“في الوقت الذي حذّر فيه دونالد ترامب، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأيام الأخيرة، من أنه قد «يُفني» إيران، كان عدد متزايد من الجمهوريين يسعى إلى النأي بنفسه عن حرب باهظة الكلفة تحولت إلى أزمة حقيقية للحزب عشية انتخابات منتصف الولاية.
ويكشف هذا التناقض عن اتساع الفجوة بين ترامب ومرشحي حزبه في الدوائر والولايات المتأرجحة مع اقتراب انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. فلا تسوية واضحة تلوح في الأفق، فيما دفعت الحرب أسعار البنزين والديزل وزيت التدفئة إلى الارتفاع، وامتدت تداعياتها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد الأميركي. كما ارتفعت فوائد الرهن العقاري إلى 7%، ما زاد الضغوط على الأميركيين الراغبين في شراء منازل، وهم يواجهون أصلاً عبء التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وبينما يتحدث ترامب عن إمكان تصعيد الحرب إذا أخفق في التوصل إلى اتفاق يراه مناسباً مع إيران، بدأ صبر الجمهوريين الذين يخوضون سباقات انتخابية تنافسية ينفد من استمرار القتال.
فقد دعت النائبة آشلي هينسون، مرشحة الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ في ولاية آيوا، خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة، إلى إنهاء الحرب «فوراً»، وقالت إنها تشعر بـ«إحباط شديد للغاية» بسبب ارتفاع الأسعار. أما مايك روجرز، مرشح الحزب لمجلس الشيوخ في ميشيغان، والذي كان من أوائل المتحمسين للحرب، فأطلق يوم الاثنين الماضي إعلاناً انتخابياً قال فيه بوضوح إن الحرب «يجب أن تنتهي».
وفي نبراسكا، قال برينكر هاردينغ، الجمهوري الذي يحاول الاحتفاظ للحزب بدائرة انتخابية متأرجحة ظلت في قبضته قرابة عقد، إن «علينا إنهاء الحرب في إيران بأسرع ما يمكن». كما قال السناتور جون هوستد، الذي يواجه محاولة السيناتور الديموقراطي السابق شيرود براون للعودة إلى مجلس الشيوخ، للصحافيين يوم الجمعة: «علينا إنهاء الحرب»، وإن كان قد أضاف أن أي تسوية ينبغي أن تأتي وفق شروط «مقبولة».
غير أن جمهوريين آخرين ما زالوا يتعاملون بحذر مع احتمال الاصطدام بترامب، خشية رد فعل قد يؤدي إلى تنفير الناخبين الجمهوريين الذين يحتاجون إليهم في تشرين الثاني/نوفمبر.
وقد جرت مراحل أساسية من الحرب فيما كان ترامب يخوض، خلال موسم الانتخابات التمهيدية، حملة لمعاقبة الجمهوريين الذين اعتبرهم غير موالين له.
وقال كارتر رين، الخبير الاستراتيجي الجمهوري في ولاية كارولاينا الشمالية، إن «كثيراً من الجمهوريين لم يرغبوا في خوض معركة معه خلال الانتخابات التمهيدية، لكن بعد انتهائها بدأ عدد كبير منهم يأخذ مسافة منه». وأضاف أن الحرب أصبحت، بالنسبة إلى الجمهوريين في السباقات الحاسمة، «مشكلة كبيرة».
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في الاقتصاد. فقد ارتفع سعر غالون البنزين على مستوى الولايات المتحدة بنحو 40 سنتاً خلال هذا الشهر، ليصل إلى نحو 4.50 دولارات، بحسب نادي السيارات الأميركي AAA، في ظل استمرار حالة الجمود الخطرة في مضيق هرمز منذ أشهر. وفي الوقت نفسه، تبقى فوائد الرهن العقاري مرتفعة وتتجه إلى مزيد من الصعود، فيما بلغ سعر غالون الديزل نحو 6.50 دولارات، ما يهدد بدفع أسعار المواد الغذائية إلى مزيد من الارتفاع نتيجة زيادة تكاليف النقل. كما تسارع إدارة ترامب إلى احتواء الارتفاع الحاد في عوائد بعض السندات الحكومية.
وقد بدأ قلق الجمهوريين من الحرب منذ أشهر، بعدما تبدد وعد ترامب الأول بأن الحملة العسكرية لن تستمر أكثر من «أربعة إلى خمسة أسابيع»، وتحولت الحرب إلى أشهر من القتال المتقطع، مصحوبة بتزايد الإحباط الشعبي.
