كندا نحو أوروبا: إعادة تموضع في زمن التفكك الإمبريالي

لم يكن المشهد الذي شهدته أوروبا في منتصف أيلول/سبتمبر 2026 مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة. رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ينتقل بين بروكسل وباريس وبريطانيا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تطرح للمرة الأولى فكرة منح كندا وضع «عضو منتسب» في الاتحاد الأوروبي، فيما تعلن أوتاوا رسمياً طلب الانضمام إلى قوة التدخل المشتركة JEF التي تقودها بريطانيا وتضم عشر دول أوروبية أعضاء في الناتو.

للوهلة الأولى يبدو الأمر مفارقة تاريخية: كندا، الدولة الواقعة في أميركا الشمالية والمرتبطة تاريخياً بالولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً، تقترب من أوروبا في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا نفسها من أزمة بنيوية، بينما بريطانيا التي خرجت من الاتحاد الأوروبي قبل سنوات قليلة تعود إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون الأوروبي.

لكن المفارقة تصبح أقل غرابة إذا نظرنا إلى الحدث من زاوية العلاقات المادية للقوى الرأسمالية، لا من زاوية الشعارات الدبلوماسية.

فالمسألة ليست أن كندا «تغادر أميركا» إلى أوروبا، ولا أن الاتحاد الأوروبي يتحول إلى مركز جديد يحل محل الولايات المتحدة. المسألة، بالأحرى، هي أن التحولات في مركز النظام الرأسمالي العالمي تدفع أطرافه ومراكزه المختلفة إلى إعادة تنظيم مواقعها وعلاقاتها داخل منظومة دولية أصبحت أقل استقراراً وأكثر تعدداً وتنافساً.

أولاً: ما الذي حدث فعلاً؟

من الضروري قبل التحليل إزالة بعض الالتباس الذي رافق التغطية الإعلامية.

في 16 أيلول/سبتمبر طرحت أورسولا فون دير لاين فكرة أن تصبح كندا أول «عضو منتسب» في الاتحاد الأوروبي. لكن هذا الوضع غير موجود حالياً في البنية القانونية للاتحاد الأوروبي، ولذلك فالحديث ليس عن عضوية كندية في الاتحاد، ولا عن انتقال كندا إلى أوروبا، بل عن اقتراح لصيغة جديدة للعلاقة. وأي اتفاق رسمي بهذا الحجم يحتاج إلى مسار تفاوضي وموافقة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

أما الخطوة العسكرية فهي أكثر تحديداً: أعلنت كندا رسمياً تقدمها بطلب الانضمام إلى Joint Expeditionary Force (JEF)، وهي قوة متعددة الجنسيات تقودها بريطانيا وتضم الدنمارك، إستونيا، فنلندا، أيسلندا، لاتفيا، ليتوانيا، هولندا، النرويج، والسويد. وتركز القوة على شمال أوروبا، وشمال الأطلسي، والمنطقة القطبية، والبلطيق.

وبذلك نجد أمامنا مسارين متوازيين:

الأول، تقارب اقتصادي وسياسي مع الاتحاد الأوروبي، والثاني، تقارب عسكري مع بريطانيا وشمال أوروبا.

والجمع بين المسارين هو الذي يعطي الحدث دلالته الاستراتيجية.

ثانياً: لماذا أوروبا الآن؟

لفهم المسألة ينبغي أن نبدأ من العلاقة التاريخية بين كندا والولايات المتحدة. لم تكن التبعية الكندية للولايات المتحدة مجرد علاقة سياسية. فقد تشكل الاقتصاد الكندي خلال عقود ضمن شبكة كثيفة من التجارة والاستثمارات وسلاسل الإنتاج والطاقة والتكنولوجيا والدفاع المرتبطة بالسوق الأميركية. لكن هذه العلاقة نفسها أصبحت في السنوات الأخيرة مصدر هشاشة. فكلما ازدادت السياسة الأميركية استخداماً للتجارة والعقوبات والرسوم الجمركية باعتبارها أدوات للضغط السياسي، أصبحت درجة الاعتماد الكندي على السوق الأميركية مشكلة بالنسبة إلى الرأسمالية الكندية. وهنا ينبغي الانتباه إلى طبيعة التحول. كندا لا تقول: نريد الخروج من النظام الغربي. ولا تقول: نريد فك ارتباطنا بالولايات المتحدة. بل تقول عملياً: نريد ألا يكون اعتمادنا على الولايات المتحدة وحدها. إنها محاولة لتوسيع هامش الحركة داخل المنظومة الرأسمالية الدولية، لا للخروج منها.

