بزشكيان إلى حكومة وسطية.. لا إصلاحية ولا أصولية؟ 

كثيرون ممن تابعوا الحملة الإنتخابية الرئاسية في إيران، لاحظوا أن شريحة واسعة من التيار الإصلاحي لم تعط بالاً لمسعود بزشكيان ولا تؤيد مواقفه، وثمة شريحة لا يستهان بها من التيارين الأصولي والمعتدل أعطت أصواتها لبزشكيان، بما فيها كتلة ناخبة كانت اقترعت للرئيس الراحل ابراهيم رئيسي، علامَ يدلُ ذلك؟

حين ترشح مسعود بزشكيان للإنتخابات الرئاسية قبل ثلاث سنوات، أسقط مجلس صيانة الدستور تأهيله، وبعد يوم واحد من فوزه بالجولة الإنتخابية الثانية في الخامس من هذا الشهر، أدلى بتصريح قال فيه “إنني أشكر سماحة القائد (الإمام الخامنئي) فلولاه لم أكن أتصور أن يخرج اسمنا بسهولة من الصناديق، ولولا حكمته لم نكن نستطيع أن نصل إلى هذه الفرصة”.

زيادة على ذلك، كان ثمة مشاهد في الحملة الإنتخابية لبزشكيان، من الصعب أن تطويها الذاكرة، فزيارته للرئيس الأسبق محمد خاتمي، وإطلاقه العنان لوزير الخارجية في حكومة حسن روحاني، محمد جواد ظريف، لقيادة حملته الإنتخابية من الصعب بألا تُقرأ سياسياً بأن شيئاً ما يجري في إيران؛ شيءٌ يرتبط بمساعي الخروج من دائرة الإستقطاب الحاد التي عرفتها هذه الجمهورية في العقدين الأخيرين.

في زيارتي الأخيرة لطهران، وكان ذلك قبل حادثة الطائرة الرئاسية التي كتبت خاتمة محزنة لرئيس الجمهورية (إبراهيم رئيسي) ووزير خارجيته اللامع والحيوي حسين أمير عبد اللهيان، استقرت آراء كل من التقوا بمسؤولين إيرانيين على أن اتجاهات الخروج من الإصطفافات التقليدية، على المستويات السياسية والمعيشية، تُشكّل قطب الرحى لحكومة إبراهيم رئيسي، والنقاشات المستفيضة التي كانت جارية آنذاك، كان يتشارك فيها رأس الهرم في السلطة التنفيذية وتنتهي عند قاعدة النظام، فحماية البلاد، على ما قال أحدهم، توجب إزالة أو احتواء مفاعيل الإصطفاف والإستقطاب.

رحل رئيسي قبل أن يتبلور الإتجاه الجديد، ومن يراجع مناخات قبيل وبعيد فوز رئيسي في الإنتخابات الرئاسية، سيتوقف حتماً عند التقديرات المتعددة التي كانت تتحدث عن احتمال تشكيل حكومة إئتلافية ينخرط فيها الإصلاحيون أو بعضٌ ممن هم محسوبون عليهم في حكومة العام 2021.

قد يصح تصنيف بزشكيان بأنه عنوان لمرحلة ما بعد الإستقطاب والتيارات السياسية التقليدية في إيران، وقد يكون مزيجاً وسطياً بين التيارين الرئيسين (حتى يثبت العكس) فغالبية مواقفه تتضمن الدعوة إلى الوقوف في مساحة وسطى

لأسباب متشعبة، لم تخرج تلك الحكومة إلى الضوء، لكنها بقيت في الأذهان والتصورات، وعلى ما يظهر، أن التصور الذي يسبق الفعل، أو الفكرة التي تسبق العمل، باتا حاضرين وبقوة في الترجيحات التي تتحدث عن أولى حكومات بزشكيان.

