من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة: المواطنة السورية لا تُبنى على درجات

مع الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة في سوريا، لم يعد السؤال المطروح فقط: من شارك في الثورة؟ ومن وقف على الحياد؟ ومن كان مع النظام السابق؟ بل أصبح السؤال الأهم والأخطر: أي دولة نريد أن نبني بعد الثورة؟

أبدأ من عبارة مهمة قالها الرئيس أحمد الشرع في بداية المرحلة الجديدة، ومضمونها أن «منطق الدولة يختلف عن منطق الثورة». وهي عبارة وردت بالفعل في سياق حديثه عن الانتقال من الفصائل المسلحة إلى مؤسسات الدولة.

إذا أخذنا هذه الفكرة إلى مداها السياسي والقانوني الكامل، فإن نجاح الثورة لا يكتمل بمجرد تغيير السلطة، وإنما عندما تتحول أهدافها إلى مؤسسات وقوانين وحقوق متساوية لجميع المواطنين. فالثورة قد تكون لحظة تاريخية فاصلة، لكن الدولة هي الإطار الدائم الذي يفترض أن يجمع السوريين جميعاً.

ومن هنا تبدأ واحدة من أهم القضايا التي ينبغي الانتباه إليها ونحن نبني سوريا الجديدة: هل ستكون المواطنة السورية متساوية، أم سنبدأ ببناء هرم جديد للمواطنة، يصبح فيه بعض السوريين أكثر استحقاقاً للحقوق والمناصب بسبب مواقفهم السياسية أو مشاركتهم في الثورة؟

هل تتحول الثورة إلى غنيمة سياسية؟

لا أحد يستطيع إنكار التضحيات الكبيرة التي قدمها السوريون خلال سنوات الثورة والحرب. هناك من حمل السلاح وقاتل وضحى بحياته، ومن أصيب أو اعتُقل أو هُجّر، وعائلات فقدت أبناءها وأقاربها.

لكن التضحية السورية لا تختصر في من حمل السلاح. ملايين السوريين دفعوا ثمناً باهظاً أيضاً؛ قُتل منهم كثيرون، وسُجنوا وهُجّروا، وفقدوا منازلهم وأعمالهم وممتلكاتهم، وعاشت عائلات كاملة سنوات في المخيمات أو المنافي.

لهذا يجب التمييز بوضوح بين تكريم التضحية وتحويلها إلى امتياز سياسي دائم.

فإذا أصبحت المناصب العامة مكافآت على المشاركة في الثورة، أو رأى من حمل السلاح أن له ولأسرته حقاً خاصاً في السلطة والثروة والمواقع الحساسة، فإننا ننتقل من منطق الدولة إلى منطق الغنيمة.

والدولة لا تُبنى بمنطق الغنائم.

المشاركة في الثورة معيارٌ للمواطنة

الخطر لا يكمن في توزيع المناصب وحده، بل في نشوء تصنيفات دائمة للمواطنين: هذا شارك في الثورة، وهذا لم يشارك؛ هذا كان محايداً، وهذا أيد النظام السابق؛ هذا حمل السلاح، وهذا لم يحمله؛ هذا ينتمي إلى فصيل، وذاك كان معارضة سياسية.

هذه التصنيفات قد تكون ضرورية لفهم التاريخ، لكنها تصبح شديدة الخطورة إذا تحولت إلى معايير للحقوق المدنية والسياسية.

فعندها نصبح أمام مواطنة هرمية: مواطن من الدرجة الأولى، وآخر من الدرجة الثانية، وربما مواطن يحتاج إلى إثبات ولائه السياسي حتى يحصل على حقه.

الثورة قامت، في أحد أهم أبعادها، ضد احتكار السلطة للوطنية، ولذلك لا ينبغي أن تنتهي إلى احتكار الوطنية من جماعة جديدة.

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن يعاد إنتاج المعادلة القديمة بصيغة جديدة: من يؤيد السلطة في كل قراراتها وطني، ومن ينتقدها يصبح من بقايا النظام أو من أعداء الثورة.

الحكومة ليست الدولة. والرئيس ليس الدولة. والثورة ليست الدولة. والفصيل المسلح ليس الدولة.

الدولة هي الناس والمؤسسات والقانون والمواطنة والسيادة العامة.

وللمواطن حق أن يؤيد الحكومة أو يعارضها، وأن يسألها عن الأسعار والكهرباء والسياسات الاقتصادية وإدارة المال العام، وأن يطالب بتغيير سياساتها، ما دام يفعل ذلك ضمن القانون، من دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة سياسية.