ولهذا فإن مفهوم «التنويع» الذي تستخدمه الحكومة الكندية مهم أكثر من خطاب «التحول نحو أوروبا». فالتنويع يعني، في التحليل المادي، تقليل المخاطر الناجمة عن التركّز الشديد لعلاقات التجارة والاستثمار والأمن في مركز واحد. ومن هنا يصبح التقارب مع أوروبا مفهوماً من دون افتراض أن كندا تقوم بتحول أيديولوجي أو جيوسياسي جذري.

ثالثاً: لكن لماذا أوروبا؟

الاتحاد الأوروبي ليس قوة صاعدة بلا تناقضات. إنه يعاني من مشاكل تتعلق بالطاقة والإنتاجية والقدرة الصناعية والاستقلال التكنولوجي والتنافس مع الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن الاختلافات الكبيرة بين اقتصادات دوله الأعضاء. ومع ذلك فإن الأزمة لا تعني انعدام القوة. فالكتلة الأوروبية ما زالت تمثل سوقاً هائلة، وقاعدة صناعية وعلمية وتكنولوجية كبيرة، ورأس مال متراكماً، وقدرات مالية وتنظيمية مهمة، فضلاً عن موقع جغرافي يجعلها طرفاً مركزياً في التوازنات الأوراسية والأطلسية. ومن هنا ينبغي تجنب فهم الأزمة الأوروبية باعتبارها مجرد طريق إلى الانهيار. الأزمة قد تكون أيضاً حافزاً لإعادة التنظيم. فعندما يصبح الاعتماد على الولايات المتحدة في الأمن والتكنولوجيا والطاقة والصناعة أكثر كلفة، وعندما تصبح المنافسة مع الصين أكثر حدة، تبدأ أوروبا بالبحث عن أدوات تسمح لها بتوسيع استقلالها الاستراتيجي. وهذا ما ظهر بوضوح في الخطاب الأوروبي الأخير حول «السيادة» الصناعية والعسكرية والغذائية والتكنولوجية، وكذلك في طرح توسيع التعاون الأمني مع بريطانيا وكندا والنرويج.

وهنا يمكن الاستخلاص أن أزمة المركز لا تؤدي بالضرورة إلى اختفاء المركز؛ بل قد تؤدي إلى إعادة تنظيمه.

رابعاً: Brexit والمفارقة البريطانية

ربما لا يوجد ما يكشف تناقض المرحلة مثل الحالة البريطانية. فبريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي تحت شعار استعادة السيادة الوطنية. لكنها اليوم تجد نفسها مضطرة إلى إعادة التفكير في علاقتها بأوروبا، بينما كندا، التي لم تكن عضواً في الاتحاد أصلاً، تسعى إلى الاقتراب منه أكثر. لكن لا ينبغي تحويل ذلك إلى سردية بسيطة عن فشل Brexit أو انتصار أوروبا. فالسوق الأوروبية، وسلاسل الإنتاج الأوروبية، والأمن الأوروبي، والطاقة، والتكنولوجيا، كلها علاقات لا يمكن محوها بمجرد تغيير الوضع القانوني لدولة ما. الجغرافيا الاقتصادية لا تختفي بسبب قرار سياسي. ولهذا فإن بريطانيا بعد Brexit لا تستطيع أن تتصرف كما لو أنها موجودة خارج البنية الاقتصادية والأمنية الأوروبية، كما أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع التعامل معها باعتبارها دولة لا علاقة لها بأمن القارة. ومن هنا تأتي أهمية الدور البريطاني في JEF. فالقوة التي تسعى كندا إلى الانضمام إليها تقودها بريطانيا، وتضم دولاً أوروبية شمالية وبلطيقية، وهي تعمل خارج الناتو من الناحية التنظيمية لكنها مرتبطة به عملياً واستراتيجياً.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي، لكنها تصبح إحدى القنوات التي تعيد من خلالها كندا الاقتراب من أوروبا.

