المجتمع، واعتبرته قراءات عديدة محطة في الابتعاد عن بعض أشد أطروحات الفكر القطبي، نسبة إلى سيد قطب، تشدداً. لكن قيمة التجربة لا تكمن فقط في مضمون المراجعة، بل في السؤال الذي تركته مفتوحاً: هل تحولت المراجعة من نص إلى ثقافة؟

قد يصحح نص مفهوماً أو يعيد ضبط خطاب، من دون أن تصبح المراجعة قاعدة مؤسسية دائمة. وقد تنتج الحركة نقداً لأفكارها، من دون أن تطور آليات مستمرة لمراجعة المؤسسة التي تنتج القرار. ومن هنا ينتقل السؤال من «من يملك حق الحكم على المجتمع؟» إلى سؤال سياسي أكثر إلحاحاً: من يملك حق اتخاذ القرار باسمه؟

حين تجمع الحركة بين قضية سياسية، وقاعدة اجتماعية، وتنظيم، ثم قوة مسلحة، يصبح الفصل بين مستويات الشرعية ضرورياً. قد تجتمع هذه العناصر في حركة واحدة، لكنها لا تنتقل تلقائياً من مستوى إلى آخر. فالشعبية ليست تفويضاً مفتوحاً، وامتلاك القوة لا ينتج وحده شرعية سياسية، وشرعية المقاومة لا تحسم تلقائياً سؤال من يملك قرار الحرب والسلم؟

وهنا تصبح المراجعة أعمق: لا يكفي أن تراجع الحركة نتائج قراراتها، بل عليها أن تراجع أيضاً مصدر حقها في اتخاذها وحدود هذا الحق؟

حماس: من يمثل القرار؟

تقدم حماس حالة شديدة التعقيد، إذ جمعت، منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، بين المقاومة المسلحة ودور السلطة الحاكمة فعلياً في القطاع، ضمن بنية قيادية تتوزع بين مستويات داخل غزة وخارجها ومؤسسات شورى.

ويزداد السؤال حساسية عند تناول قضية بحجم قرار “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أحاط به من نقاش حول دائرة اتخاذ القرار وتوقيته ومستوى اطلاع مختلف القيادات عليه. لكن الأهم من تفاصيل العملية نفسها هو السؤال السياسي الذي تطرحه: إذا اتُّخذ قرار مصيري داخل بنية تنظيمية لحركة تمتلك قاعدة شعبية وسلطة أمر واقع، فمن أين تأتي شرعيته الوطنية الأوسع؟

قد يُستند إلى الشرعية الانتخابية، لكن التفويض الانتخابي لا يعني تفويضاً مفتوحاً لكل قرار لاحق، ولا سيما قرار حرب تمتد آثاره إلى المجتمع بأكمله.

والنقاش هنا لا يتعلق بحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، ولا يحسم مسبقاً مشروعية المقاومة كفكرة، بل يتعلق بآلية التفويض والتمثيل والمساءلة: كيف يُنتج القرار؟ ومن يمثل المجتمع في اتخاذه؟ ومن يحاسب صاحبه عندما تتجاوز نتائجه حدود التنظيم؟

وتزيد الحالة الفلسطينية تعقيداً بسبب غياب دولة ذات سيادة مكتملة، والانقسام في المؤسسات الوطنية، ما يجعل بناء آليات واضحة للتمثيل والمساءلة أكثر صعوبة. لكنه لا يلغي السؤال. فغياب الدولة لا يعني غياب المجتمع، وغياب الانتخابات لا يعني سقوط سؤال التفويض.

ويبقى السؤال: من يملك حق اتخاذ القرار باسم الفلسطينيين؟

حزب الله: حدود التفويض

في لبنان، تختلف الصورة جوهرياً. فحزب الله فاعل سياسي ذو حضور مؤسساتي وشعبي، وفي الوقت نفسه يمتلك قوة عسكرية مستقلة عن المؤسسة العسكرية الرسمية. وهذه الازدواجية تجعل موقعه مختلفاً عن فصيل يعمل في غياب دولة ذات سيادة مكتملة.

في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأ الحزب استهداف مواقع إسرائيلية على الحدود اللبنانية، في سياق ما أسماها “حرب الإسناد” تضامناً مع الفلسطينيين، في اليوم التالي لطوفان الأقصى.

