فيروس كورونا.. ليس تقريراً مرعباً
a doctor measures the temperature with an infrared thermometer 2019-nCoV. China pathogen respiratory coronavirus Dangerous chinese nCoV coronavirus. Vector illustration

"دقت ساعة الهلع"، هكذا ينهي الزميل رياض قبيسي تقريره عن فيروس كورونا المستجد (ncov-2019) على قناة "الجديد" اللبنانية، وهو من توليف علي خليفة، وبحث زياد يونس مذيلا بصورة رجل مشوه الوجه!

يعرض رياض قبيسي في تقريره التلفزيوني (مدته 7.28 دقيقة) معلومات علمية عن فيروسات واوبئة اجتاحت وهددت البشرية منذ مئات السنين، مع موسيقى ونبرة صوتية تتناغم مع مشاعر الهلع والخوف. ينتقل قبيسي من مشهد الى آخر، من الماضي والحاضر، مع معلومات عن عدد الوفيات والضحايا، ونسبة وانتشار العدوى وغيرها. يتعامل قبيسي، في تقريره، عن الفيروس كأنه معلومات اخبارية، يمكن جمعها، وارفاقها ببعض الصور، في مزيج بين الماضي والحاضر وبموسيقى ونبرة صوتية تذكرنا بالتقارير الاستقصائية عن ملفات الفساد، وعرضها على انها معلومات مفيدة وغنية وتثقيفية عن عالم الفيروسات الذي سوف يقضي علينا.

غير ان الزميل قبيسي لم ينتبه، ان مقارنة الأوبئة والأمراض لا تكون بعدد وفيات ونسبة انتشار، بل هي ابعد من ذلك. لكل وباء خصائصه وزمنه ومنحاه وبياناته وبيئته وظروفه وآلياته واستراتيجياته. ويعتبر مفهوم الفيروس، ومفهوم الوباء بشكل أوسع، علميا واجتماعيا، أكثر تعقيدا من أرقام الوفيات ونسبة الانتشار، وصور الجثث، اذ يحاكي عميقا وجودنا، وانسانيتنا.

أما المقارنة بين هذه الأمراض، بهذا الشكل ومن دون الأخذ في الاعتبار دقة المقارنة وابعادها، والتوليف بين صور الماضي من اشلاء وجثث وصور الحاضر، كما أن الانتقال بين هذه الصور وبهذه الوتيرة في تقرير “الجديد”، من دون ان يكون هناك فاصل واضح وشرح واف بين ما عاشته الانسانية في الماضي وبين واقع فيروس كورونا، اليوم، قد يثير مشاعر الرعب، ويؤذي مخيلة المشاهد، ويصور له انه سيموت، كما قضى الآخرون في جائحات واوبئة كانت لها خصائصها وفي ظلّ ظروف انسانية وبيئية وعالمية أخرى. لذلك، لن نسقط ارضا بسبب فيروس كورونا. لن تصبح وجوهنا مشوهة بسبب كورونا، وان كانت الشوارع فارغة وان إلتزم الناس البقاء في منازلهم، فليس لان ساعة الهلع قد دقت، بل لان مواجهة هذا الوباء تستوجب هكذا شروط وقائية.

معالجة الأخبار والقضايا المتعلقة بفيروس كورونا، في هذه الفترة، أكثر حساسية ودقة من قضايا إعلامية أخرى يمكن للصحافي أن “يتفنن” بها، اذ انها تحاكي مباشرة أجسادنا وارواحنا وعلاقتنا الوجودية، فلا داعي لتقارير تشبه أفلام الرعب وتَسمعنا دقات ساعة الهلع

