نهج المقاومة كتقنيّة سلطة عربيّة

علي شلقعلي شلق28/09/2026
عودٌ على بدء: ما مغزى فكرة المقاومة، وعلامَ ينطوي نهجها وممارستها في المجال العربي؟ لعلّ أبرز مظاهر محنة النخب الفكريّة والسياسيّة العربيّة تتجلّى في كيفيّة الإجابة-أو بالأحرى عدم الإجابة-على هذا السؤال المركزيّ الذي ازداد إلحاحاً في العقدين الأخيرين مع تغوّل الإمبراطوريّة الأميركيّة وربيبتها إسرائيل على مجتمعات الوطن العربي ومقدّراته. ذلك أنّ جلّ الأدبيّات المنظِّرة أو المؤرِّخة لحركات المقاومة العربيّة، ولا سيّما المشرقيّة منها، تتناولها من منظورٍ جيوسياسيٍّ ضيّق يفترض استقلالها التامّ عن بنى وأنظمة الدول الوطنيّة للأقطار الحاضنة لها.

وترتكز الحجج المساقة في هذه الرواية على حفنةٍ من الفرضيّات المبسّطة والمنزّهة عن المساءلة والتمحيص، يمكن إيجازها كما يلي: أنّ الدول الوطنيّة العربيّة الحديثة الاستقلال قد تخاذلت في مسألة فلسطين، فجاء تحرّرها الوطنيّ منقوصاً. وتتابع الرواية أنّ ذلك قد خلق فراغاً تعاظم في أعقاب هزيمة سنة 1967، فأتت حركات المقاومة لتملأه بادّعاء اختصاصها بالكفاح المسلّح المصوّبة بندقيّته نحو الخارج، واستقلاليّتها عن الأنظمة العربيّة التي يُفترض أنّها، في المقابل، توجّهت إلى الداخل للاختصاص بسياسة شؤون أقطارها ومجتمعاتها. هذه روايةٌ تاريخيّةٌ وُلدت من رحم الهزيمة لتبرّر صيرورةً بائسةً أسهبتُ في عرضها ونقدها في مقالٍ سابق[1]. والمفارقةُ الكبرى أنّ الأداءَ الناجحَ نسبيّاً للجيوش العربيّة النظاميّة في حرب أكتوبر 1973 لم يفلح في عكس هذه الصيرورة، لا بل زادها عزماً، وعزّز من انضواء الأنظمة القطريّة وحركات الكفاح المسلّح المقاوِمة على حدٍّ سواءٍ في حركيّتها.

كلما انكمشت الدولة، اتّسع المجال الذي وجدت المقاومة نفسها مطالبة بملئه

إيديولوجيا الهزيمة

ليس من باب المبالغة القول إنّ الأسس اللامحكيّة لهذه الرواية قد ارتقت، بشكلٍ أو بآخر، إلى مستوى الإيديولوجيا المهيمنة على رؤى أنصار المقاومة كما خصومها من أهل السلطة والقلم، ناهيك عن العوام. فإذا رفع الأوائل للمقاومة إصبعين شارةً للنصر بوصفها فصيلاً متمرّداً على الدولة المتخاذلة ومكافحاً للعدوّ الغاصب المستعمر، عاجلهم الآخرون بإصبعٍ يشير إليها ويدينها بوصفها- مرّةً أخرى- فصيلاً متمرّداً على الدولة وخارجاً على الانتظام العامّ، فوجب لذلك تأديبه. وعلى الرغم من التطابق الكبير في المنطلقات بين الخطابين، يبدو التناقض بينهما مستعصياً على النقاش العقلانيّ. هذا بطبيعة الحال يولّد سجالاً خطيراً لسهولة توظيفه عصبويّاً وطائفيّاً، ما يستوجب تهميشه لصالح نسقٍ مختلفٍ من الجدل السياسيّ ينطق بالمضمر من المنطلقات والفرضيّات، ويحمل في طيّاته احتمال التقدّم المعرفيّ والارتقاء بالوعي السياسيّ.

يطرح الخطاب المقاوم جملةً من العوائق والصعوبات المفهوميّة عندما يشكّل إطاراً لمحاولة فهم وتحليل أشكال الممارسة السياسيّة لحركات الكفاح المسلّح. وقد تبدّى ذلك جليّاً مع اندلاع الثورات العربيّة سنة 2011، وما تلاها من حروبٍ أهليّةٍ وإقليميّةٍ وأزماتٍ اقتصاديّةٍ عصفت بأقطار المشرق العربي ومجتمعاته. ولم تكن الضربات الجسام التي تلقّاها هذا المشرق في السنوات الثلاث الأخيرات لتمرّ من دون فتح باب النقاش على مصراعيه في السعي لتعليل أسباب الإخفاقات الكبرى التي مُنيت بها حركات المقاومة العربيّة في التصدّي لآلة الحرب الإسرائيليّة، ولو استبسل منها من استبسل في ميادين القتال اللامتكافئ.

مثالٌ على ذلك نقاشٌ دار بين كاتب هذه السطور وبعضِ رفاقه، دأبوا فيه على استعراض مسار الأحداث لاستخلاص العِبر ممّا حصل في لبنان وسوريا وفلسطين مؤخّراً. وقد تمحور هذا النقاش حول المقاومة في لبنان وانحرافها عن صراطٍ مستقيمٍ مزعومٍ في بلدها الأمّ بعد انفجار ثورة عام 2019، وكذلك في سوريا عقب اندلاع الحرب الأهليّة عام 2011. في الحالة الأولى، زعم صاحبي أنّ مخاصمة حزب الله للانتفاضات التي عمّت أرجاء البلاد، بحجّة أنّها واجهةٌ لقوىً وأهدافٍ مريبةٍ ومشبوهة الارتباطات، كان خطأً فادحاً، بل خطيئةً تناقضت مع النهج المقاوم لهذا الحزب. وفي الحالة الثانية، اشتدّت مرارته من قرار الحزب الإنخراط في الحرب الأهليّة في سوريا، إذ رأى في دعمه لنظام البعث تناقضاً صريحاً، مرّةً أخرى، مع نهج المقاومة ناصع البياض.

