مِساحة الفقر ازدادت اتساعاً في لبنان، وربَّما ستزدادُ قريباً مساحةُ الفقر المدقع[3 دولارات للفرد أي نحو 12 أو 15 دولاراً في اليوم لأسرة من 4 أو 5 أفراد أي على الأقل نصف قيمة السلة الغذائية للضرورات من دون نقل وطبابة وتعليم وذلك بحسب معايير الأمم المتحدة]. وبرغم التغييبِ المتعمَّدِ للإحصاءات الدقيقة وفقاً لما تتّبعه السلطة- كي لا تعترف بمسؤوليتها- فإنَّ الصورة أمسَتْ واضحة عبر مراكز الدراسات غير الحكومية، وعددٍ من المنظَّمات الدولية. كلُّها تتقاطع عند نِسَبٍ مخيفة: البطالة بين القوى المنتجة اقتربت من حدود 47%، أما في الفئاتِ العُمرية بين 20 و34 سنة فقد بلغت نسبة البطالة نحو 64%. الهجرة من القوى المنتجة المتخصِّصة هي في ارتفاعٍ مطَّرد. القدرة الشرائية تراجعت بصورةٍ دراماتيكية، بسبب التضخُّم والغلاء وفوائد الديون، وعدم التناسب بين الأجور والسلَّة الغذائية وباقي التكاليف التكميلية[لا الكمالية].
كلُّ ذلك يمثِّلُ مؤشراتٍ قاطعةً على مراكمة عناصر الانفجار الاجتماعي. كثيرون يسألون: أين هي السلطة من كلِّ ذلك؟ وماذا تنتظر؟ لِمَ هي غائبة؟ هذه الأسئلة تقعُ في خطأ مَنهجي لا تَسترُهُ براءةُ السؤال عند الناس. السلطة في الحقيقة ليست غائبة بل هي شريكٌ فعليٌ، ومسبِّبٌ أساسيٌ في هذه الأزمة الخطيرة. القول إنها غائبة أو عاجزة فيه إعفاءٌ مشبوه لهذه السلطة من المسؤوليَّة. أمَّا الصحيح فهو أنَّ السلطة لا تريدُ أيَّ مُعالجةٍ حقيقية، وهي تتحرَّك تبعاً لمصالح الطبقة المالية – الأوليغارشية – الطائفيَّة التي تمثّلها. وخطورة هذه الطبقة أنَّها لفيفٌ برجوازي – طفيلي من كلِّ الطوائف ضد رغيف اللبنانيين من كل الطوائف أيضاً. وهي مستعدَّة لبيع الوطن والناس تحت مسمَّيات عديدة، من تشجيع الاستثمار الرأسمالي السَمْسَراوي الكومبرادوري إلى نصائح البنك الدولي وإلى صندوق النقد الدولي…إلخ. وفوق هذا تتسلَّح بالطائفيَّةِ كي تحوّلَ الصراع من صراع اجتماعي – وطني إلى صراعٍ هويَّاتي يسقط منه المعنى الاجتماعي والاقتصادي. ولعلَّ هذا السقوط هو أخطر ما يشهدُه لبنان حاليَّاً إذ إنَّه يهدِّد في وقتٍ واحد معيشة اللبناني ومصير وحدة لبنان وبقائه.
أمام هذه الحالة تصبح السلطة مُدانة بشدَّةٍ، كونها فعلت غير ما قالت. هي التي وضعت نفسها في هذه الخانة السوداء، فالكذب السياسي عمره قصير مثل أي كذب آخر.عندما جاءت حكومة العهد الجديد رفعت شعاراتٍ كثيرة وكبيرة: التمسك بالاستقلال والسيادة وإطلاق ورشة الإصلاح ومحاربة الفساد وتحديث الإدارة. لم يَرَ اللبنانيون حتى هذه اللحظة تطبيقَ شيءٍ من كلِّ ذلك. الاستقلال والسيادة استمرَّا في السقوط بسبب الارتهان الكامل لواشنطن، وقد بلَغَا القَعْرَةَ الوخيمة في ما سمِّي “اتفاق الإطار”. أمَّا الإصلاح ومحاربة الفساد فهما كلامٌ بكلام ٍإذْ لا مشروعَ واضحاً في الأفق. ولا إجراءات تجعل المواطن والمراقب يأملان بتحقيق هذا الشعار. لقد جعلت الحكومة من “حصر السلاح” قضيتها الأولى، وخضعت للفكر الانتظاري بناء على طلب الولايات المتحدة. وأجَّلت كلَّ شيء ريثما – بحسَبِ خِطابها – تنفِّذ “إسرائيل” الاتفاق الخديعة، بذريعة أنَّ أي إجراء يحتاج إلى السلام والاستقرار[بلغ الأمر بأحد النواب المتحمِّسين لـ”اتفاق الإطار” أنْ يقول إنَّ أموال المودعين مرهونة بقبول التطبيع والسلام مع “إسرائيل”].
