من الشاه إلى «لبنان هو روحنا»: كيف تغيّرت علاقة إيران بلبنان؟

ليست الإشكالية اللبنانية ـ الإيرانية الراهنة وليدة الحرب الأخيرة وحدها، ولا هي مجرد خلاف حول سلاح حزب الله أو حدود الدور الإيراني في لبنان. إنها حصيلة مسار تاريخي طويل انتقلت فيه العلاقة بين بيروت وطهران من علاقة رسمية هادئة ومحدودة التأثير إلى علاقة مركبة أصبح فيها لبنان (ولا سيما مقاومته)، جزءاً من تصوّر إيراني أوسع للأمن القومي.

من هنا تبرز الإشكالية الأساسية: كيف تحولت العلاقة اللبنانية ـ الإيرانية من دبلوماسية تقليدية بين دولتين بعد الاستقلال اللبناني عام 1943 إلى علاقة مصيرية بلغ الخطاب الإيراني فيها حدّ القول إن “لبنان هو روحنا” على حد تعبير الأمين الأعلى لمجلس الأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر؟ وهل تستطيع الحكومة اللبنانية المضي في مسار سلبي تجاه الجمهورية الإسلامية اليوم، أو حصر العلاقة ضمن الإطار الرسمي، في ظل التطورات الحاصلة في المنطقة، التي لم تؤدِّ إلى انكفاء إيران عن الساحة اللبنانية بقدر ما أعادت صياغة حضورها بأشكال جديدة وأكثر تأثيراً، ما يجعل أي محاولة للقطع بين المكوّن الشيعي اللبناني وإيران تصطدم بواقع متجذر وبتحولات بنيوية أحدثتها الجمهورية الإسلامية في الواقع الشيعي واللبناني منذ الثورة الخمينية عام 1979؟

زمن الشاه: ساحة نفوذ محدودة

لم تكن إيران لاعباً مركزياً في لبنان في السنوات الأولى بعد الاستقلال في منتصف أربعينيات القرن الماضي. كانت العلاقة بين البلدين أقرب إلى علاقة دبلوماسية عادية ضمن نظام إقليمي يتشكل بين النفوذ الغربي والصعود الناصري والقضية الفلسطينية.

وفي الخمسينيات، ولا سيما في عهد الرئيس كميل شمعون، وجد لبنان وإيران الشاهنشاهية نفسيهما أقرب إلى المعسكر الغربي وأكثر تحفظاً تجاه الناصرية والراديكالية العربية والفصائل الفلسطينية. لكن هذه العلاقة الهادئة لم تكن خالية من الحسابات. فإيران الشاه (محمد رضا بهلوي) لم تتعامل مع لبنان بوصفه دولة صديقة فحسب، بل كساحة يمكن استخدامها في مواجهة خصومها الإقليميين والأيديولوجيين، حيث دعمت قوى وشخصيات لبنانية مناهضة للناصرية والفلسطينيين، ما يجعل استخدام الساحة اللبنانية واقعاً سبق انتصار الجمهورية الإسلامية، وإن كان محكوماً آنذاك بلغة أمنية محافظة لا بلغة عقائدية ثورية.

الثورة الإسلامية: تبدل المعنى

جاء عام 1979 ليغيّر معنى العلاقة لا شكلها فقط. فإيران الإسلامية لم ترَ لبنان مجرد دولة عربية صغيرة على شاطىء البحر المتوسط، بل موقعاً مثالياً لتجسيد مشروعها الإقليمي: مجتمع شيعي واسع ومهمّش، وحدود مفتوحة مع إسرائيل، ودولة ضعيفة، وحرب أهلية تسمح بإعادة تشكيل الولاءات والقوى.

وجاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ليشكّل البداية العملية للتعبير عن هذه العلاقة المستجدة، التي تجلت بدخول الحرس الثوري إلى البقاع وبداية فصل جديد في العلاقة الإيرانية ـ اللبنانية. فلم تعد طهران تتعامل مع لبنان من بوابة السفارات فحسب، بل عبر مسارين متوازيين ومتكاملين: الدولة الرسمية من جهة، والمجتمع الشيعي والمقاومة الناشئة من جهة أخرى.

هنا وقع التحول العميق. انتقلت العلاقة من دبلوماسية رسمية إلى علاقة متعددة الطبقات. في الأعلى سفارات واتفاقيات وتصريحات رسمية، وفي العمق نشوء حزب الله بوصفه التعبير الأبرز عن اللقاء بين تجربة الشيعة اللبنانيين مع الحرمان والاحتلال، وبين خطاب الثورة الإسلامية عن المستضعفين والمقاومة والشهادة ومواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

بذلك، لم تخترع إيران الشعور الشيعي بالحرمان، لكنها منحته لغة عقائدية وتنظيماً عسكرياً وامتداداً إقليمياً.

من العلاقة الرسمية إلى الأمن القومي الإيراني

سجّلت حكومة الرئيس نواف سلام عام 2025 نقاطاً غير مسبوقة في العلاقات الرسمية الإيرانية ـ اللبنانية. فعلى الرغم من المناخ الإيجابي الذي رافق تشكيل الحكومة ومنحها الثقة من جانب المكوّن الشيعي ومشاركته فيها، ومنع إسقاطها خلال التصويت الشهير على الموازنة في البرلمان اللبناني، فإن الحكومة أصدرت مجموعة من القرارات نقلت العلاقة الرسمية من طور الاحتواء إلى طور المواجهة العلنية، ليس مع الجمهورية الإسلامية فحسب، وإنما أيضاً مع المكوّن الشيعي الذي رأى في هذه الخطوات استهدافاً لموقعه السياسي وخياراته الاستراتيجية.