خامساً: لماذا JEF مهمة؟

قد يبدو الانضمام إلى قوة عسكرية أوروبية صغيرة نسبياً مقارنة بالناتو تفصيلاً ثانوياً. لكن أهميته تكمن في طبيعة القوة نفسها. JEF ليست بديلاً عن الناتو، وكندا عضو أصلاً في الناتو. وهي ليست تحالفاً عسكرياً جديداً منفصلاً عن المنظومة الأطلسية، بل إطار أكثر مرونة للتعاون بين دول تشترك في المصالح الأمنية في شمال أوروبا وشمال الأطلسي والقطب الشمالي. وهذا يعني أن كندا لا تنتقل من منظومة أمنية إلى منظومة أخرى. إنها تضيف طبقة جديدة إلى منظومة أمنها القائمة.

إذا كانت الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأكبر داخل الناتو، فإن الاعتماد عليها يمنح واشنطن وزناً استثنائياً في الأمن الكندي. أما توسيع التعاون مع بريطانيا ودول شمال أوروبا فيمنح كندا شركاء إضافيين في مناطق أصبحت أكثر أهمية استراتيجياً في مواجهة روسيا، ولا سيما القطب الشمالي وشمال الأطلسي. وهكذا يصبح «التنويع الأمني» النظير العسكري لـ«التنويع التجاري».

سادساً: ما هي الدوافع؟

الدولة الكندية ليست كياناً مجرداً يتحرك وفق إرادة وطنية مستقلة عن البنية الاجتماعية. حين تبحث كندا عن أسواق جديدة، واستثمارات جديدة، وسلاسل توريد أكثر أمناً، وأسواق للمعادن والطاقة والتكنولوجيا، فهي تعبّر أيضاً عن حاجات الاقتصاد الكندي ورأس المال العامل داخله. وهذا يفسر لماذا تتركز الملفات المطروحة في العلاقة الجديدة مع أوروبا حول قطاعات مثل: الطاقة؛ المعادن الحرجة؛ الذكاء الاصطناعي؛ التكنولوجيا؛ البنية التحتية؛ الدفاع؛ الفضاء؛ التعليم والبحث العلمي. هذه ليست قائمة سياسية اعتباطية. إنها قائمة بمواقع استراتيجية في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

فكندا تمتلك موارد طبيعية هائلة، وطاقة، ومعادن حرجة، ومساحات شاسعة، وقدرات علمية وتكنولوجية مهمة.

وأوروبا تمتلك رأس مال وسوقاً، وتكنولوجيا، وقاعدة صناعية واسعة. ومن ثم فإن التقارب بينهما يمكن قراءته باعتباره محاولة لخلق تكامل مادي جديد بين قدرات اقتصادية متكاملة نسبياً.

سابعاً: «السيادة»… ولكن أي سيادة؟

يستخدم الخطاب السياسي الكندي والأوروبي بصورة متزايدة كلمات مثل: السيادة، الاستقلال الاستراتيجي، المرونة، الأمن الاقتصادي، تنويع الشراكات. لكن القراءة المادية تطرح سؤالاً مختلفاً: سيادة من؟ الدولة قد تزيد قدرتها على المناورة بين المراكز الرأسمالية، من دون أن يعني ذلك تغييراً في علاقات الإنتاج داخل المجتمع. بل يمكن أن تكون النتيجة زيادة قدرة رأس المال الكندي على التفاوض مع مراكز مختلفة. فبدلاً من أن تكون الخيارات الاقتصادية محصورة إلى حد كبير في السوق الأميركية، يصبح ممكناً التفاوض مع أوروبا، وبريطانيا، وآسيا، وغيرها. هذا قد يزيد الاستقلالية الجيوسياسية للدولة، لكنه لا يعني تلقائياً تحرراً اجتماعياً للطبقات العاملة.