تبقى جرأة طانيوس شاهين مثالاً يُحْتذى، في صياغة مواجهة الأزمة المعيشية التي ستفاقم الأزمة الوطنية. ويجب أنْ تظلّ تجربته في الذاكرة العامَّة، كي لا يذهب لبنان(وفقاً لإنذار توم براك) إلى نظام متصرفية جديد يعيش شعبه الجوع ويتحكَّم فيه داود باشا ثانٍ أميركي أو إسرائيلي هذه المرة
ذرائع السلطة واهية واقعيَّاً، وغير متزنة منطقياً. ولو لم تكن طبيعتها الطبقية قائمة على المزاوجة بين الاستغلال الداخلي والاستسلام الخارجي لكانت السلطة قدَّمت برنامجاً للإصلاح ومكافحة الفساد. ولكانت باشرت بخطوات عملية كي تخفف عن الناس عبء الأزمة المعيشية التي تزدادُ تدهوراً وخنقاً. وكي تتعاملَ مع الجنوب اللبناني تعاملاً وطنيَّاً انطلاقاً من حوارٍ داخلي يتخلَّى عن النظرة السلبية إلى مبدأ المقاومة.
الأزمتان الوطنية والمعيشية تتداخلان بعمق. إنَّهما مرتبطتان جدليَّاً. وتحتاجان إلى إستراتيجية متكاملة للتعامل معهما، لكنَّ السلطة مستنكفةٌ عمْداً، كي تقول لنا إنَّها مُصرَّةٌ على أنَّها لا تريد. وطبقتْ ذلك عندما تبنَّتْ مؤخَّراً موازنة يقوم سبعون في المئة من إيراداتها على الضرائب، كأنَّها تحضِّرُ هي عينُها للانفجار لعلَّ ذلك يُلهي الناس عن عوراتها السياسيَّة. ربَّما لم يقرأوا ما خطَّهُ ابن خلدون في الكتاب الثالث من مقدِّمته عندما تحدَّث عن دولة الجباية فقال إنَّ زيادة الجباية “ليست دليل قوة بل دليل ضعفٍ وهرَم وانحطاط”.
المنطق الخلدوني يؤكِّدُ أنَّ الانفجارَ الاجتماعيَّ في لبنان آتٍ لا محالة. لا نخاف منه بل نخاف عليه. الطائفيَّة هي الغول الذي يهدِّدُ أيَّ إمكانية لاتحاد اللبنانيين حول رغيفهم. عسى ألَّا تكون التوقعاتُ صحيحة، غير أنَّ الواضح- للأسف الشديد– أنَّ الانفجار الاجتماعي عند حصوله لن يكون هَبَّةً معيشيةً واحدةً، بل سيكون احتجاجاتٍ موضِعية متفرِّقة تعبِّر عن غضبٍ لا عن مشروع. وسَرعان ما تستفيد السلطة وحلفاؤها الطبقيّون الكومبرادوريون من رفع شعار التخويف بالصراع الهويَّاتي – الطائفي، وبالحرب “الأهلية”، كي تبتلع الغضب الشعبي وتعود إلى أسلوب الوعود العرقوبية.
عندما يكون الرغيف والوطن أمام خطرٍ ماحق، وعندما يكون لبنان بين نارين: المصير المعيشي والمصير الوطني،علينا أنَّ نفكِّر بالإنقاذ من أجل البقاء، لا بالهُويَّات الطائفية، والتحيُزات المناطقية التي لا تحمي وطناً أو رغيفاً. لبنان يحتاج إلى جبهة إنقاذٍ قبل فوات الأوان. لا بأس أن نقتدي بجرأة طانيوس شاهين الذي قاد ثورة ضد الاستغلال في منتصف القرن التاسع عشر، وأنشأ جمهورية الفلاحين في كسروان [1859م]، ورفع أهدافاً اجتماعية وطنية تجاوزت منطقته المارونية. ولولا التدخل التركي – الأوروبي، والتحالف الإقطاعي الدرزي – الماروني لكانت ثورته قد نجحت وأسست لبنان على غير لبنان الذي نعرفه اليوم بتعقيداته الطائفية المريرة.
