هل تعكس الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء اللبناني في 2 آذار/مارس 2026 محاولة جدّية لإعادة الإمساك بقرار الدولة في لحظة انزلاق أمني خطير، أم أنها استجابة اضطرارية لاحتواء تداعيات تصعيد فُرض على الداخل اللبناني من خارج آلياته الدستورية؟
هل تعكس الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء اللبناني في 2 آذار/مارس 2026 محاولة جدّية لإعادة الإمساك بقرار الدولة في لحظة انزلاق أمني خطير، أم أنها استجابة اضطرارية لاحتواء تداعيات تصعيد فُرض على الداخل اللبناني من خارج آلياته الدستورية؟
ما هي الأجواء التي رافقت القرار الفرنسي–اللبناني المشترك بتأجيل المؤتمر الدولي المخصص لدعم القوات المسلحة اللبنانية، من جيش وقوى أمن داخلي، والذي كان من المقرر أن تستضيفه باريس في الخامس من آذار/مارس الحالي إلى شهر نيسان/أبريل المقبل؟
في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، استهدفت إسرائيل مقرّ حركة حماس في الدوحة، مدّعيةً أنها لا تستهدف قطر بل قيادات الحركة. هذا السيناريو هو نفسه الذي تسوّقه دوليًا وإقليميًا في لبنان، لكن الفارق كان في إدارة الردّ. آنذاك، لم تكتفِ القيادة القطرية ببيانات الاستنكار والإدانة، بل عملت منذ اللحظة الأولى على تكثيف حملاتها عبر مسارات متعددة: سياسية، ودبلوماسية، وإعلامية.
في مقال سابق، كتبتُ أن السلطة التنفيذية التي يقودها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، على قدر ما تمنحه الشرعية، يمكن أن تتحوّل إلى أداة لإسقاطه إن لم يُحسن تحصين نفسه. كانت "هزّة العصا" الأولى لنواف سلام، أو "التوريطة الثانية" إذا صحّ التعبير، في تحريك ملف العسكر المتقاعدين ورواتب موظفي القطاع العام، بعد "التوريطة الأولى"، وهي تعيين غراسيا القزي. وعلى الرغم من أحقية هذه المطالب، إلا أن لا شيء يحدث في السياسة بالصدفة، لا سيّما في التوقيت
لم تكن الذكرى الواحدة والعشرون لاغتيال الرئيس رفيق الحريري كسابقاتها في الأعوام الستة الماضية، ولو أن المشهد كان نفسه لجهة الحشود الشعبية قرب الضريح في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، والرئيس السابق سعد الحريري مع أفراد العائلة يقرأون الفاتحة والدمعة في عينيه، والهتافات التي رافقت المشهد كموسيقى تصويرية («بالدم بالروح نفديك يا شيخ سعد»)، وأعلام تيار المستقبل الزرقاء هي نفسها ترفرف تحت رذاذ المطر، ولكن المتغير الوحيد هو خطاب الحريري نفسه.
في لبنان، لم تكن الزعامة يومًا خيارًا سياسيًا، بل ضرورة لملء ضعف الدولة أو انهيارها. فلقد ارتكز النظام السياسي اللبناني طويلًا على مفهوم "الزعامة" التقليدية التي قادتها عائلات ما كان يُعرف بـ"الأعيان"، قبل أن يُستبدل بها نمط جديد من الزعماء، غداة نيل لبنان استقلاله في أربعينيات القرن الماضي.
يومان ماراثونيان بامتياز، جال فيهما رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في عددٍ من القرى والبلدات الجنوبية الحدودية، الجولة كانت مطلباً مزمناً لنواب المنطقة وفعالياتها وأبنائها، وتجاوب واعداً بتلبيتها، مفضّلاً أن "لا يذهب ويداه فارغتان"، وإلا فما معنى الزيارة؟ وماذا يقول للناس؟ كما نُقل عنه، فهل ذهب بيدين ممتلئتين؟ وبماذا؟ يومان، تنشّقت الدولة خلالهما هواءً محرراً، وآخر محتلاً، وآخر ما بينَ بين، عاينت بعضَ دمارٍ في بعضها، ووقفت على ركامٍ كبيرٍ في كثيرٍ منها، وسارت بين آثارٍ دارسةٍ لبيوت شتى، وكذا أهلها الذين كانوا هنا يوماً ما.
ليس السؤال اليوم ما إذا كانت الدولة اللبنانية تريد حصر السلاح، بل السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع تحويل هذا الالتزام المعلن إلى مسار سياسي قابل للحياة، في ظل توازنات داخلية معطَّلة، واعتداءات إسرائيلية مستمرة، وضغط دولي متصاعد؟
ليس صدفة أن تأتي تصريحات سفير لبنان الأسبق في واشنطن، سيمون كرم، مندوب لبنان المدني في "لجنة الميكانيزم"، وبيان السفارة الأميركية في بيروت لجهة تفعيل عمل اللجنة المذكورة، وتحديد أربعة مواعيد لها حتى شهر أيار/مايو المقبل، في يوم واحد، في أعقاب اجتماع سفيري الولايات المتحدة في بيروت وتل أبيب، ميشال عيسى ومايك هاكابي، في عمّان، على وقع قرع طبول الحرب على إيران.. ولبنان.
تواجه الدولة اللبنانية اليوم استحقاقًا تاريخيًّا يتجاوز ترف الوقت؛ حيث تبرز معضلة التوفيق بين إتمام أخطر مهمة في تاريخ لبنان المعاصر، وهي وقف الاعتداءات وحصر السلاح بيد الدولة، وبين هشاشة الغطاء التنفيذي الداخلي. لذا، يضعنا النهج الحالي لرئيس الحكومة، نواف سلام، كما العهد بشكل عام، أمام تساؤل بنيوي حول قدرة الفاعل السياسي «المستقلّ» على المناورة داخل نظام محكوم بإكراهات المحاصصة؟