ثامناً: كندا ليست حالة معزولة

إذا وضعنا التحول الكندي ضمن السياق العالمي الأوسع، تظهر صورة مختلفة. فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية موقعها الصناعي والتكنولوجي وإعادة بناء بعض سلاسل الإنتاج داخل مجالها. والاتحاد الأوروبي يسعى إلى تعزيز استقلاله في الطاقة، والصناعة، والدفاع، والتكنولوجيا. والصين تعمل على توسيع استقلالها التكنولوجي والاقتصادي وتعميق شبكاتها التجارية. وروسيا تسعى إلى تثبيت موقعها الجيوسياسي والاقتصادي في مواجهة العقوبات والعزلة الغربية. ودول أخرى تحاول عدم الارتهان لمركز واحد، فتنوّع علاقاتها الاقتصادية والسياسية. ما نراه إذن ليس مجرد انتقال من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب بالمعنى الجغرافي البسيط. بل نرى شيئاً أكثر تعقيداً: إعادة تركيب للكتل الاقتصادية والسياسية والعسكرية تحت ضغط التناقضات المتزايدة داخل النظام الرأسمالي العالمي.

إقرأ على موقع 180  حبذا لو نُنزِل تاريخنا العربي "المقدس" من عليائه!

تاسعاً: هنا تكتسب فكرة «التفكك الإمبريالي» معناها

إذا أخذنا مفهوم التفكك الإمبريالي بالمعنى الذي لا يعني نهاية الإمبريالية، فإن الحالة الكندية تقدم مثالاً شديد الدلالة. في المرحلة السابقة كان من الممكن أن يبدو الغرب كمنظومة متماسكة نسبياً، مركزها الولايات المتحدة، مع مؤسسات وتحالفات تقوم على قدر كبير من الاستقرار. أما اليوم، فإن التناقضات بين المراكز نفسها أصبحت أكثر وضوحاً. الولايات المتحدة تضغط على حلفائها اقتصادياً. أوروبا تبحث عن استقلال استراتيجي أكبر. بريطانيا تحاول إعادة تعريف موقعها بعد الخروج من الاتحاد. كندا تبحث عن بدائل جزئية للاعتماد الأميركي. وفي الوقت نفسه، لا تزال هذه الأطراف جميعاً مرتبطة بشبكة واحدة من المصالح الرأسمالية والمؤسسات الأمنية والعسكرية.

وهنا تحديداً تظهر أهمية مفهوم التفكك. إنه ليس تفككاً بمعنى أن كل دولة تذهب في اتجاه مستقل. بل هو تفكك في قدرة المركز على تنظيم الأطراف وفق علاقة مستقرة وهرمية كما كان يحدث سابقاً. وبالتالي فإن الأطراف نفسها تبدأ بالمناورة، وتبني علاقات متقاطعة، وتعيد توزيع مخاطرها.

عاشراً: من الهيمنة إلى إدارة التناقضات

يمكن أن تكون الولايات المتحدة لا تزال أقوى قوة رأسمالية وعسكرية في العالم، لكن ذلك لا يعني أن علاقاتها مع حلفائها ستبقى كما كانت. فالهيمنة لا تقوم فقط على امتلاك القوة، بل على قدرة المركز على جعل مصالحه تبدو متطابقة، أو على الأقل متوافقة بدرجة كبيرة، مع مصالح الحلفاء. عندما تبدأ كندا وأوروبا وبريطانيا بالبحث عن مساحات استقلال أوسع، فهذا لا يعني سقوط الهيمنة الأميركية، لكنه يكشف تكلفة متزايدة للحفاظ عليها. وهنا يمكن فهم رد الفعل الأميركي على المبادرة الأوروبية تجاه كندا. فبحسب تقارير صحفية، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب التقارب الأوروبي الكندي المحتمل بأنه قد يمثل «عملاً عدائياً»، ولوّح بإجراءات تجارية ضد الاتحاد الأوروبي. بصرف النظر عن اللغة السياسية المستخدمة، فإن مجرد انتقال العلاقة بين كندا وأوروبا إلى هذه الدرجة من الحساسية يكشف شيئاً مهماً: لم تعد واشنطن تنظر بالضرورة إلى إعادة تموضع حليفها الكندي باعتبارها مسألة ثانوية.

