المقاومة Archives - 180Post

800-17.jpg

بينما كنّا نائمين، كأغلب اللّبنانييّن، وكأغلب الطّبقةِ الحاكمةِ في البلدِ وأغلبِ حلفائِها أجمَعين، في ليلةٍ رَمضانيّةٍ مُظلمةٍ مُضيئةٍ غريبةٍ، من الشّهر الهجريّ الميلاديّ الجاري الكَريم.. اتّخذ القرار، وأُعطي الأمر. أُخذ قرارٌ، في المضمون وفي اعتقادي، ليس بمجرّد الانخراط في المعركة العسكريّة القائمة في الإقليم إلى جانب "الجهوريّة الإسلاميّة": بل، أُخذ القرار عمليّاً بالانقلاب على الوضع القائم في لبنان منذ حوالي عام ونيّف إلى اليوم.

nabih.jpg

في خضم هذا المشهد اللبناني الإقليمي الملتهب، كان لافتاً للانتباه موقف الرئيس نبيه بري. فعندما سُئل عن التطورات اكتفى بالقول: «لا تعليق». عبارة «لا تعليق» أتت من رجل يحمل في جعبته من الخبرة ما لا يمتلكه أي من الساسة اللبنانيين، وباعترافهم. فمن خاض أصعب وأعتى وأخطر المعارك السياسية أدرك مبكراً أن ما يجري ليس مجرد معركة عسكرية عابرة، ولا مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المعهودة، بل تأسيس لمشروع تفتيتي جديد يعيد رسم خارطة المنطقة على مقاس «إسرائيل الكبرى» المُشتهاة.

800-36.jpg

تتمثل المأساة الإنسانية في أعمق صورها عندما يُوضَع المرء أمام خيار مقايضة وجوده المعنوي بمكاسب مادية زائلة. فكرةٌ خلّدتها الأدبيات العالمية سواء في قصة «فاوست» (مسرحية فاوست لغوته) عبر مقايضة تمنح القوة مقابل الروح، وقصة «بيتر شليميل» (لأديلبرت فون شاميسو) عبر مقايضة ظله مقابل صُرّة مال لا تنضب. في القصتين نجد أن البطل يكتشف متأخرًا أن ما اعتبره تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه كان هو الحصن الذي يمنحه الكرامة والحماية والاعتراف بين البشر. وعند إسقاط هذه الرمزية على واقعنا اللبناني نجد أننا أمام من يُروّج لبيع الظل المقاوم مقابل وعود بالرفاهية الاقتصادية والرضا الدولي.

800-31.jpg

تبحث الكائنات عن كمالها، وكما يقول أهل الفلسفة، الكائنات مفطورة على البحث عن ذلك، وتبحث عن القوة بكل أبعادها باعتبارها حاجة نحو كمالها وخروجها من الفاقة والعوز. تراها تسعى لتحصيل الثروة والمال وقوة البدن والعلم ما أمكنها ذلك. فكل الكائنات الحية تنشد بسطة في العلم والجسم. هكذا حال الأفراد والجماعات والأمم، الذي لا يتبدل ولا يتغير.

736-1.jpg

لم تكن الحروب يومًا مجرد بارود ونار؛ بل هي في جوهرها صراع على «المعنى». تسعى السلطة الغاشمة لتأبيد سيطرتها بقتل الجسد والفكرة التي حرّكته ليكون مشتَبِكًا ثوريًّا، وتقوم بذلك عبر تفكيك لغته وقيمه وذاكرته ومؤسساته، حتى يصبح وجوده بلا معنى. وهذا ما يجعلنا على تخوم مفهوم «الإبادة الثقافية»، لا سيّما في فلسطين ولبنان، من خلال تدمير الثقافة وتفكيك المجتمع واستئصال ذاكرته الخاصة بما يكون له أثر يفوق الرصاص وأكثر؛ فالرصاص يقتل الجسد، أما "الإبادة الثقافية" وكيّ الوعي فيقتلان المعنى الذي يجعل الجسد قادرًا على النهوض من جديد.

800-4.jpg

تُبيّن التغطيات الإعلامية التي تلت اجتماع مارالاغو في 29 كانون الأول/ديسمبر 2025 بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تحوّل في المقاربة الأميركية للملف اللبناني، من إدارة قائمة على الاحتواء المرحلي وامتصاص الأزمات، إلى مقاربة أكثر صرامة تربط أي دعم أو وساطة بشروط تنفيذية واضحة، وتتعامل مع لبنان بوصفه ساحة اختبار للردع الإقليمي، لا مجرد ملف إنساني أو مالي.

800-47.jpg

السّلطة التّنفيذيّة الحاليّة في لبنان، والسّلطة الانتقاليّة الحاليّة في سوريا: كلاهما اليوم أمام "لحظة حقيقة" بكلّ ما للكلمة من معنى، إن كان بالنّسبة إليهما وإلى أهمّ أركانهما وداعميهما الاقليميّين والدّوليّين، أو بالنّسبة إلى الشّعبَين اللّبنانيّ والسّوريّ، أو حتّى بالنّسبة إلى مستقبل شعوب ودول المنطقة ككلّ. هل سيُثبت خيارهما التّفاوضيّ أنّه الأنسب والأنجح بالنّسبة إلى أحوالنا مع هذا الكِيان الاسرائيليّ.. كلبنانيّين وكسوريّين، بل كمشرقيّين أجمَعين؟ إنّها لحظة حقيقة سياسيّة ولكن أيضاً ثقافيّة وأخلاقيّة.

800-48.jpg

منذ لحظة سقوط النظام السوري في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، بدا واضحًا أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة، يُعاد فيها رسم الخرائط وتنظيم موازين القوى بما يعكس الرؤية الأميركية الإسرائيلية للشرق الأوسط، الذي ما زال يصارع للاستقرار على وقع التوحّش الإسرائيلي والقلق الإقليمي.

800-30.jpg

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان معظم سكان المنطقة في أسرّتهم، وكان الطقس خريفيًا جميلًا، ولم يكن أحدٌ يقدّر أنّ فجر هذا اليوم سيغيّر العالم، ويبعثر الخرائط الجيوسياسية في المنطقة. منذ تلك اللحظة التاريخية، انقلبت المنطقة رأسًا على عقِب. كشّرت إسرائيل عن أنيابها، وأعلنت أنها أمام تهديد وجودي. وبدأت المبارزة المنتظرة، ووضع كل فريق لاعبيه الأساسيين في الملعب الذي تحوّل إلى بحر من الدماء والدمار والتوحش والقتل.

800-26.jpg

جاء طفلي إليّ هذه السّنة، من المدرسة، برسومٍ لها علاقة بما نتعارف عليه هنا بمناسبة "عيد الاستقلال" في لبنان. والحقيقة هي أنّني لم أتلقّ الموضوع كما كنت أتلقّاه سابقاً وفي الغالب، خصوصاً في أعماق داخلي الباطنيّة. لماذا؟