نعم.. فلسطين التاريخية ليست أمراً مستحيلاً
Relatives of Palestinian Hussien Hamad, 11, mourn during his funeral in Beit Hanoun in the northern Gaza Strip on May 11, 2021. (Photo by Majdi Fathi/NurPhoto via Getty Images)

لا أُخفي عليكم كمية الاحباط التي انتابتني بعد مقابلة السيد خالد مشعل (رئيس قيادة حركة حماس في الخارج) مع قناة تلفزيونية تركية بالأمس، حيث ذكر الشروط الثلاثة للذهاب إلى تهدئة مع المحتل، وهي وقف الاعتداءات على الأقصى؛ إغلاق قضية الشيخ جراح ووقف الاعتداء على غزة. 

صحيح أن تقدير الموقف لمن يلم بكافة تفاصيل المعركة قد يختلف عن تقديرنا، لكننا نزعم بحقنا بعد أربعة حروب مدمرة على قطاع غزة أن نتخلص من حياة الذل التي نعيشها في كل تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية، خاصة وأن التضحيات التي قدمت في الجولة الأخيرة وما زالت تُقدّم كبيرةٌ جداً، وقد فرصت آثاراً إستراتيجية وتحولات جذرية على الصراع مع المحتل الإسرائيلي وعلى طبيعة المشروع الوطني وتطلعات الفلسطينيين للمستقبل ومنها ما لم يكن في الحسبان.

إلا أنني، وبعد تفكير معمق، وجدت أن الأمر أفضل بكثير من مجرد الرغبة بالحصول على الكثير من المكاسب المادية من جولة صراع محدودة وعوامل بيئية وإقليمية متشابكة؛

فقد أعاد دخول مدن الداخل المحتل إلى قلب المعركة القضية الفلسطينية إلى جذورها، وبدأنا نعيد حساباتنا، فنرى مطالبتنا بفلسطين التاريخية أمراً يمكن تحقيقه، كما سقط حل الدولتين الذي صدع رؤوسنا منذ سبعينيات القرن الماضي، وتبين واضحاً وجلياً أن مسيرات أهلنا في الشتات نحو الحدود مع فلسطين في كل من الأردن ولبنان وسوريا فرض علينا القناعة الكاملة بأن أجراس العودة قريباً سيسمعها القاصي والداني.

ربما شكلت صدمة الصواريخ وأصوات الانفجارات صحوة لوعينا، فأدركنا أن حياتنا المنقوصة من رغدها ومن الراحة والرفاهية هي الحالة الطبيعية لشعب تحت الإحتلال، وما لم يكن طبيعياً هو حالة الانغماس في البحث عن الكراسي والمناصب ونظام الدولة الواهمة الذي أشغلنا العالم فيها لربع قرن ونحن نبحث عن سلام الشجعان، حتى أنسانا جوهر قضيتنا وهو مقاومة المحتل؛

إن أعظم ما حققته هذه الجولة هو إعادة القضية إلى أصل حقيقتها، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، واسقاط كل مشاريع التسوية التي جاءت بها أوسلو بكل منظومتها ورموزها التي نَظَّرت لها عبثاً؛

إن انخراط الضفة الغربية بقوة في هذه الانتفاضة الشعبية يعني بالضرورة أن القضية قد عادت للعام 1990 قبل أن تلتف عليها قوى المراوغة بالسلام المزعوم، ويعني ذلك أن تلتهب الأرض تحت أقدام المحتل في كل الساحات والميادين، بل إن الأثر الأهم هو تحلل الشعب الفلسطيني من قيود إتفاقيات أوسلو التي حوّلته إلى حامٍ لأمن الاحتلال، وشوّهت سمعته، وصوّرته شريكاً له في الأمن والموارد الطبيعية والأعمال التجارية والمصالح، وهو ما ولّد طبقة من الساسة وكبار الشخصيات المرتبطين به وبوجوده، فكان أن جرّ دولاً أخرى للسير بالمسار ذاته وعَبَّد لهم طريق التطبيع من أوسع أبوابه، لنرى دولاً تسقط في وحل التطبيع فاقدةً مواقفها التاريخية المشرفة كالسودان، ودولاً أخرى بات مواطنوها يتغنون علناً بعلاقتهم مع المحتلين، وشخصيات عامة من بلاد الحرمين تثخن في الفلسطينيين وقضيتهم قدحاً وتجريحاً، وقد سبّب ذلك كله تآكل جدار الحماية الشعبية التي كانت تتمتع بها القضية الفلسطينية على مدار التاريخ.

