روسيا والطاقة في الشرق الأوسط: تعزيز الأمن القومي
Russian President Vladimir Putin (C), Defence Minister Sergei Shoigu (R) and Commander in Chief of the Russian Navy Vladimir Korolev (L) watch a terrestrial globe while visiting Russia's Navy Headquarters during Navy Day in Saint Petersburg on July 30, 2017. President Vladimir Putin oversaw a pomp-filled display of Russia's naval might as the Kremlin paraded its sea power from the Baltic Sea to the shores of Syria. Some 50 warships and submarines were on show along the Neva River and in the Gulf of Finland off the country's second city of Saint Petersburg after Putin ordered the navy to hold its first ever parade on such a grand scale. / AFP PHOTO / SPUTNIK / Alexey NIKOLSKY (Photo credit should read ALEXEY NIKOLSKY/AFP/Getty Images)

تولي الشركات الروسية اهتماماً كبيراً بالاستثمار في قطاعي النفط والغاز المكتشف بمخزونات ضخمة في دول شرق المتوسط. أهداف هذه الشركات تتفاوت بين مواجهة تحديات مع منافسين جدد في السوق الأوروبية، وبين الظفر بحصة في السوق الناشئة. وبالتزامن، تدير موسكو بذكاء لعبة تثبيت انتاج النفط مع دول "أوبك" بما يتوافق مع مصالحها.

دخلت دول شرق البحر المتوسط منعطفاً جديداً بعد اكتشاف مخزونات نفط وغاز ضخمة فيها ستجعلها دولاً مؤثرة مستقبلاً في قطاع الطاقة العالمية “إذا جرى تطوير موارد المنطقة وفق وقت وطريقة مناسبين”(1) وليزيد من أهمية المنطقة الجيوسياسية في العالم، الأمر الذي يفسر التنافس المحتدم للقوى الكبرى عليها.

تغيرات جعلت دول المنطقة ساحة مشرعة لاستثمارات الشركات الكبرى العاملة في قطاعي النفط والغاز. روسيا، المنتج الأكبر في العالم للنفط، وثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي بعد الولايات المتحدة، أدركت جيداً أن مصلحتها الاستراتيجية والجيوسياسية تكمن في الحصول على موطئ قدم في شرق البحر المتوسط، لذلك أوعزت الحكومة إلى الشركات الروسية الكبرى بضرورة الاستثمار في المنطقة.

تحديات روسيّة

سجلت روسيا في العام 2018 أفضل مستوياتها في إنتاج النفط والغاز حيث بلغ إنتاج النفط 555.838 مليون طن، مسجلةً أعلى مستوياتها في فترة ما بعد الحقبة السوفياتية، بحسب أرقام وزارة الطاقة الروسية. أما في إنتاج الغاز، فقد حققت مستوى قياسياً بلغ 733 مليار متر مكعب، مع ارتفاع نسبة التصدير بمقدار 10 في المئة.

مستويات قياسية تتزامن مع استمرار معاناة الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بشكل أساسي على الصادرات البترولية من غاز ونفط (نحو 50 في المئة من ميزانية البلاد)، والذي يتعرض ولا يزال لضغوط قاسية من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة على خلفية العقوبات المفروضة على موسكو منذ العام 2014، إثر استعادتها شبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط والغاز عالمياً، ما أدى تلقائياً إلى انخفاض سعر الروبل وتراجع النمو الاقتصادي.

وبالرغم من وفرة الإنتاج المسجلة في العام 2018، إلا أن موسكو تدرك التحديات التي تواجه قطاع الطاقة، إذ تكشف الأرقام عن أن احتياطيات النفط التي يصعب استردادها في روسيا تبلغ نحو 70 في المئة، إضافة إلى أن نحو 93 في المئة من الحقول الجديدة غير مربحة (اكتشف نحو 200 حقل جديد غرب سيبيريا إلا أن كلفة الإنتاج أعلى من العوائد كما سيستغرق تطويرها 10 سنوات على الأقل). يضاف إلى ذلك أن كلفة الإنتاج تتفاوت، فمثلاً في غرب سيبيريا، حيث ينتج 60 في المئة من النفط حالياً، تبلغ تكلفة إنتاج الطن الواحد 30 دولاراً، وفي سيبيريا الشرقية 80 دولاراً، وفي القطب الشمالي ستصل إلى 500-700 دولار. وبالإضافة إلى تعذر استخراج النفط الصخري بسبب غياب التقنيات المساعدة بعد انسحاب الشركات الأميركية، توجد أزمة استخراج النفط السيء الملوث في منطقة الأورال (أورالز) في شبكة أنابيب خط “دروجبا” (الصداقة) المصدّر لأوروبا.

