كان هالفورد ماكندر من أبرز من تعاملوا مع الجغرافيا بوصفها عنصراً من عناصر فهم الجيوسياسة. فالموقع، ليس مجرد عنوان للدولة، وإنما عامل يحدد قدرتها على الحركة والتأثير وموقعها من حركة القوى الأخرى. الجغرافيا، بهذا المعنى، ليست المسرح الذي تجري فوقه السياسة فحسب، بل تدخل في تكوين السياسة نفسها.
لكن نيكولاس سبايكمان دفع هذا المنطق في اتجاه أكثر اتصالاً بالشرق الأوسط، حين ركز على أهمية الحزام المحيط بالكتلة الأوراسية، أو ما عُرف بـ«الريملاند» (Rimland). ففي هذه الحافة الواسعة تتجاور اليابسة والبحار، وتتقاطع القوى البرية والبحرية، وتتركز السواحل والممرات والمضائق ومناطق التماس. وهنا لا تعود قيمة الموقع مرتبطة بمساحته أو بعدد سكانه أو حتى بقوة الدولة القائمة عليه وحدها، وإنما أيضاً بالوظيفة التي يؤديها داخل منظومة أوسع: قد يكون عقدة تتقاطع عندها الاتجاهات، أو بوابة تمر عبرها الحركة، أو ممراً يصل بين مجالين.
من هذه الزاوية يكتسب الشرق الأوسط معنى يتجاوز حدود دوله. فهو يقع في منطقة شديدة الحساسية من الحافة الأوراسية، حيث يلتقي المتوسط بالبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج، وتتقاطع الأناضول مع المشرق والجزيرة العربية ووادي النيل. لذلك قد يمنح الموقع دولة ضعيفة وظيفة استراتيجية كبيرة، مثلما قد تجعل عقدة جغرافية صغيرة ما يحدث فيها مؤثراً في فضاء يتجاوزها بمراحل.
ولعل المؤرخ المصري جمال حمدان قارب المسألة من زاوية «شخصية المكان». فالدولة لا تعيش فوق الجغرافيا فقط، وإنما تتشكل علاقتها بمحيطها من خلالها. وإذا كان ماكندر قد أعاد الموقع إلى معادلة القوة، وسبايكمان قد أبرز أهمية الحواف والممرات، فإن جمال حمدان يضيف بعداً آخر: للمكان شخصية ووظيفة، وليس مجرد إحداثيات على الخريطة.
إذا جمعنا بين هذه النظرات الثلاث يمكن طرح سؤال مختلف عن الأسئلة المعتادة. فبدلاً من أن نسأل: ماذا يحدث في سوريا واليمن والعراق ولبنان؟ يمكن أن نسأل: أين تقع هذه الدول داخل البناء الجيوسياسي للمنطقة؟ وما الوظيفة التي يؤديها كل موقع فيه؟
الفرق بين السؤالين كبير. الأول يفتح ملفات منفصلة، أما الثاني فيرسم خريطة علاقات. الأول يبحث عن الأزمة داخل حدود الدولة، والثاني يسأل عن موقعها داخل توازن أكبر يتجاوز حدودها. ومن هنا يمكن طرح تصور مختلف للجغرافيا السياسية للمنطقة؛ تصورٌ يشبّهها ببناء إنشائي تكون فيه الشام سقفه السياسي، واليمن إحدى قواعد ارتكازه الجيوسياسية.
لنتخيل هذا البناء على الخريطة. بلاد الشام، بموقعها ليست مجرد مجموعة دول متجاورة، بل عقدة جغرافية تتقاطع عندها اتجاهات متعددة. فهي تطل على البحر المتوسط، وتتصل بعمق العراق، وتقع بمحاذاة الأناضول والجزيرة العربية ومصر، كما تحتضن فلسطين، إحدى أكثر نقاط الصراع الإقليمي كثافة واستمراراً.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الشام بوصفها إحدى عقد “الريملاند” العربية: ساحة تلتقي فيها اتجاهات آتية من البر والبحر، ومن الشمال والجنوب والشرق والغرب. ليست أهميتها ناتجة فقط من مواردها أو قدرات دولها، وإنما من كونها تقع في مكان يصعب على القوى المحيطة تجاهله.
