الحريري ودمشق.. مسألة وقت

حين تعيد السعودية بعد الامارات ودول عربية عدة علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، سيجد رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري نفسه في موقف حرج ما لم يحصل تواصل مباشر بينه وبين سوريا. فلا التاريخ ولا الجغرافيا ولا مصالح سوريا ولبنان، ولا المصلحة الشخصية للحريري، تبرر منطق القطيعة. هي مسألة وقت وإخراج لا مسألة رفض يخالف المنطق.

كان رئيس الحكومة اللبنانية قد قال “من المستحيل أن أزور سوريا لا في وقت قريب ولا بعيد، حتى ولو انقلبت المعادلات، وإذا اقتضت مصلحة لبنان ذلك، ساعتها بتشوفولكم حدا غيري”. عبارات رددها في صيف العام 2018، لكن مذّاك، زار دمشق عدد من وزراء حكومته وكان آخرهم وفدٌ وزاري قاده وزير المال علي حسن خليل تحت شعار المشاركة في معرض دمشق الدولي، وهاّ هو وزير الخارجية جفود عربية ودولية كان أبرزها علانية وفد اماراتي، وفي الكواليس، وفود خليجية أخرى، وذلك عشية عودة السفير الإماراتي إلى دمشق .

على مدى عقد ونصف من الزمن تراكمت الأخطاء والحواجز.  لا شك أن الجرح عميق بين الحريري ودمشق منذ قرّر الأول الانخراط في المعركة الخليجية والدولية لإسقاط بشار الأسد. التراجع عن ذلك ليس بحاجة الى قرار، فهو  حاصلٌ عمليا لان سفيري البلدين يعملان بحرية كاملة، ولأن التعاون الأمني قائم، وكذلك جزء لا بأس به من التبادل الاقتصادي وشراء كهرباء من سوريا، ناهيك عن الزيارات الدورية التي يقوم بها مدير عام الأمن العام اللبناني اللواء عباس ابراهيم إلى دمشق، دون أن نغفل حقيقة أن أطرافا سياسية وازنة في حكومة الحريري، تقيم علاقات وطيدة مع سوريا مثل حزب الله والمردة.

التعاون بين الحكومتين اللبنانية والسورية لا بد وأن ينتقل من مرحلة سياسة النعامة (أي إخفاء الرأس في الرمال) إلى مرحلة العلاقة المباشرة

ليس مطلوبا من الحريري أن يزور سوريا، وليس معروفا بعد هل أن دمشق تقبل اصلا بهذه الزيارة، حتى ولو أن مسؤولا سوريا رفيعا قال لنا “أن سياسات الدول تبنيها المصالح لا الأحقاد”، وذلك حين سالناه عن احتمال هذه المصالحة، لكن التعاون بين الحكومتين اللبنانية والسورية لا بد وأن ينتقل من مرحلة سياسة النعامة (أي إخفاء الرأس في الرمال) إلى مرحلة العلاقة المباشرة. هذا يتطلب وقتا، ولعله ينتظر خطوات سياسية في سوريا تسمح باستعادة دمشق مقعدها في جامعة الدول العربية، وهذا الأمر بات قريبا خصوصا بعد التقدم في المسار الدستوري تمهيدا للانتخابات الرئاسية السورية، بدليل ما حصل في الأمم المتحدة بين الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط والوفد السوري برئاسة وليد المعلم!

والملاحظ أن الرئيس ميشال عون الذي ارتبط بعلاقات ود مع الرئيس بشار الأسد ووقف إلى جانب سوريا في حربها برغم تاريخ العداء بين الجانبين، لم يزر منذ توليه رئاسة الجمهورية حتى الآن العاصمة السورية، ويسري الأمر على رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل، ولو أن ثمة استياءً سوريا، حين اعلن الاخير عن اقامة لوحة في مدخل كسروان تؤرخ لجلاء الجيش السوري عن لبنان.

