٥٣ عامًا تمر الآن على هذا اليوم العظيم في السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام ١٩٧٣.
وكنت أعتقد أن الأجيال التي وُلدت بعد هذه الحرب، ولم تعاصر سنوات الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، لن تكون واعية ومدركة لحجم ما عانيناه.
كنت أعتقد أن غالبية المصريين تحت سن الخمسين لم يعودوا يعرفون خطورة السرطان المسمّى بالكيان الصهيوني، وأنهم صاروا مدمنين فقط على وسائل التواصل الاجتماعي التي غسلت أدمغتهم، وربما بدأوا ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها واحة التكنولوجيا والديمقراطية في صحراء الاستبداد العربية.
لكن على أرض الواقع، فقد اكتشفت أن المصريين ملأوا غالبية وسائل التواصل الاجتماعي بنصر أكتوبر وتفاصيله وصوره، وفخر المصريون بجيشهم وبلدهم.
غالبية حسابات المصريين لم تتحدث خلال الأيام الأخيرة إلا عن حرب أكتوبر.
امتلأت هذه المنصات بالأغاني الوطنية الصادقة الكثيرة، ومنها مجموعة الأغاني التي غناها عبدالحليم حافظ، مثل: «عاش اللي قال للرجال عدّي القناة»، كلمات محمد حمزة وألحان المبدع والعبقري بليغ حمدي، و«صباح الخير يا سينا» للأبنودي وكمال الطويل.
و«يا مصر يا بلادي» مع المجموعة وعبدالرحيم منصور وبليغ، و«لفّي البلاد يا صبية» لمحسن الخياط ومحمد الموجي، و«بسم الله.. الله أكبر» للمجموعة وعبدالرحيم منصور وبليغ حمدي، و«رايحين شايلين في إيدنا سلاح» للمجموعة ونبيلة قنديل وعلي إسماعيل، و«أم البطل» لشريفة فاضل ونبيلة قنديل وعلي إسماعيل، و«عبرنا الهزيمة يا مصر يا عظيمة» لشادية ومنصور وبليغ، و«سمّينا وعدّينا» لشهرزاد وعلية الجعار وعبدالعظيم محمد، و«النجمة مالت» لنفس المجموعة، و«حلوة بلادي» لوردة ومنصور وبليغ، و«يا حبيبتي يا مصر» لشادية ومحمد حمزة وبليغ.
ومن الواضح أن هذه الأغاني لعبت دورًا مهمًا في صناعة وبناء وترسيخ الوعي الوطني والقومي.
واللافت للنظر أنها ما تزال تؤدي الدور نفسه والتأثير نفسه، رغم تغير كل شيء، من طبيعة المجتمع إلى وسائل الإعلام، والمؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مهمًا في هذا المجال.
إضافة إلى الأغاني، وجدت غالبية الحسابات المصرية تتداول صورًا لأسماء وقادة حرب أكتوبر العظام، مصحوبة بمناصبهم وقتها، وفي مقدمتهم بالطبع الراحلون محمد أنور السادات، وأحمد إسماعيل علي، وسعد الشاذلي، ومحمد عبدالغني الجمسي، وحسني مبارك، وأحمد بدوي، وعبدالمنعم واصل، ومحمد سعيد الماحي، وفؤاد نصار، وعبدالمنعم خليل. كما اهتمت تحديدًا باللواء باقي زكي يوسف، صاحب فكرة تحطيم خط بارليف بخراطيم المياه.
حسابات المصريين نشرت صورًا كثيرة للأسرى الإسرائيليين، وهم يجلسون وأيديهم مغلولة، أو وهم يغادرون مرتدين البيجامات الكستور من مصانع المحلة الكبرى، والتعليق يقول: «المصريون فقط هم من فعلوا ذلك بالإسرائيليين».
احتفى المصريون بالرئيس السادات، سواء في خطاباته أثناء المعركة أو بعدها، وكذلك بدهائه وطريقة نطقه وقفشاته، وكذلك بالنكات التي ألّفها المصريون عن ردوده على قادة الكيان الإسرائيلي، خصوصًا جولدا مائير وموشيه ديان.
واحتفى البعض بالدور البطولي الكبير للجيش والمصريين عمومًا خلال حرب الاستنزاف، التي بدأت بعد أيام قليلة من هزيمة يونيو ١٩٦٧، واستمرت حتى مبادرة روجرز في صيف ١٩٧٠، وكان لها دور كبير في التمهيد للانتصار.
الأهم من كل ما سبق هو أن الأجيال الجديدة بدأت تدرك أهمية أن يكون لدينا جيش قوي ومستعد لمواجهة أي عدوان، في ظل محاولات البلطجة الإسرائيلية والأمريكية على المنطقة، أو التهديدات التي يمكن أن تطال الممرات البحرية وتؤثر في قناة السويس، أو تهديد حقوق مصر العادلة في مياه النيل.
الخبر السيئ لإسرائيل أن شباب المصريين الذين وُلدوا بعد التوقيع على معاهدات السلام في عام ١٩٧٩، ولم يشهدوا أي حرب، لم ينسوا إطلاقًا أن عدوهم الوجودي هو إسرائيل، والسبب توحش وبلطجة هذا الكيان ضد الأشقاء في فلسطين ولبنان وسوريا.
الخبر السعيد أن المصريين، ورغم كل ما يواجهونه من صعوبات معيشية ومن تحديات خارجية، لم يفقدوا فطرتهم السليمة، بحيث يفرّقون بين العدو والصديق.
نعم، هناك أعداء فرعيون كثيرون يتغيرون حسب الظروف، لكن العدو الوجودي واحد، واسمه إسرائيل.
تحية من القلب لكل أبطال حرب أكتوبر.. وإلى الجيش المصري الذي حارب، وقبل ذلك وبعده إلى هذا الشعب العظيم الذي تحمّل ما لم يتحمّله أحد حتى حقق هذا الانتصار التاريخي.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
