لكن التطور الأكثر إثارة لا يكمن في حجم المعرفة وحده، بل في تغير العلاقة بين مَن يدرس ومَن تتم دراسته. فالرحالة كان يسافر إلينا، والأنثروبولوجي يقيم بيننا، والباحث يطلب منا ملء الاستبانة؛ أما اليوم فنحن الذين نحمل الجهاز معنا، ونكتب إليه، ونطرح عليه أسئلتنا، ونودع في محادثاتنا كثيراً من تفاصيل مخاوفنا وصراعاتنا وعلاقاتنا ومعتقداتنا وتصوراتنا عن الذات والعالم.
من هنا يمكن طرح مفهوم «المستشرق الرقمي»، لا بوصفه حقيقة علمية مكتملة، بل استعارة لفهم تحول بالغ الأهمية في علاقة المعرفة بالقوة: ماذا يحدث عندما تصبح معرفة المجتمعات قابلة للاستخراج من تدفقات هائلة من اللغة والسلوك الرقمي، بدلاً من أن تحتاج دائماً إلى رحلة أو بعثة ميدانية؟
من التوصيف إلى الفهم
في المراحل القديمة، قامت معرفة الشعوب بدرجة كبيرة على روايات الرحالة والمؤرخين والجغرافيين والتجار والمبشرين. ويُعد هيرودوت، في القرن الخامس قبل الميلاد، من أشهر النماذج المبكرة، إذ ضمّن «التواريخ» أوصافاً للمصريين والفرس وغيرهم، ولعادات الشعوب وتنظيماتها. وفي التراث العربي والإسلامي قدّم ابن بطوطة والمسعودي والإدريسي وغيرهم أوصافاً واسعة للمجتمعات والمناطق التي عرفوها أو وصلوا إليها في رحلاتهم.
لم تكن تلك أنثروبولوجيا بالمعنى الحديث، لكنها كانت بداية طويلة لوصف الآخر ومحاولة فهمه.
ثم أخذت الدراسات الاستشراقية طابعاً مؤسسياً أكثر وضوحاً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وشملت اللغة والتاريخ والدين والأدب والفنون والقوانين. وقد ارتبط جانب منها بالمؤسسات الاستعمارية والإمبراطورية، وهو ما جعل العلاقة بين المعرفة والهيمنة سؤالاً مركزياً في النقد اللاحق للاستشراق.
لكن نقلة كبرى حدثت مع تطور الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا. لم يعد كافياً أن يقرأ الباحث عن مجتمع بعيد؛ صار عليه أن يذهب إلى «الميدان»، ويقيم بين الجماعة، ويتعلم لغتها، ويراقب حياتها اليومية، ويشارك في بعض أنشطتها.
برز برونيسواف مالينوفسكي بوصفه أحد أبرز من رسخوا هذا النموذج في جزر تروبرياند، فيما درس فرانز بواس شعوب أميركا الشمالية، وذهبت مارغريت ميد إلى ساموا لدراسة المراهقة والتنشئة والثقافة.
صار المطلوب الانتقال من وصف المجتمع إلى محاولة فهم منطقه الداخلي: القرابة، السلطة، الطقوس، التبادل، الدين، تربية الأطفال، تسوية النزاعات، الموت والحياة.
كلُّ ذلك تطلب جهداً هائلاً. على الباحث الوصول إلى المجتمع، وبناء الثقة، وتعلم شيء من لغته، وتدوين ملاحظاته، وإجراء مقابلاته، ثم تفسير ما شاهده من دون أن يقع كلياً في أسر تحيزاته الخاصة.
وفي مرحلة لاحقة، أصبحت الجامعة نفسها مساحة مثالية للمسوح الاجتماعية والسياسية؛ المكان الذي يجمع عدداً كبيراً من الشباب المختلفين في انتماءاتهم وخلفياتهم، وحتى في جنسياتهم.