وكذلك بالنسبة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ أنه وعلى الرغم من كل الدعم الذي قدمه إلى سوريا بعيدا عن الأضواء (طبيا من خلال وزارة الصحة في لبنان سابقا، وإعلاميا عبر قناة أن بي أن) الا انه لم يزر سوريا طيلة فترة الحرب السورية، وهذا الأمر ترك عتباً كبيراً هناك.

ليس الحريري مطالبا بان يكون ملكا أكثر من الملك، ولعل انفراج العلاقات السعودية السورية سيعيد النظر بالكثير من الحسابات، تماما كما حصل حين زار الحريري دمشق في العام 2009، برغم الاتهامات التي وجهت إليها منه ومن فريقه السياسي، باغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

ومن المعروف أن من أعطى الضوء الأخضر للزيارة وقتذاك، والمبيت في دمشق، هو الملك السعودي الراحل عبدالله ترجمة لتفاهم سعودي ـــ سوري عرف اختصارا بمعادلة “السين.. سين”.

لنأخذ نموذج العلاقة بين الحريري وإيران. برغم الحرب الضروس التي تباعد بين الرياض وطهران، يستقبل الحريري معظم الموفدين الإيرانيين الذين يزورون بيروت، بالإضافة إلى سفير إيران في العاصمة اللبنانية. هذا الهامش فرضته حاجة الحريري ومصلحته، ذلك انه من غير الممكن الاستمرار والنجاح في العمل الحكومي وفي استعادة الحريري شيئا من وهجه المالي اذا ما كان في حالة حرب مع طهران وحزب الله. هذا كلفه في السابق غضبا سعوديا كاد يطيح به وبكل تاريخه ومستقبله السياسي.

دعا رئيس جمهورية لبنان إلى التفاوض المباشر مع سوريا بشأن النازحين، وهو إقتراح تبناه رئيس مجلس النواب، فهل يستطيع رئيس الحكومة سعد الحريري التنصل من هذا الاستحقاق

يوما بعد يوم، تنحو الأمور بالإتجاه الإيجابي. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يقول انه ليس مسؤولا عن تورط بلاده في الحرب السورية وليس لديه اي مشكلة في استعادة العلاقة مع الدولة السورية بقيادة الأسد. كل ما يأمله هو تخفيف الحضور الإيراني في سوريا وانسحاب حزب الله أو على الأقل مساهمة سوريا في إنهاء حرب اليمن عبر الضغط على إيران.

يبقى أيضا أن الحريري مرتبط بعلاقة وطيدة وعميقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليف الأسد. هذه علاقة ورثها عن والده وطورها جدا مع بوتين الذي التقاه مرارا لا بل أكثر بثلاثة اضعاف ما التقى الأسد نفسه. فإذا كان الحريري يرفض العلاقة المباشرة مع دمشق بذريعة الحرب ومسؤولية الأسد عنها، فهل يقول الشيء نفسه عن حليف الأسد، اي بوتين؟

انطلاقا من كل هذا، يمكن القول أن العلاقة المباشرة بين حكومتي لبنان وسوريا هي مسألة وقت، لكن من الأفضل أن تتم بعد تطبيع العلاقات السعودية السورية ليس فقط لمنع الاحراج مع الرياض وإنما وخصوصا لان الخطوة السعودية تعني أن واشنطن ليست معارضة لذلك. ولا شك أن الورشة الهائلة لاعادة إعمار سوريا تفتح شهية الحلفاء والخصوم على حد سواء. يكفي رصد من يزور سوريا طارحا مشاريعه في هذه الايام، حتى نفهم أكثر..

في خطابه الثالث من على منبر الامم المتحدة، دعا رئيس جمهورية لبنان إلى التفاوض المباشر مع سوريا بشأن النازحين، وهو إقتراح تبناه رئيس مجلس النواب، فهل يستطيع رئيس الحكومة سعد الحريري التنصل من هذا الاستحقاق؟ على الأرجح لا.

 

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free