قصة حزب الله.. وأيُّ مخرجٍ مُمكنٍ لهذه الحرب؟

يستمرّ حزب الله في تحدّيه العلني للسلطة وفي إقحام لبنان في حرب إيران، غير آبه بالتبعات الكارثية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية على البلاد، وتستمرّ حكومة الرئيس نوّاف سلام، ومعها رئيس الجمهورية جوزاف عون، بسياسة شراء الوقت وانتظار أي تسوية أو مساعدة خارجية ممكنة.

عمليّاً وواقعاً وفعليّاً، أعطى حزب الله التوقيت الذي كانت تنتظره إسرائيل لتطبيق مشروعها الأول والأساسي في لبنان، وهو احتلال الجنوب اللبناني وفرض منطقة عازلة حتى الساعة بحدود 10-15 كلم جنوب الليطاني وصولاً إلى البقاع الغربي ومنطقة المصنع، بالإضافة إلى تدمير الضاحية بشكل كامل كإجراء انتقامي من الحزب وبيئته. في سياق متصل، تسقط كل الذرائع التي يقدمها الحزب لبيئته أولاً، بدءاً من استباق ضربة إسرائيلية محتملة وصولاً إلى ما يعتبره “نفاد الصبر” ممّا يصفه تقاعس الدولة في دفع الاحتلال الإسرائيلي إلى الانسحاب من النقاط السبع التي كان يحتلّها قبل أن يشرّع الباب، بسبب الصواريخ الستة التي أطلقها “ثأراً لاغتيال المرشد”، إلى تشريع الجنوب أمام احتلاله مجددًا وتدميره وتهجير أهله.

عمليّاً، نسف حزب الله كل المحاولات التي كانت الدولة اللبنانية تقوم بها لإثبات قدرتها على فرض سلطتها وقرارها في لبنان. وعمليّاً أيضاً، أعطى الاحتلال الإسرائيلي هذه الورقة السياسية التي سحبها من الدولة كذريعة إضافية لتسويق الرواية الإسرائيلية حول عجز الدولة وعدم جديّتها. وبالتالي، ما كان خطّاً أحمر في حرب الـ66 يوماً في العام 2024 بات اليوم مشروعاً أمام الوسيط الأساسي القادر على التعامل مع الاحتلال، أي الولايات المتحدة الأميركية.

ففي العام 2024، فرضت الولايات المتحدة، بوساطة من الدول العربية والإقليمية الصديقة للبنان، خطوطاً حمر لإسرائيل في عدوانها على لبنان كجزء من تسوية قبلتها الدولة وقبلها الحزب نفسه، برغم سياسة الإنكار التي يتبعها، والتي كانت تقضي بأن تقوم الدولة اللبنانية بحصر السلاح بمهلة زمنية محددة، ليس فقط جنوب الليطاني، بل على كامل الأراضي اللبنانية.

آنذاك توقفت الحرب نظرياً، لكن إسرائيل أبقت على احتلالها لخمس نقاط بذريعة أنها لا تثق بقدرة الدولة اللبنانية. وبعد أشهر من وقف إطلاق النار المفترض، وفيما كانت الدولة اللبنانية ترسل إشارات إلى الوسطاء بأنها بدأت عملية حصر السلاح وتحاول مقايضة هذه الخطوة بطلب انسحاب الجانب الإسرائيلي من النقاط الخمس، بدأ الاحتلال الإسرائيلي باتهام حزب الله بأنه يعمل على إعادة ترميم القدرات العسكرية، وبأن الدولة غير جادة في عملها في حصر السلاح جنوب الليطاني.

على الأثر، عزّز الاحتلال تواجده في الجنوب من خلال احتلاله نقطتين إضافيتين، وأعلن أنه لن ينسحب قبل أن تنتهي الدولة من عملية حصر السلاح نهائياً وفرض سلطتها بشكل فعلي على كامل الأراضي اللبنانية.

وتندرج هذه السياسة الإسرائيلية ضمن عقيدة “الأمن الاستباقي” التي فعّلتها إسرائيل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، والتي تقوم، انطلاقاً من ميزان القوى، على مهاجمة أي “تهديد” تحت ذريعة حماية المستوطنات الإسرائيلية من أي هجوم محتمل.