أتذكر، في هذا السياق، حادثة من أيام الجامعة. دخل رئيس القسم ليخبرنا بأن الحصة ستُستبدل بلقاء مع فريق أجنبي يريد إجراء استبانة بين الطلاب. دخل عدد من الشبان والشابات، يحملون الأوراق والأسئلة. كان بعض الطلاب متحمساً، وربما منبهراً باهتمام الأجنبي بتفاصيل حياتنا ومواقفنا. أما أنا فوجدت نفسي متحفظة أمام أسئلة لا أعرف مآلاتها ولا المشروع الذي ستُستخدم فيه، وطلبت عدم المشاركة.
هذه حادثة شخصية لا تصلح وحدها دليلاً على مشروع سياسي أو استخباراتي، لكنها بقيت في ذاكرتي لأنها تختصر سؤالاً مهماً: من يجمع المعرفة عن مَن؟ ولماذا؟ ومن يمتلك البيانات بعد أن نعطيها؟
ويذكر لي صاحب مكتبة قريبة من مبنى كلية علم النفس في الجامعة اللبنانية أن الإصدارات الجديدة لبعض الأساتذة والباحثين اللبنانيين كان يسأل عنها، في أحيان كثيرة، أجانب وباحثون قبل الجمهور اللبناني المتوقع للكتاب نفسه.
مرة أخرى، لا يدل ذلك وحده على نية خفية، لكنه يذكّر بأن معرفة المجتمعات الأخرى بقيت دائماً ذات قيمة أكاديمية وسياسية واقتصادية.
الذكاء الإصطناعي.. قارىء الفنجان
ثم جاءت النقلة الرقمية.
قبل الذكاء الاصطناعي التوليدي، كانت منصات التواصل ومحركات البحث والهواتف الذكية قد جعلت جزءاً هائلاً من الحياة الاجتماعية قابلاً للتحويل إلى بيانات. أما نماذج اللغة فقد أضافت شيئاً أكثر حميمية: المحادثة.
فالمستخدم لا يضغط فقط على زر «إعجاب»، ولا يبحث عن سلعة. قد يخبر النموذج بأنه خائف، أو غاضب، أو يفكر في الطلاق، أو يعاني أزمة مهنية، أو يسأل عن دينه وعلاقاته وأحلامه وهويته السياسية.
وفي هذه اللحظة تصبح المحادثة مادة شديدة الغنى لفهم الفرد، حتى لو كان من الخطأ افتراض أن كل ما يقوله محفوظ تلقائياً أو أن النموذج يمتلك ملفاً نفسياً كاملاً عنه. فالخدمات تختلف في سياسات الذاكرة والخصوصية واستخدام البيانات.
ومع ذلك، يبقى التحول هائلاً: في الإثنوغرافيا القديمة كان الباحث يحاول إقناع الناس بالكلام؛ أما اليوم فيدخل ملايين الناس طوعاً في محادثات طويلة مع أنظمة حاسوبية، وقد يكشفون فيها ما لم يكونوا مستعدين لقوله في استبيان تقليدي.
سألت إحدى الأمهات: هل تستخدمين الذكاء الاصطناعي في حياتك الشخصية؟ صمتت لثوان، ثم رفعت ملعقة أمامها وقالت: «حتى لو أردت أن أعرف شيئاً عن هذه، أسأل ChatGPT». أما صديقتها فضحكت وقالت إنها تصوّر فنجان القهوة يومياً وتطلب منه قراءته، كما تطلب منه تفسير أحلامها.
قد تبدو الحكاية طريفة، لكنها تكشف شيئاً أكثر جدية: درجة الحميمية التي بدأت تتشكل بين الإنسان والآلة، والسهولة التي نمنح بها أنظمة الذكاء الإصطناعي تفاصيل حياتنا الخاصة.