ويصر ترامب على أن الانتخابات المقبلة لا تؤثر في قراراته المتعلقة بالحرب، وذهب أحياناً إلى حد القول إنه لا يهتم بانتخابات منتصف الولاية ولا يفكر في الأوضاع المالية للأميركيين.
لكن داخل الحزب الجمهوري يتزايد القلق من تضاؤل فرص حلفاء ترامب في الفوز. كما بدأ الحزب ينظر بقلق إلى تكساس، وهي ولاية لم يفز فيها ديموقراطي بمقعد في مجلس الشيوخ منذ عقود.
وقال جيمس تالاريكو، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في تكساس، خلال مؤتمر صحافي عقده السبت في محطة وقود بمنطقة دالاس: «هذه الحرب في إيران كارثة»، محذراً من أن ارتفاع أسعار الديزل سينعكس على أسعار طيف واسع من السلع. وأضاف: «يجب أن تنتهي».
والمفارقة أن بعض الجمهوريين الذين يُنظر إليهم على أنهم يمتلكون أفضل الفرص لمواجهة البيئة السياسية الصعبة هم الأكثر وضوحاً في انتقاد الحرب.
ويُعد التحول في موقف مايك روجرز في ميشيغان من أبرز الأمثلة. فروجرز، المعروف منذ سنوات بتشدده في قضايا السياسة الخارجية، والذي سبق أن ترأس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، كان من أوائل مؤيدي الحرب. لكنه أقر في إعلانه الانتخابي الجديد، الذي صُوّر داخل متجر للمواد الغذائية، بأن أسعار البقالة أصبحت «مرتفعة أكثر من اللازم». وذهب إلى القول إن إنهاء الحرب سيؤدي سريعاً إلى خفض أسعار الطاقة، وهي وجهة نظر لا يتفق معها الاقتصاديون عموماً.
وفي آيوا، الولاية ذات الميل المحافظ التي تضرر اقتصادها الزراعي بشدة من ارتفاع أسعار الأسمدة والديزل، لم تكن هينسون وحدها في الابتعاد عن موقف الرئيس.
فقد صوّت نائبان جمهوريان في مجلس النواب يخوضان سباقين صعبين، هما زاك نَن وماريانيت ميلر-ميكس، هذا الشهر لمصلحة إنهاء الحرب أو اشتراط الحصول على تفويض صريح من الكونغرس لاستمرارها. وانضم إليهما خمسة جمهوريين آخرين، بينهم نائبان يخوضان سباقات تنافسية، هما براين فيتزباتريك من بنسلفانيا وتوم باريت من ميشيغان.
ومع ذلك، واصل الجمهوريون بأغلبية كبيرة التصويت لمصلحة دعم الحرب، رغم استطلاعات تشير إلى أن أقل من ثلث الناخبين المرجح مشاركتهم في انتخابات منتصف الولاية يرون أن ترامب اتخذ القرار الصحيح عندما ذهب إلى الحرب. وبعد أيام من ذلك التصويت، أعلنت هينسون، وهي عضوة في مجلس النواب، معارضتها للصراع.
وفشل إجراء مماثل في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، على الرغم من دعم السناتورة الجمهورية سوزان كولينز من ولاية مين له. وكولينز، التي تنتمي إلى الجناح الوسطي داخل الحزب، تعارض الحرب منذ فترة طويلة، وهي تسعى إلى الفوز بولاية سادسة في ولاية تميل إلى الديموقراطيين، في وقت تظهر استطلاعات الرأي أنها تخوض سباقاً شديد التقارب مع المرشح الديموقراطي تروي جاكسون.
في المقابل، يحاول عدد كبير من الجمهوريين تجنب الحديث عن الحرب أساساً، على أمل تجاوز الرياح الاقتصادية المعاكسة والتركيز بدلاً منها على ما يصفونه بـ«الأمور الإيجابية» التي أنجزوها لناخبيهم، بحسب الخبير الاستراتيجي الجمهوري مات ريكس.
لكن ريكس يشكك في جدوى كلا الخيارين: تجاهل الحرب بحذر أو مهاجمتها بصورة علنية وحادة، وقال: “عاصفة هائلة تتجه نحو الجمهوريين، وستكون قاسية عليهم من جميع الجهات».