مناورة تحييد لبنان

في ذلك الوقت، كان حزب الله يتبع سياسة مزدوجة تقوم على المناورة وشراء الوقت ريثما تتضح الصورة أكثر في المفاوضات التي بدأت بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. كان الحزب يوهم الدولة اللبنانية والشعب اللبناني والمجتمع الدولي بأنه يحترم قرار الدولة اللبنانية بحصر السلاح، وبخاصة أنه ممثَّل في الحكومة بوزيرين. وفي الوقت نفسه كان لا يفوّت فرصة إلا ويهاجم هذه الحكومة ورئيسها، وصولاً إلى تخوينه واتهامه بالعمالة.

هذا التناقض كان في الحقيقة سياسة مدروسة ضمن مناورة لشراء الوقت لإعادة ترميم القدرة العسكرية بانتظار “كلمة السر”، وهي مناورة كانت تهدف إلى حماية الشرعية السياسية الداخلية للحزب بعدما رفعت الحكومة الغطاء عن الشرعية العسكرية. هذه الشرعية لم تكن تعني فقط التواجد في الحكومة، بل أيضاً محاولة فرض أمر واقع سياسي جديد، وهو إصرار الحزب على أن يكون طرفاً مفاوضاً ومقرّراً إلى جانب الحكومة اللبنانية، وهو ما يتنافى مع فكرة وأصل وجود الدولة وفق كل الأعراف والمواثيق.

في هذا السياق، كان الحزب يحاول في حقيقة الأمر استغلال هذا الواقع لمحاولة خلق نظام سياسي جديد في لبنان يقوم على فرض مبدأ المثالثة بقوة الأمر الواقع، وهو مشروع قديم فشل معسكر الحزب آنذاك وحلفاؤه في إقراره في اتفاق الطائف، وكرّسه “الثنائي” كعرف بعد “اتفاق الدوحة” في العام 2008 من خلال التوقيع الثالث (وزارة المالية) و”الثلث المعطل”، في خطوة أدت إلى ضرب كامل لروحية اتفاق الطائف.

وبعد إعلان الحكومة أنها ماضية في استكمال حصر السلاح شمال الليطاني، تخلّى الحزب عن جزء من مناورة احترام الدولة والاعتراف بها، ليشنّ أمينه العام ونواب الحزب وقياداته هجوماً غير مسبوق على السلطة السياسية وتهديدها بالحرب الأهلية في حال طبّقت قرارها. وعبارة “يروحوا يبلّطوا البحر” التي قالها الشيخ نعيم قاسم تعليقاً على قرار الدولة شمال الليطاني هي انعكاس مباشر لثقافة الحزب ونظرته إلى الدولة.

في هذه الأثناء، كانت كل المؤشرات تشي بأن المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية تقترب. وصلت تحذيرات دبلوماسية إلى الدولة بضرورة تحييد لبنان عن أي حرب محتملة، فناور الحزب مجدداً وأعطى ضمانات هذه المرة إلى شريكه رئيس مجلس النواب نبيه بري.

إقرأ على موقع 180  ترامب العنصري.. من المساكن والكازينو إلى هاريس

فعلياً، لم يكن الحزب في وارد تسليم السلاح، لا جنوب الليطاني ولا شماله، وكل ما كان يعبّر عنه من تصريحات تدعم الدولة كان عملية شراء وقت ريثما تتضح صورة المفاوضات الأميركية مع إيران. فشلت التسوية، وأدخل الحزب لبنان في آتون الحرب وفق التوقيت الإيراني، لتقول إيران إلى كل من يعنيهم الأمر إنها ما تزال تمسك بورقة لبنان من خلال وكيلها، وبأنها ما تزال قادرة على تحريك عدد من الساحات خدمة لمصالحها.

قبل شهر من إقحام لبنان في حرب إيران، صرّح الشيخ نعيم قاسم، كما عدد من نواب الحزب، بأن الحزب يستطيع الرد على الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، لكنه يمتنع عن ذلك لكي يجنّب بيئته ولبنان الدمار الذي سيلحق به في حال أقدم على مواجهة الاحتلال، وبخاصة أن لبنان يعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية كبيرة. غير أن هذه المحرّمات التي أوهم الحزب الناس بها سقطت أمام كلمة السر الإيرانية.

ما هي خيارات الدولة؟

بحسب المعلومات الدبلوماسية، كل الشروط التي كانت مطروحة في السابق لم تعد مطروحة اليوم بفعل فشل الدولة، ليس فقط في تطبيق قرارها بحصر السلاح، بل أيضاً في منع إطلاق الصواريخ من لبنان مع بداية المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

ردّت الدولة اللبنانية بقرارها القاضي بحظر النشاطين العسكري والأمني لحزب الله، فاستكمل الحزب هجومه على الدولة وعدم اعترافه بسلطتها بالتهديد بالمواجهة الداخلية في حال أقدمت الدولة على أي خطوة فعلية.