وهذه الثقافة إحدى أهم الضمانات ضد إعادة إنتاج الاستبداد.

العدالة على الأفعال لا على الهويات

من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب عليها، أياً كان موقعه السياسي. ومن لم يرتكب جريمة لا ينبغي أن يعاقب لمجرد أنه كان محايداً، أو كانت له قناعة سياسية مختلفة، أو عمل في مؤسسة من مؤسسات الدولة السابقة.

المعيار يجب أن يكون: ماذا فعلت؟ لا: إلى أي طرف كنت تنتمي؟

ولهذا ينبغي التفريق بين من ارتكب الجريمة، ومن أصدر الأمر، ومن شارك فيها أو استفاد منها بصورة غير مشروعة، وبين موظف أو مواطن لم يرتكب جريمة.

وفي الاتجاه المقابل، لا يجوز أن تمنح المشاركة في الثورة حصانة لأحد إذا ثبت ارتكابه جرائم.

لا أحد فوق القانون.

وهذا المبدأ نفسه ينبغي أن يحكم ملف جبر الضرر. من هُجّر يجب أن تُبحث عودته وحقوقه، ومن فقد منزله أو ممتلكاته يجب أن تكون هناك آليات قانونية للاسترداد أو التعويض، ومن تعرض للاعتقال أو التعذيب أو أصيب بعجز أو فقد فرداً من أسرته ينبغي أن يحصل على ما يقرره القانون من إنصاف ورعاية.

لكن جبر الضرر حق للمتضرر، وليس امتيازاً سياسياً.

ولا ينبغي أن يتحول إلى امتياز يُورّث للأبناء والأحفاد؛ فابن من شارك في الثورة ليس مواطناً بدرجة أعلى من ابن من لم يشارك فيها.

سوريا تحتاج إلى كل كفاءاتها

إلى جانب العدالة، هناك تحدي بناء الدولة نفسها.

سوريا تحتاج إلى أطبائها ومهندسيها واقتصادييها وقانونييها ودبلوماسييها وأكاديمييها ورجال أعمالها وخبرائها وإدارييها، في الداخل والشتات. ولا تستطيع دولة خارجة من حرب طويلة أن تستغني عن الكفاءات لأن أصحابها لم يكونوا في «الموقع السياسي الصحيح».

إقرأ على موقع 180  الجيل الجديد.. والهويّات المتحرّكة

فالدولة الحديثة لا تسأل الموظف أولاً: من كنت؟ بل: ماذا تستطيع أن تقدم لسوريا؟ وما خبرتك وكفاءتك ونزاهتك؟ وهل تستطيع تحمل مسؤولية الموقع الذي ستشغله؟

وهذا يتطلب آليات شفافة لاختيار الكفاءات، بعيداً عن المحسوبية والولاءات الشخصية والفصائلية والطائفية والمناطقية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل واقع اقتصادي واجتماعي ما يزال شديد الصعوبة، برغم مؤشرات التعافي المتواضعة؛ فسنوات الحرب ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد والخدمات، وما تزال القيود المالية والمؤسسية كبيرة.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح كلفة الخطأ في التعيين والإدارة أعلى، لأن كل قرار سيئ ينعكس مباشرة على المواطن.

ولهذا لا ينبغي أن تكون المرحلة الجديدة مجرد تغيير في الأشخاص، بل تغييراً في طريقة إدارة الدولة نفسها.

المواطنة والتنوع السوري

سوريا بلد متنوع دينياً ومذهبياً وقومياً ومناطقياً، وهذا التنوع لا ينبغي أن يصبح سبباً للتقسيم، بل جزءاً من الهوية الوطنية.

لكن إذا شعر مكوّن من مكونات المجتمع بأن الدولة تستبعده، أو أن أبناءه أقل حظاً في الحقوق والمناصب، فلن تبقى المسألة إدارية؛ قد تتحول إلى مشكلة سياسية واجتماعية وأمنية.

ولهذا فإن المواطنة المتساوية ليست شعاراً أخلاقياً فقط، بل إحدى أدوات حماية وحدة الدولة.

كلما شعر المواطن بأن الدولة دولته، ازداد تمسكه بها؛ وكلما شعر بأنه مستبعد أو أقل قيمة من غيره، ازدادت حاجته إلى البحث عن حماية خارج مؤسساتها، وهنا تتسع المساحة أمام التدخلات الخارجية تحت عنوان حماية هذا المكوّن أو ذاك.

