لنفتح نافذة خلف الغيم الأسود

يخرج العالم من حروبه منهكاً بلا منتصر أو خاسر، أمام قوافل الموتى والمصابين. يعيد النظر بأنظمته بعد أن داهمه وباء يكاد يحطم كل حي يقف قبالته ويهشم صورة دول قوية استمرت قرونا من الزمن تتنازع على تداول التسلط على دول اقل قدرات منها، فبات انقسام العالم حتميا بين فقير وغني.

لطالما تنازع الأقوياء على جغرافيات تتلون خرائطها وخاضوا حروب تقاتل لا بداية ولا نهاية لها. تتبدل العناوين، لكن الوقود على الدوام هم الأكثر ضعفا، ومن أضعف من الدول النامية ومن منطقتنا التي تكون دائما حصتها كبيرة من الويلات. ملايين الأطفال والشيوخ والنساء ينضمون إلى قوافل النازحين والمعذبين ومعوقي الحرب وضحاياها.

الدول المنسية لا تستحضر في قاموس العالمية سوى بالحروب حتى لو كانت غنية بثرواتها. دائماً كانت مهملة لا نستحضرها في الأخبار والصحف العالمية الا اذا تناتشتها الحروب والأزمات الكبرى.

وهكذا كان لبنان في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بنظر العالم المتمدن. لا يفوتني هنا الإلتباس الذي كان يقع فيه إيطاليون كانوا يواكبون هربي مع طفلي من حمم القذائف في لبنان إلى إيطاليا. لدى سؤالهم لنا إلى أي بلد ننتمي، وما أن نجيبهم بكلمة “libano”، حتى تكون ردة فعلهم “kazafi”. نضحك ونوضح لهم “بيروت”، فتكون ردة فعلهم “آه.. حيث الحرب”. هكذا شاؤوا أن يفهموا هويتنا وبلدنا وعاصمتنا.

خمسة وأربعون عاما مضت، لم تكن حربا كلها ولم تكن سلاما ولا طمأنينة، لكن اللافت للإنتباه، حالياً، وإزاء وباء حشر العالم كله في زاوية التهديد، أن البعض يأخذنا الى فظائع الحرب في بداياتها بكل نتانتها وشعاراتها الفارغة، وكأنه يشحذ الهمم خلف متاريس هوائية حتى يبقى بطلا على متراسه، متناسيا ان العالم الكوني يتهاوى على رؤوس الجميع، وأن الدول العظمى تنام على نظرية لتصحو على أخرى في مواجهة ما هو مقبل من إنهيارات في نظمها الاقتصادية والاجتماعية وان لا قلق يوازي هذا القلق الوجودي الذي يوحد كل بقاع الكون.

حبذا لو أننا نفتح نافذة خلف الغيم الأسود المتراكم في القلوب لنتطلع الى حلول وإن كانت جزئية. الى احتمالات مهما بدت متواضعة لسد رمق عائلات ستكون بلا مدخول مع تعطل الدورة الإقتصادية ومع سرقة مشرعنة لأموال المودعين لم تجد النظريات والإجراءات حلا ولو متواضعا لها. يدهشني كيف ان الاصوات لم تتوحد بعد على كثرتها وتتحول دعوة واحدة يقف تحت سقفها الجميع، تضامنا مع المصابين ومع عائلاتهم لأي مذهب او منطقة انتموا، لا بل يدهشني أكثر اننا ألبسنا الأكفان والتوابيت للضحايا الذين يسقطون امام القاتل الكوروني المجهول. البسناهم سواد قلوبنا المفتتة بين مذهبيتنا وطائفيتنا ومناطقيتنا وحروبنا التي لا أدري فعلا إن كانت ستلج طريق النهاية يوما ما.

نعم، أمام اقتصادنا المنهار وأموالنا التي أكلها الفاسدون وكبار التجار، لم يرتفع صوت لبناني موحد لتحديد المسؤوليات وصولاً إلى المحاسبة. لم يبادر أحد إلى تسمية الأشياء بأسمائها، لأن لكل شريحة اعتباراتها، وحتى الإنتفاضة أُسقط في يدها، فكان شعار “كلن يعني كلن”، تغييبا وتجهيلاً للفاعل وبالتالي للمسؤول وجعل المسؤولية عامة وضبابية.

قبل ان تنهار الجبال الجلدية، تهدُر في آخر لحظة، لكنها لا تمنح فرصا للنجاة. فهل ننصت ونلتقط صوت تلك الأمعاء الخاوية.. قبل أوان الانفجار الاجتماعي ـ الإنهيار المقبل؟

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course