كلّ هذا جيّد، لكنّه غير كافٍ. ذلك أنّ مرتكز الكلام، أعني فكرة المقاومة أو حتّى نهجها، يبقى خارج إمكانيّة المساءلة، ناهيك عن النقض. ويبدو أنّ الالتزام الأخلاقيّ بحقّ الجمهور العربيّ في مقاومة المستعمر هو العائق الأوّل أمام الخوض في مغامراتٍ فكريّةٍ من هذا القبيل. غير أنّه من المفيد هنا التوضيح أنّ المقاومة بوصفها تكتيكاً وظيفيّاً يستعين به المستضعفون عند الحاجة، وفي ضوء ميزان قوىً وظروفٍ موضوعيّةٍ مؤاتيةٍ لدرء شرّ الظالمين، ليست موضوع النقد في هذا المقال. المقصود هو فكرة المقاومة كنهجٍ وإيديولوجيا تؤطِّر العمل والخطاب السياسيَّين في قوالب ثابتةٍ غالباً ما تفتقد المرونة اللازمة للتكيّف مع حقائق التاريخ والجغرافيا والاقتصاد السياسي.

حين لم يعد النظام قادراً على احتكار الهزيمة، لم تعد المقاومة قادرة على احتكار النصر

تقنيّة سلطة

لتجاوز هذا الحائط المفهوميّ المسدود، أقترح ما يلي: إنّ نهج المقاومة كما تبلور في الوطن العربي، ولا سيّما مشرقه، هو في جوهره تقنيّة سلطة صقلتها تدريجيّاً الأنظمة العربيّة منذ ستّينيّات القرن الماضي في تلقّفها للهزيمة وللتعويض بها عن عجزها عن التصدّي لمسألة فلسطين من ضمن البنى والمؤسّسات الرسميّة لدولها الوطنيّة. مهما كانت أغراض هذه الممارسات المقاومة في بداياتها، فقد سعت الأنظمة العربية لامتصاصها وتوظيفها من ضمن أدوات حكمها ولشرعنة هيمنتها على مجتمعاتها المحكومة.

وإذا كانت تنظيمات الكفاح المسلّح قد انبثقت في لحظة نشأتها من القواعد الشعبيّة للجمهور العربيّ وباستقلاليّةٍ عن الأنظمة وجيوشها بعد توالي الهزائم، لا سيّما سنة 1967، إلّا انّ الحال سرعان ما تبدّلت. ذلك أنّ الأنظمة بدورها تنبّهت إلى أنّ بقاء حركات الكفاح المسلّح على استقلاليّتها يهدّد بنسف استقرارها الّذي غالباً ما كان هشّاً. ما تلا ذلك كان جدليّةً تاريخيّةً سعت فيها الأنظمة إلى تدجين حركات الكفاح المسلّح كمدخلٍ لاستيعاب عموم الجمهور العربيّ ومثقّفيه المتحلّقين حولها، واستبدال الوعي بمسألتي الدولة والطبقة، ومن ورائهما إمكانيّة التقدّم، بوعيٍ مهجوسٍ بأولويّة المقاومة على كلّ شيءٍ آخر.

لم يكن هذا المسار مستقيماً، بل كان عرضةً لانتكاساتٍ دوريّة أتى بعضها عسكريّ ودمويّ الطابع على إثر التحاماتٍ بين الأنظمة من جهةٍ وحركات المقاومة من جهةٍ أخرى، وبعضها الآخر سياسيّ الطابع نتيجةً لتشكًل عصب سلطةٍ لا وازع عندها من التودّد المتهافت لإسرائيل؛ أمّا البعض الثالث فقد مزج بين الإثنين. وقد آلت هذه الانتكاسات بدورها إلى عكس وجهة بعض الأنظمة من موادعةٍ أو داعمةٍ للمقاومة إلى عازمةٍ على اقتلاعها من دولها الوطنيّة ولفظها خارج حدودها إلى غير رجعة. هذا كان حال نظام الحكم في الأردن سنة 1970 عندما طرد فصائل المقاومة الفلسطينيّة في أحداث ما عرف لاحقاَ بأيلول الأسود. ثمّ كان المسار السياسيّ الّذي أدّى إلى صلح مصر المنفرد مع إسرائيل سنة 1979، والّذي حيّد هذا القطب العربيّ عن أيّ دورٍ فاعلٍ في مسألة فلسطين وفي دعم المقاومة الفلسطينيّةٍ. لذا يبدو لزاماً على أي قراءة متبصّرة لتبلور نهج المقاومة كتقنية سلطة في متناول الأنظمة العربيّة التنبّه إلى أنّ هذه المسألة هي نزعة وليست حتميّة تاريخيّة، إذ تجلّت بأشكالٍ متفاوتة وأحياناً متناقضة في مختلف الأقطار العربيّة. ويفيد هنا التنبيه أنّه حتّى في حال الأقطار الّتي تمّ الطلاق بين أنظمتها وفصائل المقاومة، حصل ذلك غالباً بعد محاولاتٍ فاشلةٍ لتنظيم واستمالة العمل الفدائيّ. كما أنّه لم يتبع ذلك مجهودٌ إيديولوجيٌّ للتشكيك بمشروعيّة مبدأ المقاومة بمعزل عمّن يحمل لواءها، بل على العكس بقي الخطاب الرسميّ محابياً في الأغلب للحقّ في المقاومة، ولو جاءت الممارسة مغايرةً لذلك.

المشكلة لم تكن في أن المقاومة كبرت، بل في أن المجال الذي شغلته كبر أسرع من رؤيتها السياسية

في الميدان السوري-اللبناني

إلّا أنّ النجاح الأكبر لهذه الصيرورة تحقّق في المجال السوري-اللبناني، بدءاً من انقلاب سنة 1963 الذي أوصل حزب البعث العربي الاشتراكي إلى سدّة الحكم في سوريا. تبع هذا الانقلاب عسكرةٌ ممنهجةٌ للحزب عن طريق سلسلةٍ من الانقلابات الداخليّة توّجت حافظ الأسد قائداً أوحداً لهذا القطر سنة 1970. وكانت تلك السنة نفسها التي أمسى فيها لبنان المركز الرئيسيّ لقيادات فصائل المقاومة الفلسطينيّة ومنطلق عملها الفدائيّ ضدّ إسرائيل على إثر أحداث أيلول الأسود في الأردن. لا شكّ أنّ هذا العمل الفدائيّ سرّع من اندلاع الحرب الأهليَة في لبنان سنة 1975، ولو كان ذلك من خلال انغماسه في الإستقطابات الأفقيّة والعموديّة المحلّيّة العاصفة أصلاً بالبلاد وتماهيه مع بعض قواها؛ أي بمعنىً آخر من خلال تحوّله إلى فريقٍ داخليٍّ في هذه الإستقطابات. وقد سعت قوى اليمين ممثّلةً بالجبهة اللبنانيّة في لبنان إلى إنجازٍ مشابه للأردن، متّكئةً في ذلك على نفوذها داخل الدولة وغير متورّعةٍ عن الاستعانة بالجيش العربي السوري (كما جيش الدفاع الإسرائيليّ لاحقاً!) لهذا الغرض.