المؤسسة التشريعية ومساحة الحوار الوطني

من هنا تأتي أيضاً أهمية المؤسسة التشريعية.

وأنا شخصياً أفضل تسمية «مجلس النواب» على «مجلس الشعب»، لأن النائب ينبغي أن يمثل المواطنين، ويراقب أداء السلطة التنفيذية، ويشارك في صناعة القوانين.

ومن المفترض أن تناقش القضايا الكبرى، مثل العدالة الانتقالية وجبر الضرر وحقوق المهجرين والمعتقلين والمفقودين وقضايا الملكية والتعويضات، بشفافية أمام ممثلين منتخبين.

فالمواطن لا يريد فقط أن يسمع قرارات تصدر من فوق؛ يريد أن يعرف لماذا اتُّخذت، وأن يكون له صوت في مناقشتها، وأن يشعر بوجود مؤسسة يستطيع الوصول إليها من خلال ممثله المنتخب.

وهنا يصبح البرلمان واحداً من صمامات الأمان في الدولة.

لا نصنع أسباب أزمة جديدة

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: هل ننتظر حتى تتراكم مظالم جديدة ثم نبحث عن علاجها، أم نحاول منعها قبل أن تتحول إلى أزمة؟

الخطر يبدأ عندما يشعر الموظف بأن الكفاءة لا قيمة لها، والمواطن بأن حقوقه مرتبطة بموقفه السياسي، ومكوّن اجتماعي بأنه مستبعد، والمعارض بأن انتقاده يجعله عدواً للدولة، أو من كان محسوباً على النظام السابق بأنه محكوم عليه بالإقصاء الجماعي مهما كان فعله الشخصي.

هذه ليست تفاصيل صغيرة؛ إنها بذور أزمات مستقبلية.

من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة

إن الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة لا يعني نسيان الثورة، ولا إنكار تضحيات من شاركوا فيها، بل وضع هذه التضحيات في مكانها التاريخي والقانوني الصحيح.

يُكرَّم من ضحى، ويُرعى المصاب، ويُنصف المهجّر والمعتقل والمتضرر، وتُستعاد الحقوق وفق القانون، ويُحاسب من ارتكب الجرائم. وفي الوقت نفسه، تُبنى دولة يكون فيها الجميع متساوين أمام القانون.

لا توجد مواطنة ثورية ومواطنة غير ثورية، ولا مواطنة من درجة أولى وأخرى من درجة ثانية.

هناك مواطن سوري له حقوق وعليه واجبات.

قد تختلف المواقف السياسية، وتتعدد الأديان والمذاهب والقوميات والمناطق والانتماءات، لكن المواطنة السورية ينبغي أن تبقى الإطار الجامع.

المعيار في تولي الوظيفة العامة هو الكفاءة والخبرة والنزاهة؛ والمعيار في المحاسبة هو الفعل لا الهوية السياسية؛ والمعيار في الحقوق هو المواطنة والقانون؛ والمعيار في جبر الضرر هو حجم الضرر والاستحقاق القانوني، لا القرب من السلطة أو الثورة.

فالدولة التي يُراد بناؤها لا يمكن أن تكون دولة المنتصرين على المهزومين، ولا دولة فصيل على بقية السوريين، بل دولة السوريين جميعاً.

والانتقال الحقيقي من الثورة إلى الدولة يعني أن يصبح القانون أقوى من السلاح، والمؤسسة أقوى من الفصيل، والمواطنة أقوى من الانتماء، والكفاءة أقوى من المحسوبية، والعدالة أقوى من الانتقام.

أما إذا استُبدلت هرمية المواطنة القديمة بهرمية جديدة، واستُبدلت عبارة «من معنا وطني ومن ضدنا خائن» بعبارة أخرى تحمل المعنى نفسه، فلن تكون الدولة قد تغيرت في جوهرها، بل تغيرت أسماء من يمسكون بالسلطة.

الثورة تنجح سياسياً عندما تنتقل من شرعية السلاح إلى شرعية القانون، ومن شرعية الثورة إلى شرعية الدولة، ومن تصنيف السوريين إلى جمعهم تحت مظلة مواطنة واحدة.

وهذه هي المعركة الحقيقية التي يضعها النص أمام سوريا اليوم.

Print Friendly, PDF & Email
حسان نصر فرج

علوم دبلوماسية واستراتيجية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  ظل أوباما يلاحق بايدن.. الفوز بولاية ثالثة!