حادي عشر: لكن هل تستطيع أوروبا أن تصبح بديلاً للولايات المتحدة؟

من الناحية الاقتصادية والجغرافية، لا تستطيع أوروبا ببساطة أن تحل محل الولايات المتحدة في الاقتصاد الكندي. السوق الأميركية قريبة جغرافياً، ومندمجة بشدة في الاقتصاد الكندي، وسلاسل الإنتاج عبر الحدود عميقة ومتراكمة تاريخياً. كما أن التعاون الأوروبي نفسه يواجه عقبات قانونية وسياسية واقتصادية. والصيغة المقترحة لـ«العضوية المنتسبة» لم تتبلور بعد، وهي تواجه أسئلة تتعلق بالأساس القانوني، وبموقف الدول الأعضاء، وبحدود ما يمكن أن تقدمه هذه الصيغة فعلياً. وقد أشارت تقارير إلى أن أوتاوا نفسها بدأت تؤكد أن المضمون أهم من التسمية. لذلك فإن الحديث عن «استبدال أميركا بأوروبا» سيكون تبسيطاً غير مادي. الأرجح أن المسألة تتعلق بـ: تقليل درجة الاعتماد الأحادي، لا إلغاء الاعتماد.

ثاني عشر: المفارقة الكبرى

في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا من أزمتها، تصبح أوروبا أكثر أهمية بالنسبة إلى كندا. وهذا ليس تناقضاً بالضرورة. ففي مرحلة الاستقرار النسبي يمكن للدولة أن تعتمد على مركز واحد قوي. أما في مرحلة التفكك وإعادة توزيع القوة، فإن قيمة العلاقات مع المراكز الأخرى ترتفع. أوروبا ليست بالضرورة أقوى مما كانت عليه. لكن الحاجة إلى أوروبا قد تصبح أكبر بسبب ضعف القدرة على الاعتماد على مركز واحد. والشيء نفسه ينطبق على بريطانيا. فبريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي، لكن أهميتها بالنسبة إلى الأمن الأوروبي لم تختف. وكندا ليست عضواً أوروبياً، لكن موقعها الجغرافي وثرواتها وعضويتها في الناتو وموقعها في شمال الأطلسي والقطب الشمالي يجعلها شريكاً مهماً لأوروبا. هكذا تبدأ الحدود السياسية القديمة بالانفصال جزئياً عن الحدود الفعلية للمصالح الاقتصادية والأمنية.

ثالث عشر: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة؟

لا ينبغي قراءة التحول الكندي باعتباره إعلاناً عن قطيعة كندية ـ أميركية. العلاقة بين البلدين أعمق من أن تنتهي بهذه السرعة. لكن المسألة الأكثر أهمية هي أن طبيعة العلاقة قد تتغير. فإذا كانت كندا في السابق تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة باعتبارها السوق الأساسية والشريك الأمني المركزي، فإنها تحاول الآن بناء شبكة أوسع من العلاقات تسمح لها بممارسة قدر أكبر من المناورة. من منظور رأس المال الكندي، قد يكون مفيداً. أما من منظور الولايات المتحدة، فإنه يعني أن حليفاً تاريخياً بدأ يبحث عن مساحة أكبر للحركة. ومن منظور أوروبي، فإنه يوفر فرصة لتوسيع المجال الاقتصادي والاستراتيجي الأوروبي. وبالتالي تتقاطع مصالح متباينة في الحدث نفسه.

رابع عشر: ليست نهاية الإمبريالية، بل إعادة تركيبها

وهنا يمكن العودة إلى المسألة النظرية. لو قلنا إن التقارب الكندي الأوروبي يعني «انهيار الإمبريالية الأميركية»، فإننا نذهب أبعد مما تسمح به الوقائع. ولو قلنا، في الاتجاه المعاكس، إنه مجرد تفصيل دبلوماسي لا يغير شيئاً، فإننا نقلل من دلالة التحولات الجارية. إن البنية الإمبريالية لا تختفي، وإنما تعيد تنظيم نفسها تحت ضغط تناقضاتها.