لم يكن دخول الجيش العربيّ السوريّ إلى لبنان سنة 1976 يرمي إلى القضاء على المقاومة الفلسطينيّة كما قد يكون خيّل لبعض أو كلّ أركان الجبهة اللبنانيّة، بل إلى تطويعها وتوظيفها أداةً لشرعنة نظام الحكم في سوريا، ولبنان تحت وصايته، في ظلّ عجزه عن المواجهة النظاميّة مع إسرائيل (مع الاستثناء الجزئي لحرب 1973)[2]. وواظب نظام الأسد على سعيه الدؤوب للهيمنة على المقاومة الفلسطينيّة في لبنان إلى حين هزيمة هذه الأخيرة وخروجها منه سنة 1982 غداة الاجتياح الإسرائيلي الذي وصل إلى العاصمة بيروت واحتلّها لحين. بدأت بوادر مقاوماتٍ محليّة الطابع وإسلاميّة الهوى بالظهور. تأثّرت هذه الحركات عميق التأثّر بالمآلات الإسلاميّة للثورة الاجتماعية التي أسقطت نظام الشاه في إيران عام 1979، والّتي انتهى حكمُ البلاد من بعدها إلى فريقٍ من المؤسّسة الدينيّة نادى بولاية الفقيه على إثر حملاتٍ شعواء نكّل فيها برفاق دربه المفترضين كحزب توده ومجاهدي خلق وغيرهم، وقضى على أي وجودٍ ذي معنىً لهم داخل الحياة السياسيّة هناك.

ولد النظام الإسلاميّ في إيران مأزوماً ولم يزل. تعدّدت الأسباب في ذلك، ليس أقلّها ضيق قاعدته الشعبيّة نتيجة تصفيته لخصومه وموجات الحروب والحصار الّتي رافقته منذ تأسيسه. إنّ اختيار هذا النظام لمسألة فلسطين قضيّةً مركزيّةً له وفرضها كذلك على مجتمعٍ لم تكن في صلب وجدانه جاء بداعي تصدير أزمة حكمه (وليس ثورته، كما هو شائع) إلى المشرق العربيّ، وبالأخصّ خاصرته الرخوة في لبنان. وكان لهذا النظام وحرسه الثوريّ اليد الطولى في تأسيس ورعاية ما عرف لاحقاً بحزب الله كجزءٍ من حالةٍ جهاديّةٍ عالميّةٍ[3] (أو إقليميّة على الأقلّ) سعت في بداياتها إلى تحقيق ولاية الفقيه من دون الاكتراث إلى خصوصيّات المجتمعات الحاضنة. إلّا أن هذه الحالة سرعان ما تعرّبت لمّا تنبّه لها نظام البعث ليس فقط كمصدر إزعاج، ولكن كفرصة لشرعنة حكمه أيضاً. ذلك أنّ هذا الشكل الجديد الإسلاميّ للمقاومة زاوج بين فعاليّةٍ عسكريّةٍ في ميدان الحرب مع الاحتلال الإسرائيلي- وخلفه سنده الأميركيّ الإمبراطوريّ- وعزوفٍ شبه تامٍّ عن الخوض في مسألتي الدولة والطبقة. نتيجة ذلك، كان اعتراض هذه الحركات على نظام البعث وغيره من الأنظمة العربيّة حركيّاً وليس بنيويّاً كما كانت الحال مع سابقاتها حركات اليسار. لذلك آثرها النظام وسعى إلى تدجينها تارةً بالحسنى وطوراً بالحديد والنار، وأعانها في الانقضاض على فصائل اليسار وإزاحتها من ميادين المواجهة مع إسرائيل لتصبح الفصيل المقاوم الأوّل.

القديم يتداعى، والجديد لم يولد بعد؛ وبينهما يتّسع فراغ تصنع فيه الوحوش زمنها

أقلمة المقاومة

في نهاية المطاف، أدّى تدجين المقاومة الإسلاميّة إلى أقلمتها (territorialization)، بمعنى أنّه نقلها من حالٍ جهاديّة إلى موقعٍ أكثر التصاقاً بوجدان المجتمعات المحليّة. بذلك أصبحت المقاومة فكرةً طيّعةً بيد النظام البعثيّ في سوريا كما النظام‏ الطائفيّ الأوليغارشيّ في لبنان. إن تعريب المقاومة تمّ بالضبط على أيدي عصب سلطةٍ سوريّةٍ-لبنانيّةٍ رأت في ذلك مصلحةً بنيويّةً عليا لها، وعن طريق هذه الأقلمة الصارمة. إنّ كلّ كلامٍ عن أنّ حزب الله في مسيرته كان منذ البداية حتى النهاية حالةً إيرانيّةً مزروعةَ في لبنان هو خلط ما لم يؤخذ بالاعتبار ترسيخ هذه الأقلمة ومن ثمّ نزعها، كما سنرى لاحقاً. هذا هو معنى تحوّل حزب الله المتدرّج من حالةٍ جهاديّةٍ عالميّةٍ تنادي بولاية الفقيه وتعتنق الدعوة والتكفير برنامجاً لعملها السياسيّ إلى قوّةٍ إسلاميّةٍ وطائفيّةٍ منظّمةٍ، محافظةٍ اجتماعيّا ودينيّاً، ومتفرّدةٍ لمقاومة إسرائيل.