سيتغير اللاعبون على هذه الخارطة، فمن نصبوا فخاً لإرادة الشعب الفلسطيني وصادروا حقه بالإنتخابات لن يكونوا جزءاً من المشهد الفلسطيني المقبل، بل وأجزم أننا لن نسمع لهم بعد اليوم ركزاً، فقد تجاوزهم التاريخ ومضى لتسليم قيادة الشعب الفلسطيني لقوىً هي أجدر منهم بثقة الشعب

لن يكون أحدٌ ملكاً أكثر من الملك، ولن يجدي الطلب من الآخرين مواقف بعكس ما تمارسه القيادة الفلسطينية. لقد فقدنا سلاح المقاطعة لأننا لم نمارسه ولم ندعم حركة المقاطعة الدولية على الصعيد الرسمي وقصّرنا بذلك على المستوى الشعبي.

لقد أخفضنا سقف الدعم الدولي لفشلنا في حماية قضيتنا وليس ملف قضية جولدستون (تقرير مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بشأن جرائم إرتكبها الإحتلال خلال حرب غزة 2014) إلا مجرد شاهد صغير على فشل قيادتنا في إدارة هذه الملفات؛

ما يمكن أن نخلص إليه في هذا المقال هو أن نوجه شكرنا العميق للقدس وأهلها أن أيقظوا فينا المارد النائم، فصحّحوا مسار القضية برمته، فما بعد هذه الجولة ليس كما قبلها، ستتغير خارطة الصراع، بل سيتغير اللاعبون على هذه الخارطة، فمن نصبوا فخاً لإرادة الشعب الفلسطيني وصادروا حقه بالإنتخابات لن يكونوا جزءاً من المشهد الفلسطيني المقبل، بل وأجزم أننا لن نسمع لهم بعد اليوم ركزاً، فقد تجاوزهم التاريخ ومضى لتسليم قيادة الشعب الفلسطيني لقوىً هي أجدر منهم بثقة الشعب، حيث فرضت نفسها كلاعب رئيسي في خارطة السياسة بفعل إنجازاتها على الأرض واستنهاضها للحالة الفلسطينية بأسرها؛

إن حجم الضرر الذي ألحقته هذه القوى بدولة الإحتلال ونافذة الأمل التي فتحتها أمام مستقبل القضية الفلسطينية يُحَمُلها مسؤولية إعادة صياغة البيت الفلسطيني وتحالفاته ويسلمها دفة منظمة التحرير الفلسطينية لتعيد بناء مؤسساتها على قاعدة الشراكة مع كل قوى الشعب، تلك الشراكة التي لم تكن حاضرة يوماً ما إلا في وثيقة الأسرى التي لم تبصر النور ولم تكن يوماً على أجندة الرئيس الفلسطيني.

إقرأ على موقع 180  "التنوير" يخدم العدوّ الصّهيوني.. يوسف زيدان نموذجاً

أغرب ما في المشهد أن حركة فتح ـ طبعاً بتقديري انتهى عهد أبو مازن بلا رجعة ـ أصبح عليها عبء إيجاد موطىء قدم في الخارطة الجديدة بعد أن تفككت وصارت ثلاث فرق، ولربما يكون أمام البديل الفتحاوي مهمة عاجلة هي توحيد الحركة فوراً وقبل أن يمضي القطار، فحقبة سلام الشجعان لا بد أن تغادر المشهد بلا رجعة هي ورموزها، وحركة فتح هي حركة جماهيرية ولاّدة وغنية بالشخوص والكفاءات ويمكن إعادة هيكلتها في وقت قصير.

هذا مقال رأي ناقد بعيون مستقلة، ولا يعني ما ورد فيه الإنحياز لطرف إلا الحقيقة التي أراها.

Print Friendly, PDF & Email
عصام حلمي حماد

رئيس قائمة الوفاء والبناء، ناشط مجتمعي فلسطيني (غزة)

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  أول الرصاص، أول الحجارة.. أول الصواريخ