المقاومة Archives - 180Post

800-7.jpg

لم يعد النقاش في لبنان يدور حول سلاحٍ أو تفاوضٍ أو حدودٍ فحسب، بل حول سؤالٍ أبعد وأخطر: أيّ دولة يريدها اللبنانيون، وأيّ دولة يمكن أن تُؤتمن على قرار الحرب والسلم؟ في لحظةٍ تختلط فيها نار الجنوب بانقسام الداخل، ويعلو فيها صوت التفاوض مقابل صوت المقاومة، تتكشف أزمة أعمق من كل العناوين المعلنة: أزمة ثقة بدولةٍ لم تُستكمل شروطها، وبنظامٍ لم يُطبّق عقده المؤسس إلا على نحوٍ انتقائي. من هنا، يعود اتفاق الطائف إلى الواجهة، لا بوصفه نصًا يُستدعى عند الحاجة، بل بوصفه وعدًا مؤجّلًا لدولةٍ لم تولد بعد.

800-1.jpg

بين احتلال الأرض واحتلال الوعي، صِلَةٌ مَخفيَّة لكنها إستراتيجيّةٌ تماماً، وخطيرةٌ تتلازم معهما. وتكاد تكون جزءاً عضويَّاً مشتركاً بينهما. هذه الصلة ينشئُها كلُّ محتلٍّ، مثلما قد تنشِئها السلطات الداخليَّة في دولةٍ ما للسيطرة على وعي الجمهور وتدجينه. التعقيدات هنا كثيرةٌ وشديدة التشابك كونُ هذه الصلة لا تظهر مباشرة للعيان. لها طابع التسلُّل اللحْظَويِّ التراكُمي. ووظيفتها أن تؤثِّر في "اللاوعي الجمْعي"، كي تصنع لاحقاً مؤثرات متمادية في "الوعي العام"، وتنتج سلوكيَّات تتواءم مع مصالح مُنظِّميها، وتخلق قابليَّةً جاهزة للانسياق وراءَ مَن ينظِّمها، فيصبح المستعمَرُ(بفتح الميم) يتبنّى خطاب المستعمِر(بكسر الميم) وسرديّتَه، وتنشأ لديه حالة "استلاب الوعي"، وفقاً لتسمية "فرانز فانون" في روايته "معذّبو الأرض" التي ناقش فيها مخاطر هذه الحالة على مستقبل الشعوب التي تواجه الاحتلال.

800.jpg

هناك ظاهرةٌ لافتةٌ للانتباه فعلاً في المشهد اللّبنانيّ الحاليّ بالذّات، وقد تجلّت بوضوح أكبر- بل بوضوح يستوقف الانتباه بعمق واقعاً - منذ اعلان بدء موجة المفاوضات المباشرة بين السّلطة - أو الدّولة - اللّبنانيّة وبين العدوّ الاسرائيليّ مؤخّراً. وهي ظاهرة يمكن تسميتها، من دون حُكم قِيميّ بالضّرورة ومن دون تهجّم شخصيّ أو عقائديّ الطّابع، بـ"الجوع التّطبيعيّ"، والذي قد يبدو عميقاً جدّاً في أحيان كثيرة وعند أوساط مُعيّنة – باتت أكثرَ تنوّعاً نسبيّاً - من اللّبنانيّين.

780-7.jpg

كان لي حكايا وسهرات مع والدي في بدايات شبابي. كنت أسأله، فيجيبني عن أسئلة شخصية تتماهى مع البعد الإنساني والقضايا الكبرى. قال لي مرّة، من ضمن ما قال، إنه في سنته الجامعية الأولى في كلية الإعلام قدّم مبحثًا بعنوان: «الإعلام وقضية الجنوب»، وإن من ضمن ما خطّته يراعه حينها أنه لا يستطيع أن يكون موضوعيًا أمام قضية وطنية بهذا الحجم، على طريقة الرئيس الأسبق سليمان فرنجية: «وطني دائمًا على حق».

780-5.jpg

في الحروب غير المتكافئة، يتبدّل تعريف القوة من كمٍّ صلب إلى قدرةٍ مرنة على إدارة الممكن. هنا تتقدّم المقاومة بوصفها بنية دفاعية تُصاغ على قياس الضرورة، حيث لا تملك فائض العتاد، ولا وفرة العدد، إنما تمتلك ما يكفي لصياغة أثرٍ مؤثّر داخل معادلة أكبر منها. هذا النمط من الفعل يجد جذوره في أدبيات الدراسات الإستراتيجية التي تتناول الحروب اللامتناظرة، حيث يُعاد تعريف النجاح عبر الاستنزاف، التعطيل، وإرباك الإيقاع العملياتي للخصم، بدل السعي إلى حسمٍ شامل.

800-23.jpg

لبنان كيانٌ قَلِقٌ. يقفُ راهنًا على شفا منزلقاتٍ خطيرة. لا شيء يُنقذه إلّا صحوة وطنية وجوديّة تشبهُ المعجزة. هذه الكلمات صاعقةٌ حتمًا، لكنها تعكس واقعنا الكارثي. لولا إضاءة استثنائية من المقاومة في الجنوب، لكان ما نتخوّف منه مستقبليًا قد حلّ بنا الآن.

135.jpg

في توقيت بالغ الحساسية، تبدو دعوة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان و"إسرائيل"، مشروطة بوقف النار، وكأنها قفز فوق الوقائع لا قراءة لها؛ إذ كيف يُطرح خيار بهذا الحجم فيما المجتمع اللبناني نفسه يتآكل تحت وطأة انقسام يُلامس الخطوط الحمر.

720.jpg

في كل أرضٍ داستها أقدام الغُزاة، وُلد خياران.. خيار الّذين حملوا البنادق، وخيار الّذين حملوا الأعذار.. وبينهما، كانت الشعوب تمشي على حدّ السكين، وتتأرجح بين الكرامة والخوف، بين البقاء أحياء بأيّ ثمن، أو الموت واقفين. يُفضي ذلك إلى القول إن المُقاومة لم تكن يومًا محطّ إجماع.. بل كانت دائمًا فعل قلّة، يُحيط بها صمت الأكثريّة، وتُثقلها الخيانات.