المقاومة Archives - 180Post

800-2.png

شكّلت الحرب الإسرائيلية على لبنان بين عامي 2024 و2026، زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا، اختلف اللبنانيون في مقاربته. فقد رأى بعضهم في النتائج فرصة قد لا تتكرر للتخلص من تيار المقاومة وأدبياته ورموزه. في المقابل، رأى فيها آخرون جولة جديدة من جولات الصراع الطويل، ودعوا إلى مقاربة تُقرأ فيها المصلحة الوطنية من منظور جامع، لا فئوي ولا استقوائي، ولا يقتصر النقاش فيها على مستقبل سلاح المقاومة ودورها، أو على طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق تحديد العدو والصديق، ورسم موقع لبنان في الإقليم، وإعادة تعريف مفاهيم السيادة والسلام.

800-1.jpg

عندما نتأمّل الكثير من الحوارات الدّائرة في الأوساط النُّخبويّة العربيّة والمشرقيّة، نصل إلى ملاحظةٍ مهمّة تستحقّ التوقّف عندها واقعاً: فالإشكاليّة الأساسيّة لم تعد تتعلّق عموماً بإثبات "وجود الاستعمار" في بلادنا (وعليها) أو نفيه، بقدر ما أصبحت تتعلّق بكيفيّة التّعامل مع استمراريّته على المستوى السّياسيّ والعمليّ. فالمشكلة، في تقديري، ليست نظريّةً أو لم تعد نظريّةً-مفاهيميّةً بقدر ما هي عمليّة (وربّما أخلاقيّة بالمعنى العمليّ أيضاً)، وهنا تكمن المفارقة التي تستحقّ النّقاش المتعمّق والصّريح.

800-10.jpg

منذ عقود، لم تكن حروب الشرق الأوسط حروب حدود وجيوش فقط. خلف العناوين الكبرى المرتبطة بالأمن والتحالفات والصراعات العقائدية، كانت هناك دائمًا خرائط أخرى أقل ظهورًا: خرائط الطاقة، والممرات البحرية، وخطوط التجارة، وموازين النفوذ الدولي.

901.jpg

الرأسمالية الطائفية الممزوجة بالموروث الإقطاعي والعائلي، والمرتهنة للكولونيالية، هي التي تسبّبت بالدرجة الأولى في تخلُّف لبنان، وحالتْ دون انتقاله من الكيان إلى الوطن ومن المزرعة إلى الدولة. ويجادل اليمين الطائفي بأنَّ الطوائف هي سمةٌ كَينُونيَّةٌ ثابتةٌ في لبنان. ويتجرّأُ على القول تجديفاً إنَّ هذه السمة تاريخية وتكوينية خلافاً لكلِّ قواعد علم الاجتماع السياسي. ويرى هذا اليمين أيضاً أنَّ "اللبناني" هو ابن طائفته أوَّلاً، ثمَّ يأتي الانتماء إلى "وطن"- إذا أتى- في المرتبة الأخيرة، بالرغم من أنَّ اتفاق الطائف أكدَ أن لبنان وطن نهائي لجميع اللبنانيين.

764.jpg

لم يعد أمراً خافياً أن لبنان يعيش انقسامات حادة شتى، تعبّر عن تاريخ من التراكمات والصراعات والحروب والعصبيات والمصالح والفئات. لكنها أيضاً تعبّر عن غياب الإطار الانتمائي الذي عُرف بالدولة الحديثة أو الدولة الوطنية، والذي تطور توصيف دوره وأدواته إلى أن أصبح دولة المؤسسات والقانون ذات الطبيعة الرعائية، قبل ولوجنا انفجارات المرحلة الحالية – في العالم ولبنان ضمناً – التي تعكس تحوّلات جذرية في كل هذه الأطر والأبعاد.

750-6.jpg

أذكر أنه في أواخر عام 2019 وبدايات 2020؛ هذه المرحلة التي ما يزال اللبنانيون يختلفون حتى اليوم على تسميتها وتفسيرها، كانت حكومة سعد الحريري قد استقالت، وكانت البلاد تعيش حالة غير مسبوقة من الغليان السياسي والشعبي. يومها كنا مقتنعين بأن إسقاط حكومة فاشلة هو بحد ذاته إنجاز وضرورة. أما اليوم، وبعد سنوات من تلك الأحداث، أستطيع أن أقول إننا لم نكن نرى الصورة كاملة.

800-20.jpg

لا يوجد أيُّ مؤشِّرٍ واقعي، ولو بصيصاً، يدلُّ على نيّةِ العدوِّ الإسرائيلي الانسحاب من لبنان. تحت هذا السقفِ لا قيمةَ إطلاقاً لحديث واشنطن والسلطة اللبنانية عن وقْفِ إطلاق النار. سيبقى الجنوب - في المدى المنظور على الأقلِّ - مشتعلاً: احتلالٌ يُواصلُ عدوانَه، ويتوسَّعُ نحو مداخل البقاع، ومقاومةٌ تواصل الردَّ والصدَّ.

litani.jpg

شاهدتُ للتو منشوراً لزميل عتيق من رعيل جريدة "السفير". تحت عنوان "نازحيستا"، أعاد جهاد بزي نشر منشور لصبية تُدعى سيلين غندور، تروي فيه رحلتها مع النزوح من خلال مجموعة صور جميلة لها في الخيام. تروي سيلين في منشورها كم خيمة تنقلت بينها، وكيف دبّرت أمورها وغسيل ثيابها، وتفاصيل أخرى من تجربتها مع النزوح، بأسلوب إنستغرامي عصري ورائج وملوّن وجذاب.

800-56.jpg

لم يعُدْ منطقياً أن نسأل السلطة السياسية اللبنانية عن إعلان إستراتيجيتها التفاوضية تحت النار. بات الكلام هباءً في هذه المسألة. لو أرادت لفعلت. ولو كانت لديها إستراتيجية مواجهة لأعلنت. يبدو أنَّ الإستراتيجية الخاصة بها تريدها في الخفاء. لقد أصبحنا نخشى من أن تعلن السلطة عمَّا تفكِّرُ به حرصاً على ما تبقَّى من أواصرَ نتمنَّى أن نُسميها وطنية. ذهنية التنازلات المجَّانية هي السائدة تحت عنوان السيادة.

800-54.jpg

انتهت 8 و14 آذار يوم توقفتا عن تفسير لبنان، وبقي البلد منذ ذلك الوقت يبحث عن تعريفه أكثر مما يبحث عمّن يحكمه. فعلى مدى عشرين عاماً، حكم هذان التحالفان الحياة السياسية اللبنانية قبل أن يتآكلا تحت وطأة التحوّلات الكبرى. ما بدا عام 2005 انقساماً حاداً بين مشروعين متقابلين، انتهى عام 2026 إلى مشهد آخر، تبدّلت فيه القوى والاصطفافات، وتغيّر السؤال الذي قام عليه الانقسام من أساسه.