وشملت هذه الإجراءات منع الطيران الإيراني، واستدعاء السفير الإيراني، وسحب اعتماد السفير المعيّن، وإسقاط معادلة “المقاومة المسلحة” من الخطاب الرسمي، والدفع باتجاه حصرية السلاح ثم تجريمه، والانتقال إلى التفاوض المباشر تحت النار، والسعي إلى فصل الملف التفاوضي اللبناني عن المسار التفاوضي الإقليمي، برغم افتقاد الحكومة اللبنانية إلى أوراق قوة كافية لفرض وقف إطلاق النار أو ضمان الانسحاب الإسرائيلي وعودة كتلة النازحين المليونية.

إعادة تثبيت القرار الإيراني!

تكمن المفارقة الكبرى في أن محاولات واشنطن وحلفائها، ومعهم جزء من السلطة اللبنانية، فصل الشيعة اللبنانيين ومقاومتهم عن إيران انتهت إلى نتيجة معاكسة جزئياً. فقد أعاد الإصرار الإيراني على ربط لبنان بالتفاهمات الإقليمية طهران لاعباً مقرراً في الملف اللبناني. أما القرارات اللبنانية المتسرعة تجاه إيران والمقاومة، فلم تنجح في إخراج إيران من لبنان، بل كشفت حدود قدرة الدولة على إدارة ملف بهذا الحجم من دون تسوية داخلية وإقليمية متزامنة.

تكمن المعضلة اللبنانية اليوم في أن النقاش الدائر حول إيران لا يدور بين من يؤيد العلاقة معها ومن يعارضها فحسب، بل بين قراءتين مختلفتين لطبيعة هذه العلاقة نفسها. فهل ما زالت إيران بالنسبة إلى لبنان دولة إقليمية مؤثرة يمكن التعامل معها وفق قواعد الدبلوماسية التقليدية؟ أم أنها أصبحت، بحكم أربعة عقود من التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية، جزءاً من التوازنات الداخلية اللبنانية ومن معادلة القوة الخاصة بالمكوّن الشيعي؟

إقرأ على موقع 180  the Unforgivable.. العزف بأصابع "قاتلة"

وهل يمكن فعلاً فصل المسار اللبناني عن المسارات الإقليمية فيما تُصرّ طهران على النظر إلى لبنان باعتباره جزءاً من منظومة ردع أوسع تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط؟ أم أن أي محاولة من هذا النوع ستصطدم بوقائع تراكمت خلال عقود، ولم تعد مرتبطة فقط بحزب الله أو بسلاحه، بل بشبكة واسعة من الاعتبارات السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية؟

في المقابل، هل تستطيع إيران المحافظة على هذا الموقع داخل لبنان من دون أن يؤدي ذلك إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإثارة مخاوف شرائح واسعة من اللبنانيين؟ وهل يمكن تحويل العلاقة الإيرانية ـ اللبنانية إلى علاقة أكثر استقراراً وأقل تصادمية، أم أن بقاءها ضمن منطق المحاور الإقليمية سيجعلها عرضة للاهتزاز مع كل أزمة جديدة في المنطقة؟

ربما لا تكمن أهمية هذه الأسئلة في الأجوبة الجاهزة التي يمكن تقديمها اليوم، بل في أنها تكشف طبيعة المرحلة التي دخلها لبنان بعد الحرب الأخيرة. فالقضية لم تعد تقتصر على مستقبل سلاح حزب الله أو على حدود الدور الإيراني، بل باتت تتصل بالسؤال الأعمق: كيف يمكن إعادة بناء الدولة اللبنانية في ظل واقع داخلي وإقليمي تشكّل خلال عقود، وأصبحت إيران أحد عناصره الأساسية، سواء اتفق اللبنانيون على ذلك أم اختلفوا حوله؟

وثمة نقطة لافتة للانتباه في هذا السياق أن التغول الإسرائيلي في لبنان منذ وضع اتفاق 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 موضع التنفيذ حتى يومنا هذا، والذي ترجم احتلالاً وتجريفاً وقتلاً وتدميراً وتهجيراً، بغطاء أميركي كامل، والاصرار على استمرار الحرب وحرية الحركة، كلُّ ذلك أدى إلى المزيد من إضعاف دور الدولة اللبنانية وبالتالي أعاد لبنان بشكل كبير الى دائرة القرار الايراني، بدليل قدرة طهران على محاولة فرض وقف نار جدي، وربما تحاول أن تفرض جدول الإنسحاب الإسرائيلي خلال مفاوضات الستين يوماً بينها وبين الولايات المتحدة، بينما تعاملت واشنطن وتل أبيب مع الوفدين السياسي والعسكري اللبنانيين في واشنطن بلا مبالاة مكشوفة.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  روسيا والطاقة في الشرق الأوسط: تعزيز الأمن القومي!