لم يكن ليحصل كلّ ذلك إذن لولا الدور المحوريّ الذي لعبته سوريا البعث، هي الّتي وجدت في حزب الله أداةً طيّعةً أيديولوجيّاً إذا ما رُوّضته عسكريّاً، لا سيّما بعد التحام الحزب بمجتمعٍ رزح تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي ولم يتفاعل بالضرورة مع عناوينه وأولويّاته الجهاديّة والدعويّة. وقد استمرّ الاصطدام العسكريّ بين النظام السوريّ وأدواته من جهة والحزب من جهةٍ أخرى حتّى تسعينيّات القرن الماضي، أي بعد انتهاء الحرب الأهليّة اللبنانية. مرّةً أخرى، لم يكن ركون النظام السوري إلى العنف المفرط أحياناً في مواجهة الحزب بغية إلغائه كما لم يسعَ قبلها إلى إلغاء منظمة التحرير الفلسطينيّة. لا بل اعتبر هذا النظام أن المعركة تستأهل كل تلك التضحيات بالضبط لأن حزب الله، بقدر ما هو جدّيّ في المواجهة العسكريّة مع إسرائيل والمعاداة للإمبرياليّة، هو براءٌ من أي عداءٍ للحاضنة الرأسمالية لهذه الإمبرياليّة أو اهتمامٍ بمسألة الدولة. لقد جعل هذا تعاطي النظامين السوريّ واللبنانيّ معه أكثر سلاسةً مقارنةً بأسلافه اليساريّين الّذين بقي تعدّيهم الاختصاص بالكفاح المسلّح إلى المسألتين الدولتيّة والاجتماعية احتمالاً قائماً ومؤرقاً.

جدليّة النظام والمقاومة

لقد نجحت هذه التجربة في تثبيت فكرة المقاومة حسّاً عامّاً (common sense) بديلاً عن فكرة الدولة ككليّةٍ سياسيّةٍ (political totality) تندرج في سياقها جدليّات التقدّم والنهضة والعدالة الاجتماعيّة كما المواجهة مع الاستعمار الجديد المتربّص بالمشرق العربيّ. عوضاً عن هذه الكلّيّة، كُرّست ثنائيّة النظام والمقاومة حالةً فصاميّةً عوّض من خلالها النظام عن قصوره الدولتيّ وأمّن بذلك استقراره من خلال المقاومة برغم واقع الهزيمة، لا بل بفضلها. ففي فيء هذا الفصام، لا يتناقض حيّز الهزيمة مع حيّز النصر، بل يتكاملان، طالما أنّ النظام مختصٌّ بالأولى والمقاومة متفرّغةٌ للثانية. ذلك أنّ إعلان النصر يصبح متاحاً للمقاومة عند أيّ إنجازٍ عسكريٍّ محدود الأفق، لأنّ البديل في ظلّ هذه الحالة الفصاميّة يظهر على أنّه عجز الدولة (أو بالأحرى النظام) في تقديم أيّ إنجازٍ من هذا القبيل. في المقابل، يُعفى النظام الحاكم من مهامّه في مواجهة إسرائيل والهيمنة الإمبراطورية عند زعمه أنّه نصيرٌ للمقاومة، فتنقلب حالة العجز هذه إلى شرعيّةٍ تفضي إلى الاستقرار. بالطبع، يبقى نجاح هذا النسق من الحكم المرتكز بشكلٍ كبير على نهج المقاومة مرهوناً بتحوّل الوعي عند قطاعاتٍ واسعةٍ من المثقّفين والجماهير إلى وعيٍ مأخوذٍ بأولوية المقاومة ومُعرضٍ عن الخوض في مسألتي الدولة والطبقة.

على رغم ولادة هذه الحالة الفصاميّة من رحم الهزيمة، إلا أنها لم تكن بالضرورة محكومةً بالفشل من ألفها إلى يائها وفي كلّ جوانبها. فبالعودة إلى سوريا ولبنان، فقد سمحت حال الاستقرار التي نعم بها القطر الأوّل منذ أوائل السبعينيّات، والثاني بعد انتهاء الحرب الأهليّة في أوائل التسعينيّات، إلى كتلٍ وازنةٍ ضمن نظاميهما بريادة تجارب نهوضٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ، ولو أتى مجهودها قاصراً عن الخروج من حال التبعيّة الاقتصادية ضمن النظام العالميّ. ففي سوريا، حاول نظام البعث تنمية القوى الإنتاجية في الزراعة والصناعة، فكانت النتيجة معدّلات نموٍّ اقتصاديٍّ عاليةٍ نسبيّاً في السبعينيّات وبدرجةٍ أقل في التسعينيّات، وتحسّنٍ ملحوظٍ في المؤشّرات الاجتماعيّة. أمّا في لبنان، فقد أطلقت ما اصطلح على تسميتها “الحريريّة السياسيّة” في التسعينيّات ورشات إعمارٍ ونهوضٍ اقتصاديٍّ كبرى ترافقت أيضاً مع معدّلات نموٍّ اقتصاديٍّ عاليةٍ نسبيّاً، ولو شابت هذه التجربة شوائب عديدة، لعل أبرزها تفرّدها لإنشاء البنى التحتيّة وإهمالها تنمية القطاعات والقوى الإنتاجيّة.

 هذه التجارب الدولتيّة المنقوصة أمّنت العمق الّذي من خلاله أتيح للعمل المقاوم الإسلاميّ الطابع تحقيق أهمّ إنجازاته، بدءاً من منتصف الثمانينيّات ومروراً بالتسعينيّات، وصولاً إلى إنجاز تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيليّ سنة 2000. إن ما يتمّ تجاهله من جانب الكثير من المنظّرين للمقاومة هو أنّ عملها كان بموجب تفويضٍ من الدولة اللبنانية وبرعايةٍ سوريّةٍ بعد انتهاء الحرب اللبنانيّة بدءاً من اتّفاق الطائف. وقد انعكس ذلك التفويض السياسيّ بدوره تفويضاً مجتمعيّاً إلى حدٍّ كبير، وبالرغم من اعتراض قطاعاتٍ شعبيّةٍ وازنةٍ على جوانب عدّةٍ من عمل المقاومة. ولعلّ ذلك كان جوهريّاً في إكساب المقاومة أريحيّةً في التحرك كانت أساسيّةً في صنع إنجازاتها وفي حمايتها من الانقسامات العموديّة الّتي طالما اعترت الساحة السياسيّة في لبنان.