ما الأسانيد التي تعزز هذا الترجيح؟

في حال جرى استرجاع المواقف التي أشاد فيها بزشكيان بحكمة المقام الأول في نظام الجمهورية الإسلامية وبأن الرئيس المنتخب سيعمل تحت إشرافه، يمكن الإستنتاج بأن بزشكيان سينطلق بمهمته الرئاسية من قناعة تلتزم بالمادة 113 من الدستور الإيراني والتي تنص على الآتي: “يُعتبر رئيس الجمهورية أعلى سلطة رسمية في البلاد بعد مقام القيادة، وهو المسئول عن تنفيذ الدستور”.

وحين تكون القناعة وفق هذه الصيغة فالأمر ينطوي حينذاك على قابلية لتسهيل دمج الرؤى المتقاربة لإدارة البلاد بعيداً عن الإنحيازات السياسية والمقاربات الآحادية من قبل الرئيس المنتخب، وفي متابعة لمواقف بزشكيان تخلص المقارنة إلى القول بأنه ليس تلك الشخصية الإصلاحية الراديكالية، بل إنه من الفضاء الإصلاحي العام، وسيلتزم بمؤسسات النظام وسيعمل تحت سقوفها وضوابطها العامة.

وعلى ذلك، لا يخلو الإستنتاج من الإشارة إلى أن مسعود بزشكيان، ليس من الرموز الإصلاحية البارزة وليس من الفواعل الأساسية، وإنما هو من الشخصيات التي تلي الرموز الأولى وممن ينطبق عليهم القول بأنهم أجروا مراجعات لمسارهم السياسي، كما هي الحال مع شخصيات مماثلة محسوبة على الأصوليين من مثل علي لاريجاني ومحسن قاليباف، فالأخيران مصنّفان في قائمة “محافظون معتدلون”.

وبناء على ذلك، قد يصح تصنيف بزشكيان بأنه عنوان لمرحلة ما بعد الإستقطاب والتيارات السياسية التقليدية في إيران، وقد يكون مزيجاً وسطياً بين التيارين الرئيسين (حتى يثبت العكس) فغالبية مواقفه تتضمن الدعوة إلى الوقوف في مساحة وسطى، ومن أقواله:

-“الطريق صعبٌ أمامنا ولن يكون سالكاً إلا بالتعاون والتعاضد والثقة”.

-“سأعمل على تحقيق الوحدة والإجماع الداخلي لمواجهة التحديات داخلياً وخارجياً”.

-“أدعو إلى تحقيق الوحدة والتلاحم والإنسجام على الصعيد الداخلي، فالصوت الواحد لن يحقق الإنسجام المطلوب ولن يسفر عن مشاركة جميع المواطنين”.

-“أتعهد بتعزيز الحوار والتقارب والوئام الوطني”، كما نقلت عنه وكالة “تسنيم” في السادس من شهر تموز/يوليو الحالي.

إن مجمل تلك المواقف، وما يرافقها من أجواء غير متشنجة في وسائل الإعلام الإيرانية المحسوبة على التيار المحافط، تُعزّز الرؤية القائلة بأن اتجاهاً غير استقطابي سيصوغ المشهد السياسي الإيراني المقبل، وهذا المشهد قد يدفع إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية لا يتشارك فيها رموز معروفون من هذا التيار أو ذاك، وإذا تعذر ذلك، فالحكومة قد تتشكل من أصحاب خبرات وكفاءات عالية، أقل ما يمكن توصيفها بـ”حكومة تكنوقراط” غير مُسيسة أو ينخفض فيها منسوب التسييس إلى حدود دنيا، خصوصاً الوزارات الخدمية والتقنية وما يشبهها.

إقرأ على موقع 180  رئاسة الحكومة اللبنانية.. الحالمون كُثُر والفرص صفرية!

ومثل هذه الرؤية المتحدثة عن حكومة إئتلافية أو معتدلة، لها أصداء واجواء نقاشية في الصحف الإيرانية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

ـ صحيفة “إيران” الحكومية، 6 ـ 7 ـ 2024: “إن مقارنة الأصوات التي حصل عليها سعيد جليلي بالأصوات التي حصل عليها الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي في 2017 و2021 تُظهر أن حضور الأخير ليس محصوراً في تيار، ونتائج استطلاعات الرأي خلال الإنتخابات أظهرت أن جزءاً كبيراً ممن يعتبرون بزشكيان أهلاً للرئاسة هم من مؤيدي الشهيد رئيسي”.