يترافق ذلك مع تزايد الطلب على النفط والغاز الروسيين في الصين تحديداً، حيث بلغت الصادرات الروسية نحو 71.49 مليون طن من النفط (تشير التوقعات إلى أن الصين والهند سيستهلكان في العام 2040 بحدود 40 في المئة من الانتاج العالمي للهيدروكاربونات)، فيما بلغت صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا في 2018 نحو 200 مليار متر مكعب بحسب الأرقام الرسمية، أي نحو 37 في المئة من استهلاك أوروبا اليومي من الغاز.

أضف إلى ذلك دخول منافسين جدد لروسيا على “ملعبها الأوروبي” كالولايات المتحدة التي ارتفعت صادراتها من الغاز إلى أوروبا في 2018 إلى ثلاثة مليارات متر مكعب، وسجلت خلال الأشهر الأولى من عام 2019 نسبة وصلت إلى13 في المئة، لتصبح واشنطن ثالث أكبر مورد للاتحاد الأوروبي، في ظل تزايد الطلب عليه تحديداً في دول أوروبا الشرقية المناوئة لموسكو (أوكرانيا، بولندا) بالإضافة إلى ألمانيا وإيطاليا.

وبالتزامن مع رغبات الرئيس دونالد ترامب في تصدير الغاز الأميركي إلى أوروبا بدل آسيا، لأسباب اقتصادية، تعمل واشنطن على الضغط على مشروع “نورد ستريم 2” الذي يتضمن إنشاء خط أنابيب للغاز بطاقة إجمالية تبلغ 55 مليار متر مكعب سنوياً لألمانيا عبر بحر البلطيق.

المساعي الأميركية لمحاصرة الغاز الروسي لا تقف عند هذا الحد، فقد أبدت واشنطن دعمها المطلق لـ”منتدى غاز الشرق المتوسط”، وضرورة نقل الغاز المكتشف في شرق المتوسط إلى أوروبا، في وقت يدرس الكونغرس حالياً مشروع قانون باسم “قانون شراكة الطاقة والأمن في شرق المتوسط” بهدف محاربة النفوذ الروسي في وسط وغرب أوروبا عبر دعم واشنطن لشبكات إيصال الغاز بين إسرائيل، اليونان، وقبرص، وبهدف تسهيل إيصال الغاز غير الروسي إلى تلك المنطقة، بالإضافة إلى مراقبة “الآثار”الضارة” للوجود والتأثير الروسيين في هذه المنطقة على الاقتصاد الأميركي، وطبيعة المشاريع الروسية المتصلة، أو المتمركزة في منطقة شرق المتوسط.

الأهداف الروسية

دفعت هذه المعطيات روسيا إلى “تغيير استراتيجياتها في مجال الطاقة (نفط وغاز)” بحسب الخبير في الصناعة النفطية، ربيع ياغي في حديث إلى”180″، موضحاً أن “الاستراتيجية التي تبلورت في السنوات الأخيرة أصبحت عنواناً للسياسة الخارجية الروسية في مجال الطاقة. واندفعت شرقاً (الصين والهند) وجنوباً (الشرق الأوسط)”.

يعرّف الكسندر دوغين أمن الطاقة الروسي بأنه “جزء لا يتجزأ من أمن روسيا القومي ودعامته الأساسية، وأداة مهمة في تأثير سياستها الخارجية، على اعتبار أن روسيا مصدر للخامات الطبيعية للدول الأخرى، وهذا التموضع أصبح المحدد الأساسي لوضع روسيا الجيوبوليتيكي، وهو الذي يحقق الاكتفاء الذاتي لها من الطاقة ما دامت الخامات موجودة بشكل طبيعي على أراضيها”(2).

الكسندر دوغين: أمن الطاقة جزء لا يتجزأ من أمن روسيا القومي

بناء على هذا التعريف، تعي موسكو جيداً أن “ضمان السيطرة على خطوط نقل الطاقة في المنطقة والحيلولة دون انشاء خطوط جديدة لا تمر عبر روسيا أو لا تكون روسيا شريكاً فيها” (3) أمر حيوي ومهم لاستمرار دورها الجيوستراتيجي المؤثر وتحديداً في القارة العجوز.