اتّسعت الهيمنة، لكن مفهوم السياسة لم يتّسع معها

إنحلال النظام

بلغت هذه اللعبة حدودها القصوى مع بداية الألفيّة الثالثة، وبالإمكان اعتبار إنجاز التحرير في لبنان سنة 2000 قمّةً رمزيّةً لها. ما تلا ذلك كان مساراً إنحداريّاً من وهنٍ ثمّ انحلالٍ حلّ بالنظامين السوري واللبنانيّ وترافق مع تضخّمٍ كبيرٍ لفكرة المقاومة ودورها لملء هذا الفراغ. تعدّدت الأسباب في ذلك، ومن السهل إلقاء اللوم كاملاً على الظروف الجيوسياسيّة التي عصفت بالقطرين بدءاً من الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية ومن ثمّ حرب الخليج الثالثة، وما تلا ذلك من تصاعدٍ لنبرة تغيير النظام في سوريا في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، تناغمت معها كتلٌ سياسيّةٌ لبنانيّةٌ وازنةٌ نادت بإنهاء الوصاية السورية وخروج قوّات الردع العربيّة من لبنان. هذه الظروف، على أهمّيّتها، لا يصحّ أن تشيح النظر عن المتغيّرات السياسيّة والاجتماعيّة التي طرأت في داخل هذين القطرين. وقد تكون هذه المتغيّرات الداخليّة أشدّ حسماً في رسم مسار النظام والمقاومة والكتل التاريخية المتحلّقة حولهما من الظروف الجيوسياسيّة المحيقة.

إقرأ على موقع 180  والي نصر: إستراتيجية الـ"لا صبر" الإيرانية تقيد إسرائيل وأميركا

ففي سوريا، عبّدت خلافة بشّار الأسد لوالده في سدة الحكم الطريق للشروع في إصلاحاتٍ نيوليبراليّة الطابع كثّفت مساراً من الإنفتاح الإقتصادي كان قد افتتحه حافظ الأسد في فترة حكمه المتأخّرة. وقد كثر النقاش في ماهيّة النتائج الاقتصاديّة والاجتماعيّة لهذه الإصلاحات، من تعميق الفوارق بين الريف والمدينة وبين الفئات الاجتماعيّة، إلى تركّز ثمار النموّ في أيدي النخب الحضريّة والمرتبطة بالسلطة، مروراً بتراجع أوضاع قطاعات واسعة من المزارعين وتسريع ذلك للهجرة من الأرياف إلى أطراف المدن وإفضائه إلى اتّساع رقعة التهميش الاجتماعيّ والاقتصاديّ. ولعل الخلاصة من ذلك أن الأسد الابن، على عكس الأب، لم يولِ مسألة بناء وتدعيم القواعد الاجتماعية للنظام اهتماماً كافياً، حتّى كاد مفهوم الحكم عنده يقتصر على إثراء النخب الحضرية السالفة الذكر. أدّى ذلك في نهاية المطاف إلى التآكل التدريجي لهذه القواعد الشعبيّة، وانفراط العقد الاجتماعيّ الّذي قام عليه نظام البعث منذ ستّينيّات القرن الماضي. ولم يمضِ عقدٌ من الزمن على حكم الأسد الابن حتى اندلعت الثورة السوريّة في أوائل عام 2011، ومن ثم انحدرت إلى أتون حربٍ أهليّةٍ ضروسٍ أتت على كل مقوّمات ومقدّرات القطر السوريّ ولم تزل مفاعيلها المظلمة تعتمل حتى الآن.

أمّا في لبنان، فقد تلازم تعاظم سطوة الأجهزة الأمنية داخل النظام، والّذي تُوّج بانتخاب قائد الجيش إميل لحّود رئيساً للجمهوريّة سنة 1998، مع تباطؤٍ في الزخم الإقتصاديّ الذي رعته “الحريريّة السياسيّة” السالفة الذكر. لقد بدأت بوادر هذا التباطؤ بالظهور بدءاً من المنتصف الثاني للتسعينيّات، وصولاً إلى إخراج رفيق الحريري من رئاسة الحكومة واستبداله بسليم الحصّ عمليّاً كواجهةٍ للنظام الأمنيّ العميق. والمفيد هنا التذكير أنّه بالإضافة إلى أدبيّات الحرب الفاسدة على الفساد[4]، كان لسان حال هذا الأخير التقشّف ثمّ التقشّف الماليّ والاقتصاديّ، بتناغمٍ لا بل تماهٍ كاملٍ مع إملاءات إجماع واشنطن (Washington Consensus) والمؤسسات الراعية للنيوليبراليّة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ما بدأ تقشّفاً اقتصادياً استحال تقشّفاً بالسياسة أدى بدوره إلى إفراغ مؤسّسات الدولة من مضمونها الدولتيّ ولو المنقوص. فقد ترافق تنامي العجز الماليّ مع تسارعٍ مذهلٍ في العجز السياسيّ، وترهّلٍ كبيرٍ في سير عمل المؤسّسات. والمفارقة أنّ هذا المسار من التهافت في عمل المؤسّسات فرض نفسه على كلّ من تناوبوا في سدّة السلطة التنفيذيّة خلفاً لسليم الحصّ، ولا نستثني منهم رفيق الحريري نفسه عند عودته إلى الحكم سنة 2000[5].

كان الإجماع الاجتماعيّ الذي أتاح توزيع الأدوار بين نظامٍ عاجزٍ ومقاومةٍ منتصرةٍ يتفكّك هو الآخر

تصخّم المقاومة

هنا نصل إلى الفصل الأخير والراهن من هذه الصيرورة التاريخيّة الّتي لا نبالغ إذا ما وصفناها بالتراجيديّة. لقد حاولت أعلاه توصيف المسار الانحداري من العجز والانحلال الذي سلكه النظامان السوري واللبناني منذ أواخر التسعينيّات والمعبّد بالكثير من النوايا السيّئة. والإشكاليّة في صلبها إشكاليّةٌ سياسيّةٌ داخليّةٌ أطّرت الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة كما الجيوسياسيّة الخارجيّة وساقتها في هواها أكثر ممّا سيقت منها. هذا بدوره ولّد اختلالاً عميقاً في جدليّة النظام والمقاومة. ذلك أن الفراغ الداخليّ الناتج عن انحلال النظامين والذي تكلّل باندلاع الحرب الأهليّة في سوريا سنة 2011 والأزمة الاقتصادية في لبنان سنة 2019 أجبر مقاومة حزب الله على التضخّم لملء هذا الفراغ.