ـ صحيفة “وطن إمروز” المحافظة، 6 ـ 7 ـ 2024: “بالنظر إلى الأصوات التي حازعليها بزشكيان، والتي تتشكل في غالبيتها من أصحاب وجهات النظر المعتدلة والواقعية، من المتوقع أن يتبنّى الرجل نهجاً معتدلاً وواقعياً في تحديد استراتيجياته الداخلية والخارجية، والإبتعاد عن السياسات والإجراءات والأشخاص المتشددين، مع ترجيح بتشكيل حكومة ذات نهج معتدل”.

ـ صحيفة “أرمان ملي” الإصلاحية، 7ـ 7 ـ 2024: “ليس بالضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولكن على التيارات السياسية المختلفة أن تتعاون وتتقارب، وينبغي على بزشكيان أن يختار أشخاصاً كفوئين من خارج الإنحيازات السياسية، وأن يشكل فريقه الوزاري على أساس الجدارة والكفاءة”.

إن مثل هذه الدعوات غير الإصطفافية، ما كانت تعرفها مراحل ما بعد الإنتخابات الرئاسية في إيران منذ عام 1997، وإذا استُثنيت مساعي الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، يمكن القول إنها المرة الأولى منذ عقود يتجه فيها المناخ العام لدى التيارات السياسية في إيران إلى انتاج فريق حكومي لا يختصره اتجاه واحد ولا يلقى معارضة حادة من تيار يكون في العادة خارج دوائر السلطة التنفيذية ومفاصلها.

على الأقل ذاك ما توحي به الأجواء في طهران على الصعيد الداخلي، وما تبقى يتوجب انتظاره، فيما السياسات الخارجية، هي الأكثر وضوحاً في العهد الجديد، ومن عناوينها المستندة إلى خطابات ومواقف بزشكيان، ما يلي:

ـ لا شرق ولا غرب في السياسة الخارجية، وما تقتضيه مصالح الدولة العُليا تكون بوصلة السياسة، ذاك ما اكد عليه بزشكيان.

ـ العلاقات الحسنة مع دول الجوار، هي ثابتة من ثوابت السياسة الخارجية، وتجفيف مصادر التوتر مع دول الخليج العربية، من تلك الثوابت، وكانت خطت خطوات هامة مع الرئيس حسن روحاني، ونضجت مع الرئيس ابراهيم رئيسي، ولا عودة إلى الوراء.

ـ العلاقة مع الولايات المتحدة، ستكون بإشراف السيد الخامنئي، هكذا قال الرئيس بزشكيان.

ـ مساعي إعادة إحياء التفاوض حول البرنامج النووي، لن تتوقف، وهي الأخرى تتشكل عناوينها وفق الرؤية التي تتقاطع حولها مراكز صناعة القرار في إيران، وبالتحديد السيد علي الخامنئي ومجلس الأمن القومي ومجلس تشخيص مصلحة النظام”.

ـ إسرائيل هي خارج الحسابات، وهي مستثناة من دوائر التفكير، كما قال بزشكيان، وأما العلاقة مع المقاومة اللبنانية فهي أساس، وفي رسالة الشكر على تهنئة الأمين العام لحزب السيد حسن نصرالله لبزشكيان، قال الأخير “دعم المقاومة متجذر في السياسات الأساسية للجمهورية الإسلامية، وهذا الدعم سيستمر وبقوة”.

أخيراً؛ تقول قصيدة فارسية:

جمعتُ الورود من كل الحدائق 

غرستُها بتراب الحقول القريبة والبعيدة 

رويتُها ماء من أنهر عدة 

لا عبق يشبه عبق ورودي 

لا حديقة من حدائق الجيران 

أجمل من حديقتي.

هل تكون حكومة بزشكيان كما هي الحديقة التي صوّرها الشاعر في قصيدة؟

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  نعيش سوية ولو على مضض.. "بلطوا البحر"!