إنطلاقاً من هذه المصلحة، يرى ياغي أن “التواجد النفطي الروسي في منطقة البحر المتوسط والمشاركة في عمليات الاستكشاف والاستخراج والانتاج كلها تؤدي إلى تطويق الاندفاعة الأوروبية نحو غاز شرق المتوسط”، وهو ما يؤكد عليه علي حسين باكير، الباحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، الذي يرى أن “الغاز في شرق البحر المتوسط لا يشكّل بديلًا عن الغاز الروسي ولا يزاحمه، إلا أن موسكو تريد أن تضمن احتكارها السوق الأوروبية من خلال حضورها أيضاً في أي مشاريع غاز مكمّلة أو بديلة بحيث لا يؤثّر ذلك سلباً عليها، وهذا ما تفعله بالتحديد”. (4)

خريطة التواجد

تحضر روسيا في “الصراع على الغاز في شرق البحر المتوسط” من خلال شركات التنقيب عن الغاز (حالة لبنان)، ومن خلال التمويل المالي (حالة قبرص اليونانية واليونان)، ومن خلال الوجود العسكري والاتفاقات الثنائية (حالة سوريا).(5)

وتتواجد الشركات الروسية في أهم الحقول في العراق (“لوك أويل” في حقل غرب “القرنة 2″، الرقعة الاستكشافية العاشرة، شركة “غازبروم نفط” في مشروع تطوير حقل بدرة، شركة “روس نفط” في حقل “سلمان”) بحجم استثمار تخطى 10 مليارات دولار وهو آخذ في الازدياد. وفي كردستان، تحضر الشركات الروسية بشكل كبير، مسيطرة على أهم الحقول في الإقليم وخط أنابيب الغاز إلى أوروبا عبر تركيا والذي تملكته شركة “روس نفط” بقدرة تصل إلى 3 مليارات متر مكعب بنسبة تعادل 6 في المئة من إجمالي الطلب على الغاز في أوروبا، على أن يبدأ التصدير عبره في العام 2020.

أما في سوريا، فقد ضمنت روسيا احتكار صناعة النفط والغاز بناء على اتفاقية ثنائية وقعت بين البلدين.

وبدأت فعلياً شركات “زاروبيج نفط” و”زاروبيج جيولوجيا” و”أس تي غه انجينيرينغ” و”تيخنوبروم أكسبورت” أعمال التنقيب الجيولوجي لاستكشاف موارد الطاقة في البر والبحر في سوريا.

وتكمن أهمية الرؤية الروسية في أن موقع سوريا يسمح بأن يكون نقطة عبور لنفط وغاز المنطقة المتجهين إلى أوروبا وبذلك فإن السيطرة الروسية على قطاع النفط السوري (حقول، خطوط أنابيب، مصافي، موانئ)، سيرغم “أي بلد يدرس احتمال شحن منتجاته النفطية عبر مرافئ وخطوط أنابيب سوريا على التماس رضا روسيا، إن لم يضطر إلى التفاوض معها مباشرة”(6).

السيطرة الروسية في سوريا ستعزز تشديد قبضة موسكو على إمدادات الغاز الأوروبية، بعد وضع يدها على الطريق الثالث الممكن من خلاله تصدير النفط والغاز إلى أوروبا بعد خطي أنابيب “السيل الشمالي 2″ و”التيار التركي”. وبهذه الطريقة “سيصبح الاتحاد الأوروبي حينها عاجزاً عن شراء الغاز من أي دولة مصدّرة، بما فيها دول الشرق الأوسط، من دون إبرام صفقات بشكل مباشر أو غير مباشر مع روسيا”. (7)

وفي لبنان، تحضر روسيا عبر شركة شركة الغاز «نوفاتيك» المستثمرة من ضمن تحالف دولي (كونسورتيوم يضمها و”توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية) لاستكشاف واستخراج وانتاج النفط والغاز من البلوكين 4 و9 ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان.

تعول بيروت على موسكو تحديداً لحل «المعضلة» مع سوريا

وبانتظار انتهاء دورة التراخيض الثانية للتنقيب عن النفط والغاز في خمس رقع أخرى، والتي تنتهي مهلة تقدّم الشركات لها في نهاية كانون الثاني المقبل، تبدي شركتا «غازبروم» و«لوك أويل» الروسيتان اهتماماً بالاستثمار في قطاعي النفط والغاز بحسب ما كشفت وزيرة الطاقة والمياه اللبنانية، ندى بستاني.

وتعول بيروت على موسكو تحديداً لحل «المعضلة» مع سوريا في الرقعتين (رقم 1 و2) في المياه اللبنانية، المشمولتين بدورة التراخيص الثانية، في مقابل رقعتين سوريتين، وذلك في ظل تمنع الحكومة اللبنانية عن التواصل مع الحكومة السورية الرافضة بدورها لترسيم الحدود البرية والبحرية مع لبنان.