لقد تقصّدت هنا استعمال مصطلح “التضخّم” بدلاً من “التحوّل” للتشديد على أن عمليّة ملء الفراغ هذه لم تترافق مع تبدّلٍ جذريٍّ في أولويّات الحزب الانتقال من ذهنيّةٍ متخصّصةٍ بالشأن المقاوم إلى فضاء سياسة الدولة الأرحب والأشمل. على العكس من ذلك، فقد تنامت هيمنة حزب الله النفسيّة ومن بعدها السياسيّة والميدانيّة منذ بدايات العقد الأول من الألفيّة الثانية ليس فقط في لبنان، بل على الأرجح في سوريا كذلك[6]، ولكن مع إبقائها على نهج المقاومة محرّكاً أساسيّاً لمقاربة حقلٍ سياسيٍّ توسّع بشكلٍ سريعٍ ليفيض عن احتياجات المقاومة الضيّقة ويشمل تطلّعات وآمال المجتمعات المشرقيّةٍ برمّتها. عجز نهج المقاومة بنيويّاً عن الارتقاء بالوعي السياسيّ إلى هذه المعادلة الجديدة. ذلك أنّ بنيته الإيديولوجيّة مرتهنةٌ بشكلٍ تامٍّ لدوره كتقنيّة سلطةٍ وظيفتها الأساس شرعنة النظام، كما أنّها لا تمتلك مرونة الخروج من هذه العلاقة الشديدة الإشكاليّة. ما زاد الطين بلّة أنّ الأنظمة الّتي ارتأى نهج المقاومة إسنادها بلغت مرحلةً من الترهّل والانحلال استحال معها مسعى الإسناد إلى عمليّة إخضاعٍ لذاتٍ مقاومةٍ متضخّمةٍ على مساحة القطرين السوريّ واللبنانيّ. وترافقت تلك العمليّة مع إصرارٍ على المراوحة والتقوقع الضيّق الأفق داخل فكرة المقاومة بدلاً من التصدّي للزلازل السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية العميقة الغور الّتي نزلت بأقطار المشرق العربيّ.

إنّ هذا التضخّم في فكرة المقاومة الذي مهّد له الانحلال المتدرّج للنظامين السياسيّين السوريّ واللبنانيّ أتى إذاً بالدرجة الأولى والمنطقيّة والمقرّرة استجابةً لتطوّرات الداخل في هذين القطرين، أكثر منه في مواجهة تهديداتٍ خارجيّةٍ. لا يعني ذلك أنّ الظروف الخارجيّة لم يكن لها دورٌ في صوغ أشكال الأنظمة والمقاومات في المشرق العربيّ وتضخّم هذه الأخيرة. المقصود بالأحرى هو أنّ شكل هذا الدور لم يتبلور إلّا من خلال الوساطة الواعية والفاعلة لعموم القوى السياسيّة بتوزّعها وتفاعلها في الداخلين السوريّ واللبنانيّ، وبالأخصّ اللاعبين الأساسيّين في المقاومة. بمعنىً آخر، إن واقع الهزيمة لم يَصُغ بشكلٍ مباشرٍ جدليّة النظام والمقاومة وتضخّم هذه الأخيرة، بل تطلّب ذلك في لحظةٍ أولى تشكّل وعيٍ مهزومٍ لدى نخب السلطة والمقاومة على حدٍّ سواءٍ، ليرسم هذا الوعي بدوره وفي لحظةٍ لاحقةٍ شكل الجدليّة والتضخّم.

أمّا عن التجليّات السياسيّة والميدانيّة لتضخّم المقاومة، فقد أتت بالدرجة الأولى على شكل مواجهةٍ مع مجتمعات الداخل السوري واللبناني أكثر منه مع أعداء الخارج[7]. ذلك أنّ هذه المجتمعات بدأت تتنبّه بوعيها أو فطرتها إلى قصور ثنائيّة النظام والمقاومة الفصاميّة التي وصّفناها أعلاه عن تحقيق آمالها وتطلّعاتها. وقد شرعت قطاعاتٌ واسعةٌ منها بالتعبير عن ذلك من خلال سلسلةٍ من التحرّكات الشعبيّة او الانتفاضات أو الثورات، أو سمّها ما شئت. بعض هذا التعبير ركن إلى مصطلحاتٍ وأدواتٍ مدنيّةٍ و”حضاريّةٍ” حصيفةٍ، والبعض الآخر استكان إلى خطابٍ وتعبيراتٍ طائفيّةٍ أو أصوليّةٍ، وكلّ ذلك من إفرازات مجتمعاتٍ جرّفها[8] النظامان السوريّ واللبنانيّ حتّى كادا أن يفقداها مَلَكة الإفصاح والكلام المبين.

ولم يكن ردّ المقاومة على هذا التآكل المتدرّج في الإجماع الاجتماعيّ حولها، ولا على التهافت المتسارع للنظامين السوريّ واللبنانيّ، خروجاً على موقعها السابق في ثنائيّة النظام والمقاومة، بل كان، للمفارقة، امتداداً منطقيّاً له. فبدلاً من تلقّف التحوّلات العميقة التي أصابت مجتمعات القطرين، والتكيّف مع إعادة اصطفاف قواها ومصالحها وتطلّعاتها، آثرت المقاومة الاحتماء بالثنائيّة القديمة والسعي إلى ترميمها من خلال الانحياز إلى النظامين وإسنادهما. لم يكن ذلك مجرّد تحالفٍ ظرفيّ فرضته ضرورات السياسة أو مقتضيات الجغرافيا، بل محاولةً لإعادة إنتاج الشروط الموضوعيّة التي ازدهر في ظلّها نهج المقاومة نفسه: نظامٌ يحمل وزر الهزيمة والعجز، ومقاومةٌ تحتكر في مواجهته حيّز النصر والإنجاز.

غير أنّ تلك الشروط كانت قد بدأت تتلاشى. فالنظامان اللذان أمكن للمقاومة سابقاً أن تتمايز عنهما من داخل التحالف معهما، وأن تنتصر على خلفيّة عجزهما، أخذا يفقدان القدرة حتّى على احتكار الهزيمة. ومع تآكل قواعدهما الاجتماعيّة وانحلال مؤسّساتهما، كان الإجماع الاجتماعيّ الذي أتاح توزيع الأدوار بين نظامٍ عاجزٍ ومقاومةٍ منتصرةٍ يتفكّك هو الآخر. وهنا تكمن مفارقة التضخّم: لقد بدأت المقاومة بمحاولة إسناد نظامين متداعيين، فإذا بها تنتهي إلى التمدّد داخل الفراغ الذي خلّفه تداعيهما. وكلّما انحسر النظام اتّسع الحيّز الذي وجدت المقاومة نفسها مطالبةً بملئه، وكلّما اتّسع هذا الحيّز ازدادت وظائفها وأعباؤها من دون أن تتّسع بالقدر نفسه رؤيتها السياسيّة أو يتبدّل نهجها.