التجارة تتحول إلى أداة جيوسياسية. الطاقة تصبح جزءاً من الأمن. المعادن الحرجة تصبح جزءاً من السياسة الخارجية. الذكاء الاصطناعي يصبح قضية سيادة. سلاسل التوريد تتحول إلى مسألة استراتيجية. والتحالفات العسكرية لا تعود منفصلة عن إعادة بناء القاعدة الصناعية. أي أن الحدود بين الاقتصاد والسياسة والأمن تصبح أكثر تداخلاً. وهذا بالضبط ما يجعل قراءة الحدث من خلال العلاقات المادية أكثر علمية من الاكتفاء بالخطاب الدبلوماسي.

خامس عشر: كندا بوصفها علامة على مرحلة انتقالية

ربما لا تكمن أهمية كندا في حجمها السياسي وحده، بل في موقعها. إنها دولة رأسمالية متقدمة، عضو في الناتو، مرتبطة تاريخياً بالولايات المتحدة، لكنها تمتلك في الوقت نفسه موارد استراتيجية وموقعاً جغرافياً بالغ الأهمية وقدرات علمية وتكنولوجية. لذلك فإن إعادة تموضعها تكشف التناقض الذي تواجهه دول غربية عديدة: كيف تحافظ على مصالحها داخل المنظومة الغربية، وفي الوقت نفسه تقلل مخاطر الاعتماد على مركز واحد داخل هذه المنظومة؟ كندا تقدم الآن أحد الأجوبة الممكنة: تنويع الشراكات، تعميق العلاقة مع أوروبا، تعزيز التعاون العسكري مع بريطانيا وشمال أوروبا، مع البقاء داخل الناتو وعدم قطع العلاقة مع الولايات المتحدة. إنها ليست قطيعة. إنها إعادة تموضع.

خاتمة: حين تبدأ المنظومة بإعادة ترتيب نفسها

ما يجري بين كندا وأوروبا وبريطانيا لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حدثاً منفرداً، بل بوصفه واحدة من العلامات الصغيرة التي تكشف تحوّلاً أكبر. الاتحاد الأوروبي، رغم أزماته، يحاول بناء قدرة أكبر على الحركة المستقلة. بريطانيا، رغم خروجها من الاتحاد، تبقى مرتبطة بأمن القارة وتبحث عن صيغ جديدة للتعاون معها. كندا، رغم ارتباطها التاريخي والاقتصادي الهائل بالولايات المتحدة، تبحث عن تنويع علاقاتها. والولايات المتحدة، من جهتها، تبدو أكثر استعداداً لاستخدام قوتها الاقتصادية والتجارية للدفاع عن موقعها ومصالحها. لا يعني ذلك أن النظام الإمبريالي قد انهار. بل يعني أن آليات عمله القديمة أصبحت أكثر تعرضاً للتناقض. ومن هنا يمكن فهم المفارقة الكندية: كلما ازدادت أزمات النظام الغربي، ازدادت الحاجة إلى إعادة تنظيمه.

وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق لما يحدث.

فالتفكك لا يأتي دائماً في صورة انهيار مفاجئ للمؤسسات والتحالفات. أحياناً يظهر في صورة أكثر هدوءاً: حليف قديم يبحث عن حليف آخر، دولة خرجت من اتحاد تعيد بناء علاقاتها معه، قوة إقليمية تبحث عن استقلال استراتيجي، وتحالف عسكري يتوسع ليضم دولة تقع خارج المجال الجغرافي الذي نشأ فيه. في هذه الحركة المتشابكة لا تختفي البنية القديمة دفعة واحدة. إنها تبدأ بإعادة ترتيب نفسها. وهذا تحديداً ما يجعل التطور الكندي ـ الأوروبي جديراً بالقراءة: ليس لأنه يمثل انتقال كندا من أميركا إلى أوروبا، بل لأنه يكشف كيف بدأت قوى داخل المنظومة الرأسمالية نفسها تتصرف في عالم لم يعد فيه المركز قادراً على تنظيم العلاقات بالطريقة التي اعتادها، ولم تصبح فيه المراكز البديلة قادرة بعد على إنتاج نظام جديد مستقر.

إننا، بعبارة أخرى، لا نشهد نهاية النظام القديم بقدر ما نشهد الصراع على الشكل الذي سيأخذه النظام الرأسمالي العالمي في مرحلة ما بعد الهيمنة المستقرة.

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  الحكومة اللبنانية هل تدخل في دوّامة إدارة أزمة؟