الخبيرة في مجال حوكمة النفط والغاز في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لوري هايتيان، تحدثت في تصريح إلى «وكالة الصحافة الفرنسية» عن احتمال أن «تكون روسيا.. مهتمة بإجراء استكشافات تحديداً في الرقعة رقم 2». وبحسب هايتيان، سيكون الحل لمعضلة الحدود أن «يفاوض الروس بين اللبنانيين والسوريين ويضعوا خطة لتقاسم الموارد والإنتاج».

وعلى صعيد متصل، وقعت شركة الطاقة الروسية “روس نفط”، أكبر منتج للنفط في روسيا، في مطلع العام الحالي اتفاقية مع وزارة الطاقة والمياه اللبنانية، تتولى بموجبها إدارة مرفأ طرابلس لتخزين المنتجات النفطية لمدة 20 عاما، وهي الإتفاقية التي أثارت إعتراض الإدارة الأميركية، فبادرت إلى الطلب من لبنان أن يتنصل منها بذريعة أن الشركة الروسية مشمولة بالعقوبات الأميركية!

بالتزامن، تزايدت الدعوات من جهات رسمية في العراق وسوريا، وأيضاً في لبنان، لعودة العمل بخط أنابيب كركوك – بانياس – طرابلس، بعد تحسن الأوضاع على الأرض لصالح الدولة السورية. وكانت شركة “سترويترانسغاز” الروسية وقعت اتفاقاً مع الحكومة العراقية لإعادة بناء خط أنابيب كركوك- بانياس وقد توقف إثر أحداث 2011 في سوريا.

في المقابل، لم تنجح الشركات الروسية في دخول السوق الإسرائيلية بالرغم من سعيها للاستثمار في الحقول المكتشفة وأهمها حقل “لفيتان” حيث رفضت كل عروض “غاز بروم” لشراء 30 في المئة منه.

جاءت لتبقى

في ظل الرغبة الأميركية الأوروبية لتطويق روسيا في صناعة الطاقة، وعلى الرغم من أن نفوذ روسيا في مجال الطاقة لا يزال اقتصادياً، إلا أن موسكو تعطي أهمية قصوى لدور الطاقة في توجهاتها السياسية والإقتصادية الخارجية، بما أنها أداة تأثير فعالة إقليمياً ودولياً.

تدرك موسكو أن “الصراع المحتدم في العالم اليوم، يأخذ شكل الصراع على موارد الطاقة”، بحسب ما كشفته وثيقة الأمن القومي لروسيا حتى عام 2020، والتي تضمنت توقعات متشائمة، إذ اعتبرت “أن العالم سيشهد حروباً على موارد الطاقة خلال السنوات المقبلة وأن الصراع على موارد الطاقة سيشهد تحولاً نحو استخدام القوة العسكرية، وأن هذه الحروب ستندلع قرب حدود روسيا أو حدود حلفائها”.

إنطلاقاً من كل ذلك، يمكن إدراك أهمية التدخل الروسي في سوريا بما يضمن مصالح موسكو، وليشكل جسراً لتعزيز نفوذها في شرق البحر المتوسط، وهو حلم يراودها منذ حروب القوقاز في القرن التاسع عشر… باختصار روسيا جاءت إلى الشرق الأوسط لتبقى، بحسب الكاتب نيكولاس تريكيت.

هوامش

1 – صحبت كاربوز مدير شعبة الهيدروكربونات في المرصد المتوسطي للطاقة(نانتير)- موارد الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط: التحديات و الفرص، في الكتاب المتوسطي (المتوسطي 2012)، عمان : دار فضاء للنشر ، 2012 ، ص 214).

2- الكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، تر: عماد حاتم، طرابلس: دار الكتاب الجديدة المتحدة، 2014، ص 322، 323 .

3- ديجة محمد عرفة، أمن الطاقة وآثاره الاستراتيجية، الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2014، ص ص 59 ـ 60.

4- علي حسين باكير، “النزاع على الغاز في شرق المتوسط ومخاطر الاشتباك” ورقة بحثية قدمت في معهد الجزيرة للدراسات- (22 نيسان 2018)

5- نفس المصدر.

6- نيكيتا سوغولوف – الأهداف الطاقوية لروسيا في سوريا – معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (30 آب 2017).

7- نفس المصدر.

عبدالرحيم عاصي

صحافي لبناني مقيم في موسكو

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download