بهذا المعنى، لا يدلّ تضخّم المقاومة على تعاظم قوّتها فحسب، بل على اختلال النسبة بين المجال الذي باتت تشغله والأفق السياسيّ الذي ظلّ يحكم حركتها. فمن قوّةٍ متخصّصةٍ في مقاومة الاحتلال، ومسنودةٍ بنظامٍ سياسيٍّ يتولّى، ولو بصورةٍ منقوصة، إدارة الكلّيّة الاجتماعيّة والسياسيّة، أخذت تتحوّل إلى قوّةٍ مهيمنةٍ تتداخل وظائفها مع وظائف النظام والدولة والمجتمع من دون أن تعيد تعريف نفسها على هذا الأساس. لقد تمدّد مجال فعلها، لكن بوصلتها ظلّت تشير إلى الوجهة القديمة.

ومن هنا أيضاً بدأت عمليّةٌ معاكسةٌ للأقلمة التي سبق أن وصّفناها. فإذا كانت أقلمة المقاومة قد عنت التحامها بمجتمعٍ ومجالٍ سياسيٍّ محدّدين، وإخضاع نزعتها الجهاديّة الأولى لحقائق الاجتماع السوريّ-اللبنانيّ، فإنّ تضخّمها حمل في أحشائه بذور نزع هذه الأقلمة (deterritorialization). فكلّما اتّسعت هيمنتها في لبنان وسوريا، واضطرّت إلى ملء الفراغات التي خلّفها انحلال النظامين، ابتعدت وظائفها عن الحدود الاجتماعيّة والسياسيّة التي كانت قد منحتها شرعيّتها وفاعليّتها في المرحلة السابقة. والمفارقة هنا أنّ ازدياد الهيمنة لم يعنِ ازدياد التجذّر، بل أمكن له أن يقود إلى نقيضه: انفصالٌ متزايدٌ بين مجالٍ سياسيٍّ وميدانيٍّ آخذٍ في الاتّساع وبين القواعد الاجتماعيّة والمحلّيّة التي أقلمت المقاومة ابتداءً.

كان الخروج من هذا المأزق يقتضي إعادة توجيه البوصلة السياسيّة نفسها؛ الانتقال من نهج مقاومةٍ محدود الاختصاص، يرى المجال السياسيّ من عدسة المواجهة مع العدوّ الخارجيّ، إلى مشروعٍ قادرٍ على الاشتباك مع الكلّيّة السياسيّة والاجتماعيّة، أي مع مسائل الدولة والطبقة والاقتصاد والحكم والعدالة الاجتماعيّة. لكنّ هذا الانتقال لم يحصل. لقد اتّسعت الهيمنة من دون أن يتّسع معها مفهوم السياسة، وتكاثرت وظائف المقاومة من دون أن تتحوّل إلى مشروع حكمٍ يعترف بنفسه كذلك ويتحمّل تبعاته. وهكذا وجدت المقاومة نفسها توجّه الحكم في هواها أكثر فأكثر، فيما ظلّت تفكّر وتتكلم بمنطق المقاومة؛ تملأ فراغ الدولة من دون أن تتصدّى لمسألة الدولة، وتهيمن على المجال السياسيّ من دون أن تعيد بناء تصوّرها للسياسة بما يتناسب مع هذه الهيمنة.

بهذا المعنى تحديداً، كان التضخّم مأزقاً لا انتصاراً. وبهذا المعنى يمكن فهم تحوّل حزب الله من حزبٍ مدعومٍ من إيران ولكنه ذو موقعٍ ودورٍ ومستقلٍّ داخل المصفوفات السياسيّة والمجتمعيّة المشرقيّة العربيّة، إلى فصيلٍ يأتمر مباشرةً بقيادات الجمهورية الإسلامية الايرانيّة، على أنّه مسألة انحطاطٍ عربيٍّ قبل أن تكون مسألة ارتهانٍ لقرارٍ إيرانيّ. وبهذا المعنى يمكن فهم الانحسار الكبير للدعم والتأييد العارمين الّذين نعمت بهما المقاومة في السابق. فمن عباءةٍ واسعةٍ أمّنها المجتمعان السوريّ واللبنانيّ بغالبيّة أطيافهما، يرفدها تفويضٌ شبه دولتيُّ من المنظومتين الحاكمتين، استحال هذا الدعم التفافاً عصبويّاً يكاد يقتصر على الطائفة الشيعيّة الحاضنة لحزب الله[9]، وينوء هو الآخر تحت وطأة التساؤلات الكبرى التي طرحها تغوّل إسرائيل مؤخّراً على لبنان وسوريا- ناهيك عن فلسطين- بالحديد والنار والاحتلال المباشر.

ماذا بعد؟

ما بدأ إذن محاولةً لإنقاذ ثنائيّة النظام والمقاومة انتهى إلى تقويض الشروط التي جعلت تلك الثنائيّة ممكنةً أصلاً. وحين لم يعد النظام قادراً على حمل الهزيمة وحده، لم يعد ممكناً للمقاومة أن تحتكر النصر وحدها. ولعلّ ما آل إليه انهيار هذه الثنائيّة يستحضر المقولة الشهيرة عن حاضرٍ يموت فيه القديم فيما يتعذّر على الجديد أن يولد، فتطلّ الوحوش من شقوق هذا البرزخ (interregnum) الحالك الظلمات. وليس من الصعب تبيئة هذه الصورة في المشرق العربيّ الراهن. فالقديم يتداعى من دون أن يخلّف وراءه قوىً اجتماعيّةً وسياسيّةً قادرةً على تشييد بديلٍ متماسك، فيما لا تكفّ الحروب الإمبرياليّة المزمنة في المنطقة عن إطعام الوحوش المتولّدة من هذا الفراغ، فتكبر وتزداد غلظةً وتوحّشاً.