ولهذا يصعب وضع «الملف اللبناني» في درج منفصل. فموقع لبنان واتصاله بسوريا وفلسطين وشرق المتوسط يجعلان ما يحدث داخله قابلاً للتأثر بتوازنات أوسع منه والتأثير فيها. الأمر نفسه ينطبق على سوريا، الواقعة عند تقاطع حسابات عربية وتركية وإيرانية وإسرائيلية ودولية. أما فلسطين فهي المثال الأكثر وضوحاً على قصور منطق الملفات، لأن موقعها وتاريخ الصراع عليها جعلا ما يحدث فيها يتجاوز، منذ البداية، حدودها نفسها.
إذن، الشام ليست مجموعة ملفات متجاورة، بل عقدة تتجمع عندها خطوط كثيرة من البناء الإقليمي. وهذا هو المقصود بوصفها «السقف»: ليس تعبيراً عن أسبقيتها على بقية المنطقة، ولا عن كونها أقوى منها، وإنما عن كونها مساحة تظهر عندها ضغوط متعددة آتية من أجزاء مختلفة من البناء.
وإذا انتقلنا جنوباً، تتغير الوظيفة الجغرافية. ننتقل من عقدة برية ـ بحرية ـ سياسية في المشرق إلى بوابة بحرية استراتيجية عند طرف الجزيرة العربية.
هنا يظهر اليمن.
يقع اليمن بمحاذاة باب المندب، إحدى نقاط الاختناق التي تصل المحيط الهندي وبحر العرب بالبحر الأحمر، ومنه عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط. ولذلك يستطيع ما يحدث على الأرض اليمنية، في ظروف معينة، أن ينتقل أثره من نزاع محلي إلى مشكلة في التجارة والطاقة والملاحة والأمن الإقليمي والدولي.
وإذا كانت الشام تمثل قوة العقدة، فإن اليمن يمثل قوة البوابة؛ وهنا تظهر إحدى أهم قواعد التفكير الجيوسياسي: قد تضعف الدولة، لكن الجغرافيا لا تضعف. وقد تتفكك السلطة السياسية، بينما تبقى قيمة الموقع أو الممر، بل قد تزداد أهميته بسبب الفراغ الذي يخلقه ضعف الدولة. تستطيع الدولة اليمنية أن تمر بمراحل قوة وضعف، وأن تتغير السلطة التي تديرها والتحالفات داخلها، لكن باب المندب يبقى في مكانه، وتبقى السفن مضطرة إلى المرور عبره للانتقال بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
لذلك لا يمثل اليمن هامشاً جنوبياً للعالم العربي، بل يقع عند إحدى بواباته الكبرى. فباب المندب جزء من منظومة بحرية تمتد من المحيط الهندي وخليج عدن إلى البحر الأحمر والسويس والبحر المتوسط. ومن هنا يمكن فهم وصف اليمن بأنه «قاعدة» في البناء الجيوسياسي للمنطقة: ليس بمعنى أنه يحمل الشرق الأوسط كله، وإنما لأن موقعه يقع عند إحدى نقاط الارتكاز التي يتوقف عليها اتصال أجزاء من هذا البناء بالعالم الخارجي.
وهذا ما يجعل العلاقة بين الشام واليمن أكثر من مجرد مقارنة بين منطقتين متباعدتين. فهما يمثلان وظيفتين مختلفتين داخل المجال الجيوسياسي نفسه: عقدة وبوابة.
وهنا تصبح فكرة السقف والقاعدة أكثر وضوحاً. فالشام سقف سياسي تتجمع عنده تناقضات متعددة في الإقليم، واليمن قاعدة جغرافية عند نقطة ارتكاز تصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ومن خلال السويس بالبحر المتوسط. وبينهما العراق والجزيرة العربية ومصر والخليج، وبجوارهما الأناضول والقرن الأفريقي، لا بوصفها مجرد ممرات بين السقف والقاعدة، وإنما أجزاء قائمة بذاتها، لكل منها وظيفته ومصالحه ومصادر قوته.
في الخلاصة، لا يمكن بناء توازن إقليمي مستقر بصيغة “الملفات”، كما لو كانت منفصلة عن وظائفها الجغرافية، فالجغرافيا لا تعرف الأدراج، والممرات لا تتوقف عند الحدود، والبحار لا تعترف بتقسيمات المكاتب. والأزمة التي تبدأ محلية قد تصبح إقليمية عندما تقع عند عقدة، وقد تصبح دولية عندما تقع عند بوابة أو ممر.
الشرق الأوسط ليس خزانة ملفات. إنه بناء تتجاور فيه مواقع مختلفة الوظائف، وتتصل داخله المصالح والممرات وموازين الأمن. جدرانه تفصل بين دوله في الأعلى، لكن أساساته تتصل في العمق.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