لا اعرف ان كان قبيسي قد فكّر في مادته التقريرية بآلاف الأشخاص، وخاصة كبار السن والأشخاص الأكثر عرضة، وهم يجلسون في منازلهم قلقين وخائفين، حين سيشاهدون هذا التقرير الذي يقول لهم، وبطريقة غير مباشرة، قد تموتون في هذه الطريقة، فلقد دقت ساعة الهلع، الله أكبر. لا اعرف ان كان قبيسي قد فكر بأثر التقرير على المتلقي، الذي يعيش اليوم، في ظل انتشار فيروس كورونا، في العالم أجمع، قلقا حقيقيا وتغيرات حقيقية في علاقته مع جسده، ومع وجوده، ومع نظرته للآخر، ومع مفهومه للفيروسات والجراثيم، والبيئة المحيطة، ونظرته للحياة والموت وغيرها.

يطرح الخطاب الاعلامي في ظل انتشار فيروس كورونا، اليوم، تساؤلات عديدة. وبدأت، اليوم، المؤسسات البحثية في بلدان أوروبية بتمويل المشاريع المتعلقة بالمادة الاعلامية التي تتناول فيروس كورونا واثرها على المتلقي والمجتمع، وارتباطها بالاستجابة الفردية والاجتماعية. لم يعد التقرير الاعلامي (ولم يكن يوما) معلومات وان كانت دقيقة، وموسيقى ونبرة صوتية، دون الأخذ في الاعتبار السياق والمفهوم والرسائل المضمنة، والمتلقي. ولم يعد الصحافي، ذلك الشخص الذي يعرف الكثير عن الكثير، ويمكن له ان يتناول قضايا البيئة والسياسة والفساد والرياضة وحتى العلوم بطريقة مماثلة، فلكل مادة خبرية او صحفية خصائصها ودراساتها وآليات معالجتها. أما في الصحافة العلمية، فتؤكد الدراسات البحثية، ان الاعلام لا ينقل معلومة فحسب بل يشارك في صناعة المفاهيم والمعرفة وعلاقة الشخص بها (فعلى سبيل المثال، أجريت الكثير من الأبحاث العلمية عن كيفية صناعة الاعلام مفاهيم عدة مثل صورة الدماغ، ومفهموم البيئة، والذرة والخطر النووي في عقول الأشخاص ومخيلتهم، وكيف أثّر ذلك ليس فقط بالمتلقي بل بالعلماء وتجاربهم وابحاثهم العلمية أيضا).

ليس على أي صحافي ان يكون باحثا اجتماعيا في علم اجتماع العلوم لكي يتناول مادة علمية، وليس عليه ان “يخترع الذرة”، وليس شرطا ان يكون صحافيا متخصصا، وليس مسؤولا عن وجود ندرة في الصحافة العلمية المتخصصة في بلادنا العربية، وعن وجود نقص في الوعي العلمي العام، بل من المهم، في هذه الظروف الدقيقة التي يعيشها المجتمع المنهك والقلق، ان يلحظ الخطاب الاعلامي ان المعلومة عموماً والمعلومة العلمية خصوصاً، تخاطب سياقا وفردا وخيالا، ومشاعر، وقلقا وجوديا، وان معالجة الأخبار والقضايا المتعلقة بفيروس كورونا، في هذه الفترة، أكثر حساسية ودقة من قضايا إعلامية أخرى يمكن للصحافي أن “يتفنن” بها، اذ انها تحاكي مباشرة أجسادنا وارواحنا وعلاقتنا الوجودية، فلا داعي لتقارير تشبه أفلام الرعب وتَسمعنا دقات ساعة الهلع، فالساعة لم تدق، بل هناك الكثير من الساعات الجميلة التي تنتظرنا وسوف تدق على وقع موسيقى لطيفة كـ “ساعات.. ساعات”.

كائن مجهري متناهي الصغر أقوى من الحروبلقد دقت ساعة الهلع توليف: علي خليفةبحث: زياد يونس

Posted by Riad Kobaissi on Friday, March 13, 2020

ملاك مكي

طالبة دكتوراه بالصحافة في جامعة باريس ديكارت

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free