أمّا الجمهور المجرَّف، الّذي أُفرغ على مدى عقودٍ من أدوات الفعل السياسيّ المنظّم، فلم يجد في الأغلب سوى الانتفاض العفويّ والحشويّ تعبيراً عن ضيقه، قبل أن تتكفّل آلات الاقتتال الأهليّ بإخماده وتطويعه، من عنفٍ رمزيٍّ واستقطابٍ عصبويٍّ وصولاً إلى سفك الدم الصريح. وليس نهج المقاومة، بما هو فكرةٌ ومنظومةُ وعيٍ قبل أن يكون قوىً وتنظيماتٍ مسلّحة، بريئاً من إنتاج هذه الحال أو إعادة إنتاجها. ولا يبدو أنّ ما نشأ على أنقاض القديم يبشّر حتى الآن بخروجٍ وشيكٍ منه. فأداء القوى السياسيّة الجديدة التي اعتلت مواقع الحكم يتراوح بين العاجز البائس والباعث على الخجل، من دون أن تتبلور بعدُ كتلةٌ تاريخيّةٌ قادرةٌ على إعادة جمع مسائل التحرّر والدولة والطبقة والعدالة الاجتماعيّة في مشروعٍ سياسيٍّ واحد. أمّا استشراف ما قد يفضي إليه هذا المخاض على المدى المتوسّط أو الطويل، فليس في هذه اللحظة أكثر من ضربٍ في الرمل. كلّ ما يمكن قوله هو أنّ المشرق العربيّ دخل حقبةً انكشفت فيها حدود القديم، فيما لم تتضح بعدُ ملامح الجديد، وأنّ الوحوش التي تملأ المسافة بينهما لا تزال طليقة.

[1] علي شلق، «الإمبراطوريّة والمقاومة.. الإختزال القاتل!»، موقع 180 بوست، 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2023:

https://180post.com/archives/41465.

[2] وقد سبق لنظام البعث أن أنشأ منظّمة الصاعقة في زمن صلاح جديد كفصيلٍ فلسطينيٍّ يدين له بالولاء وينافس فتح والفصائل الأخرى في منظّمة التحرير في مجال العمل المقاوم، برغم امتلاك النظام السوريّ جيشاً نظاميّاً يفوق كلّ تلك الفصائل مجتمعةً عديداً وعتاداً!

[3] الجدير بالذكر أنّ هذه الصحوة الإسلاميّة لم تقتصر على الانتصار لولاية الفقيه ولا على الشيعة الإثني عشريّة، فقد برزت أيضاً في أواخر السبعينيّات حركات إسلامٍ سياسيٍّ جاهرت بجهاديّتها في الأوساط السنيّة، إن كان في ديار العرب أو خارجها. وكان لسوريا ولبنان حصّتهما في هذا المجال، من الإخوان المسلمين وطليعتهم المقاتلة في القطر الأوًل إلى حركة التوحيد في الثاني. وفي الحالتين كان لصعود الإسلام السياسي في إيران الأثرٌ الكبير في تحفيز هذه الحركات وتأطير عملها السياسي وتوجّهها الجهاديّ.

[4] راجع في هذا السياق مقالة جوزيف سماحة المكتوبة في خضمّ الصخب الّذي واكب عملية تتويج إميل لحّود رئيساً للجمهوريّة، «فساد الحملة ضد الفساد»، صحيفة السفير، العدد 8130، 22 تشرين الأول/أكتوبر، 1998:

https://archive.assafir.com/ssr/958979.html

[5] لا يجوز هنا إعفاء هذا المسار بالتحديد من مسؤوليّته في مفاقمة الدين العامّ والانهيار الإقتصاديّ الذي تظهّر في لبنان سنة 2019، وإلقاء اللوم برمّته على “الحريريّة السياسية” ومشاريعها الاقتصاديّة في التسعينيّات. ذلك أن هذه الحريريّة السياسيّة ذاتها، وبليبراليّتها المضمّنة (embedded liberalism) والخارجة بنسبةٍ معتبرةٍ على اقتصاديّات عدم التدخّل النيوليبراليّة والمقدّسة من باقي القوى السياسية في لبنان ومن دون أي استثناء، حملت وحيدةً من بين ما هو مطروح إمكانيّة التخفيف من، أو حتّى إلغاء، مفاعيل الأزمة الاقتصاديّة الّتي لم تزل تعصف بالبلاد إلى يومنا هذا. ذلك أنّها من خلال إقحامها الدولة في مجال الإنفاق الاستثماري المحفّز للنموّ الإقتصاديّ، حملت عمليّاً الإمكانيّة الجدّيّة الوحيدة في موازنة المفاعيل الكارثيّة لسياسات تثبيت سعر العملة الّتي صمتت عنها وباركتها كلّ أطياف الحياة السياسيّة في لبنان.

[6] من الشواهد ذات الدلالة على ذلك أخبارٌ متقاطعةٌ وذات مصداقيّةٍ تفيد بأنّ بشّار الأسد رجّح عام 2004 التمديد لإميل لحّود رئيساً للجمهوريّة على انتخاب سليمان فرنجية لهذا المنصب استجابةً للمطالبة الحثيثة لأمين عامّ حزب الله السيد حسن نصرالله بذلك، ممّا يوحي ببلوغ نفوذ الحزب صلب القرار السوري منذ ذلك الحين.

[7] ويُلاحظ في هذا السياق أنّ عمليّات المقاومة الحدوديّة والعابرة للحدود ضدّ إسرائيل انحسرت بحدّة لا سيّما بعد حرب تمّوز 2006، حتّى كادت تغيب بوصفها نمطاً منتظماً من العمل العسكريّ وصولاً إلى سنة 2023 وبداية حرب إسناد غزّة. وقد تزامن هذا الانحسار مع اتّساع انخراط المقاومة في صراعات الداخل السوريّ واللبنانيّ.

[8] عن فكرة «التجريف»، انظر مقالة محمّد نزّال البديعة والمكتوبة في حمأة الانتفاضات الشعبيّة الّتي عمّت لبنان سنة 2019، «عن سؤال العدم لشعبٍ مُجرَّف…»، صحيفة الأخبار، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2019:

https://www.al-akhbar.com/Politics/279504/عن-سؤال-العدم-لشعب-مجرف.

[9] مع تلويناتٍ قوميّةٍ ويساريّةٍ يطغى على حججها الالتزام الأخلاقي الملامس للتديّن الأعمى على حساب التحليل النقديّ والتجاوزيّ. ولقد بشّرني أحد الزملاء أنّ عدوان إسرائيل الأخير على لبنان، و إعادة احتلالها المباشر لشريطٍ مُعتبَرٍ في الجنوب منه وتدميره تدميراً ممنهجاً، إن هو إلّا مدعاةٌ للتفاؤل، إذ أن فيه الشروط الموضوعيّة لاستعادة مشروع المقاومة عافيته السابقة!

Print Friendly, PDF & Email
علي شلق

كاتب وأستاذ جامعي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  ثلاث ملاحظات على خطاب نصرالله: الترسيم، الحراك والرئاسة!