هنا لا يتعلق السؤال بغياب الانتخابات، بل بحدود التفويض الذي تمنحه الانتخابات لممثل سياسي عندما يمتلك، في الوقت نفسه، قوة عسكرية مستقلة. ففوز الثنائي الشيعي بجميع المقاعد الشيعية في انتخابات 2022 (27 مقعداً) يعكس حضوراً انتخابياً وسياسياً حقيقياً، لكنه لا يحسم وحده ما إذا كان هذا التفويض يمتد إلى قرار الحرب والسلم.

كما اقترنت مشاركة الحزب السياسية، على مدى سنوات، بثلاثية«الجيش والشعب والمقاومة» التي وردت في بيانات وزارية لبنانية، ما منح هذه المعادلة غطاءً سياسياً رسمياً، من دون أن يحسم ذلك مسألة المرجعية الدستورية لقرار الحرب والسلم.

وهنا ينبغي الفصل بين التمثيل السياسي والتفويض العسكري. فوجود قاعدة شعبية، أو مشاركة في المؤسسات، أو غطاء سياسي، لا يعني امتلاك تفويض وطني مفتوح لاتخاذ قرار عسكري نيابة عن الدولة والمجتمع.

إقرأ على موقع 180  إزالة تشوّهات قانون الانتخاب.. مدخل للإصلاح الحقيقي 

ولا ينبغي اختزال البيئة الشيعية، أو أي جماعة اجتماعية كاملة، في موقف تنظيم سياسي واحد. فالتعدد داخل الجماعة جزء من سؤال التمثيل نفسه.

وفي لبنان، حيث الدولة موجودة ومؤسساتها قائمة، يصبح السؤال أكثر تحديداً: من يملك، دستورياً وسياسياً، قرار الحرب والسلم؟ وهنا تختلف الحالة اللبنانية جذرياً عن الحالة الفلسطينية.

سياقان مختلفان.. سؤال واحد

لا يمكن وضع حماس وحزب الله في نموذج واحد. لكل منهما سياقه التاريخي والتنظيمي، وعلاقته المختلفة بالدولة والمجتمع والقوى الإقليمية. لكن التجربتين تلتقيان عند سؤال واحد: متى تتحول الحركة من تمثيل قضية إلى امتلاك قرار ذي كلفة وطنية؟

عند هذه النقطة، لا تعود عدالة القضية وحدها كافية للإجابة. يصبح السؤال عن سلسلة من مستويات الشرعية: شرعية القضية، ثم شرعية التمثيل، ثم التفويض، وصولاً إلى امتلاك القوة وحق اتخاذ القرار.

في الدولة ذات السيادة، يُفترض أن تكون المرجعية الدستورية لقرارات الحرب والسلم واضحة، وأن ترتبط القوة المسلحة بمؤسسات الدولة وآلياتها. أما في حالات الاحتلال أو غياب الدولة المكتملة، فيصبح التحدي هو بناء أوسع صيغة ممكنة للتمثيل الوطني، وآليات تشاور ومساءلة تمنع احتكار القرار الاستراتيجي داخل دائرة تنظيمية ضيقة.

وهذه ليست دعوة إلى التخلي عن القضايا الوطنية، ولا إنكاراً لحق الشعوب في الدفاع عن حقوقها. إنها محاولة للفصل بين القضية ومن يتحدث باسمها، وبين القوة ومن يملك قرار استخدامها.

وهنا تعود المراجعة إلى نقطة البداية. ليست المسألة فقط: هل كان القرار صائباً؟ وهل نجحت الحركة في تنفيذه؟ بل السؤال الأكثر حساسية: هل كان لها، أصلاً، حق اتخاذه؟

فالمشكلة لا تبدأ عند قرار خاطئ فحسب، بل عند بنية تسمح لفصيل بأن يتخذ قراراً تتحمل جماعة بأكملها نتائجه. عندها تصبح المراجعة الحقيقية أكبر من الاعتذار عن خطأ أو تعديل خطاب؛ إنها مراجعة للحق الذي يمنحه التنظيم لنفسه كي يقرر عن مجتمع كامل.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  إزالة تشوّهات قانون الانتخاب.. مدخل للإصلاح الحقيقي