وقالت لي طبيبة إن أحد الأنظمة ناداها باسمها أثناء الحوار، فيما ذكر مستخدم آخر أن محادثته الجديدة بدت كأنها تواصل نقاشاً سابقاً. قد يكون لذلك تفسير تقني يتعلق بالذاكرة أو سياق الحساب، وليس بالضرورة وجود «ملف سري»، لكن ما يهم هنا هو شعور المستخدم بأن النظام يعرفه.
وهنا تصبح المشكلة أعمق من سؤال: من يملك المعلومات بل أي صورة للمجتمع يمكن أن تُستخرج منها؟
فالذكاء الاصطناعي ليس مراقباً محايداً خارج الثقافة. هو نفسه نتاج بيانات ولغات ومؤسسات وخيارات بشرية، ويمكن أن يحمل تحيزاتها أو يعيد إنتاجها.
وهنا تنقلب الاستعارة: إذا كان المستشرق القديم معرضاً لأن يرى الشرق من داخل مفاهيمه هو، فإن «المستشرق الرقمي» قد يرى المجتمع أيضاً من خلال تحيزات البيانات التي دُرّب عليها.
ولهذا لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي ألغى الحاجة إلى الأنثروبولوجي أو الباحث الميداني. لقد أضاف طبقة معرفية جديدة، هائلة الحجم والسرعة، لكنها لا تعوض معرفة السياق ولا التجربة المعاشة ولا القدرة على فهم كل ما لا يظهر في الكلمات والبيانات.
المستشرق الجديد
وهذا يزداد حساسية حين نصل إلى النفس البشرية.
في العيادة النفسية، لا يكفي أن يعرف المعالج آلاف المعلومات عن المستفيد. عليه أن يفهم السياق، وأن يراقب تحيزاته الخاصة، وأن يميز بين رؤيته وعالم الشخص الذي يجلس أمامه. المعرفة النفسية ليست جمع معلومات فقط، بل علاقة تفسيرية وأخلاقية أيضاً.
وهذا ما يجعل سؤال «المستشرق الرقمي» أكثر تعقيداً من مجرد الخصوصية: هل تستطيع الخوارزمية أن تفهم العالم الداخلي لمجتمع، أم أنها تستطيع فقط اكتشاف أنماط في ما يقوله أفراده؟ هل تستطيع فهم شبكة الرموز والمعاني التي تجعل سلوكاً معيناً مفهوماً داخل ثقافة ما، أم أنها تعيد تركيب الثقافة كما تظهر في البيانات المتاحة لها؟
ثم يأتي السؤال السياسي الأهم: إذا أصبحت التفاعلات الرقمية مصدراً غير مسبوق لمعرفة الميول والقيم والمخاوف والرغبات، فمن يمتلك هذه المعرفة؟ ومن يستطيع استخدامها؟ ولأي أغراض اقتصادية أو أمنية أو انتخابية أو تسويقية؟
لم يعد هذا السؤال متعلقاً بالغرب وحده. الدول والشركات والمنصات ومراكز الأبحاث، شرقاً وغرباً، لديها دوافع متعددة لفهم سلوك المجتمعات والتنبؤ به والتأثير فيه.
لذلك لم تعد القضية مجرد «الغرب يدرس الشرق». المسألة أوسع بكثير: الإنسان نفسه أصبح منتجاً دائماً للبيانات عن ذاته.
وبينما تتسابق المؤسسات إلى فهم الميول والثقافات والسلوك السياسي والاجتماعي بأدوات غير مسبوقة، ما زال بعضنا يحوّل أكثر تقنيات العصر تقدماً إلى قارئ فنجان ومفسّر أحلام.
وربما تكمن المفارقة كلها هنا.
لسنا أمام نهاية تاريخ دراسة الشعوب، بل أمام بداية فصل جديد منه: الرحالة كان يدوّن ما رآه، والمستشرق كان يقرأ نصوصنا، والأنثروبولوجي عاش بيننا، والباحث أعطانا الاستبانة؛ أما الخوارزمية، فنحن الذين نجلس أمامها كل يوم ونبدأ بالكلام.