حتى الآن، تعتمد الدولة اللبنانية على السياسة نفسها التي تنتهجها منذ عقود، وهي المناورة وشراء الوقت وانتظار المساعدة الخارجية. كل القرارات والمبادرات والأوراق السياسية التي تعمل عليها لا تقدّم ولا تؤخر، بينما المطلوب واحد، وهو تحمّل كلفة القرار، أي أن تتصرّف كدولة قادرة على فرض سلطتها وحماية حدودها.

وصلت الدولة اللبنانية إلى نقطة الحسم التي كنت من الذين يكتبون ويحذرون منها، وهي أن المظلة العربية والدولية للبنان لها صلاحية زمنية معينة. بل إن الدولة اليوم أصبحت في موقف أصعب بسبب انشغال الدول العربية والإقليمية في معالجة تداعيات الحرب على أراضيها.

اليوم المطلوب واحد من الدولة اللبنانية: توقيف مطلقي الصواريخ ومنع إطلاقها. عندها تستطيع الدول الفاعلة في الملف اللبناني الطلب من الراعي الأساسي، أي الولايات المتحدة، أن تُلزم إسرائيل بوقف عدوانها على لبنان. وأي تأخير في ذلك هو عملياً إعطاء مساحة ووقت إضافيين للاحتلال لتطبيق مشروعه ولتحويل لبنان إلى غزة ثانية.

في هذا الإطار، على الدولة اللبنانية أيضاً أن تفعّل دبلوماسيتها بالتوازي مع عملها على الأرض. إن اعتماد الدولة على الدور الفرنسي خاطئ، ذلك أن فرنسا غير قادرة على فرض أي قرار أو أي خرق لعدة أسباب، منها العلاقة الملتبسة بينها وبين الاحتلال الإسرائيلي من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية، بالإضافة إلى تراجع تأثيرها السياسي والدبلوماسي في المنطقة.

ففرنسا تحاول منذ العام 2019 إلى اليوم أن تعود لتكون لاعباً فاعلاً في السياسة الإقليمية من خلال الملف اللبناني، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل. وفي الوقت نفسه، لا يملك لبنان ترف الوقت للمناورة والالتفاف، بل عليه التوجه مباشرة إلى أصحاب القرار والجهات القادرة على لجم الاحتلال الإسرائيلي، وهذه الجهة هي الولايات المتحدة الأميركية.

من هنا تشير أوساط دبلوماسية إلى أن دولة قطر قادرة على لعب دور دبلوماسي مباشر للضغط على الجانب الأميركي والتوصّل إلى تسوية تحفظ الحد الأدنى من حقوق الدولة اللبنانية وصورتها، وفي الوقت نفسه تضمن وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وذلك بسبب علاقتها المتينة والوثيقة مع الجانب الأميركي والتنسيق المباشر والمستمر بين الطرفين في ملفات كثيرة. لكن هذا الدور لن تقوم به دولة قطر دون طلب رسمي من الدولة اللبنانية.

إسرائيل لا تحتاج إلى ذريعة لاحتلال لبنان والاعتداء عليه، لكن في السياسة التوقيت عامل أساس لمدى نجاح أي مشروع أو فشله. أعطى حزب الله التوقيت الذي تريده إسرائيل، وبتحدّيه المستمر للدولة اللبنانية فهو يعوّم الرواية الإسرائيلية أمام من يعنيهم الأمر حول عجز الدولة اللبنانية.

هذا التوقيت ينطبق أيضاً على الدولة اللبنانية التي تحاول إعادة عقارب الساعة إلى شروط العام 2024، وهو ما لم يعد مقبولاً، ليس فقط إسرائيلياً بل أيضاً دولياً. فكلما تأخرت الدولة في اتخاذ الخطوات اللازمة أصبحت الشروط الإسرائيلية والأميركية أكثر تعجيزاً، وكلما خسر لبنان من أرضه ووجوده ودوره، وكلما ارتفع خطر أن يخسر من كيانه الحالي جغرافياً وسياسياً.

Print Friendly, PDF & Email
حياة الحريري

أكاديمية وباحثة سياسية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  نظرية المؤامرة فى الإنتخابات الأمريكية