رئيس حكومة لبنان في النبطية.. سؤال الحماية والضمانات

لم تكن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى مدينة النبطية مجرد محطة في أجندة رسمية، بل كانت مواجهة حية بين خطاب "استعادة الدولة" ومرارة الواقع الذي يعيشه الجنوبيون، منذ ثلاث سنوات. المدينة التي تحمل جراح الحرب وتلملم آثار الدمار في أسواقها وأحيائها، لا تطلب عاطفة سياسية أو بيانات إنشائية، بل تسأل عن قدرة السلطة السياسية على تحويل حضورها المعنوي إلى أمان حقيقي وحقوق قابلة للتطبيق.
تأتي أهمية الزيارة، وهي الثالثة من نوعها إلى الجنوب، خلال سنة ونيف، من محاولتها الخروج من أسر التقارير والأرقام إلى معايشة المأساة الميدانية؛ حيث تابع رئيس الحكومة إعادة تشغيل بعض المرافق الإدارية والأمنية، ووضع حجر الأساس لمبنى الدفاع المدني، وأعلن عن إطلاق مناقصات خدمية. وهي خطوة عملية نحو ضخ الحياة في شرايين المؤسسات؛ فالمواطن الجنوبي بأمسّ الحاجة إلى إدارة تنجز معاملاته، ومستشفى يقدم العلاج، وجهاز إنقاذ يستجيب للمحن، وقضاء يصون الحقوق. هكذا فقط تترجم الدولة وجودها من مفهوم سياسي مجرد إلى علاقة يومية قائمة على الخدمة والمواطنة.
غير أن الطرح السياسي الذي رافق الزيارة- والقائم على ربط الانسحاب الكامل لبناء “دولة قادرة بجيش واحد وقرار واحد”- يصطدم بإشكاليات جوهرية تتعدى النوايا الحسنة. فحين تتحدث الدولة عن وحدانية القرار وضرورة بسط سلطتها، ينشأ سؤال حاد حول أدوات الحماية والضمانات المتاحة.
وهنا تتجلى ثغرة كبرى في المشهد؛ إذ أثبتت التجربة الميدانية أن “اتفاق الإطار” والتفاهمات الدبلوماسية المقترنة به قد فشلت فشلاً ذريعاً في تأمين الحد الأدنى من الحماية أو الضمانات الحقيقية لسكان الجنوب. فالاتفاقات المجبولة بالنوايا والورق الـمُنمّق لم تمنع استمرار القصف، ولم تحمِ البيوت والمدارس والمستشفيات من التدمير، ولم تضمن للأهالي عودة آمنة لاستغلال أراضيهم. ومع غياب أي قوة رادعة أو آلية إلزامية ضمن ذلك الاتفاق، يمتلئ المواطن بالشك المشروع: كيف تُطالب الدولة باحتكار القرار السيادي بينما تفتقر أدواتها الرسمية والاتفاقات المعقودة باسمها إلى أي قدرة على حماية المشرّدين أو منع تكرار استهداف ما يُعاد بناؤه؟
إن إعادة بناء الثقة بين الحكومة والجنوبيين لا تتحقق بالمجاملات، بل بالاعتراف الصريح بحجم الخسائر، والتعامل مع الإعمار والتعويض باعتبارهما حقيقين وطنيين لا يخضعان للمحاصصة السياسية أو الابتزاز بالولاء. وهنا يبرز خطران أساسيان ينبغي الحذر منهما:
أولاً؛ الاقتصار على البُعد الأمني: إن استقرار المجتمعات لا يقوم على الثكنات والمقرات الأمنية وحدها، بل يحتاج بالتوازي إلى الماء، والكهرباء، والطبابة، وسبل العيش الكريم. الدولة التي تطلب من المواطن الالتزام بالقانون مطالبة بأداء دورها الاجتماعي بالإصرار نفسه.
ثانياً؛ التوظيف في السجال الداخلي: تحويل زيارة الحكومة إلى مناسبة لتسجيل النقاط بين الفرقاء السياسيين يضر بالنبطية وبصورة الدولة معاً. فمعاناة الناس ليست مادة للمزايدات، ونجاح أي جهد رسمي يجب أن يُقاس بما يتغير في حياة المتضررين لا في خطابات السياسيين.
أما على مستوى التمويل والرقابة، فإن إقرار رئيس الحكومة بحدود الإمكانات الرسمية والحاجة إلى دعم خارجي هو اعتراف شجاع، لكنه يستوجب أعلى درجات الشفافية. ينبغي للإدارة الرسمية أن تعلن بوضوح عن الأموال المتاحة فعلياً، وتلك التي لا تزال رهن التفاوض، وأن تُنشئ مرجعية موحدة لتنسيق الإعمار تتيح للمواطنين المتابعة والاعتراض وضمان عدالة التوزيع.
تظل زيارة النبطية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن قيمتها النهائية ستظل معلقة بمدى قدرة الحكومة على التجسير بين الوعود والنتائج. الاختبار الحقيقي لن يكون بالحافلات الرسمية ولا بأحجار الأساس ولا بزيارات الفجر الخاطفة، بل باليوم الذي يستطيع فيه ابن الجنوب أن يُرمّم بيته، ويعود إلى أرضه، وهو مطمئن إلى أن هناك دولة قادرة على حمايته، لا دولة تتركه مكشوفاً أمام اتفاقات إطار لا تجلب أماناً ولا تمنع عدواناً.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  سفير طلال سلمان.. تحدٍ واستجابة للتحدي
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  سالم الفلاحات لـ180 بوست: اختلفنا كأردنيين على أزمة سوريا.. فليُوحّدنا لبنان اليوم