“عقيدة ترامب”: حرب القوة على القانون الدولي

يقف النظام القانوني الدولي اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخه المؤسسي؛ وهي لحظة مفصلية تُخيّر المجتمع الدولي بين الانكفاء نحو بنية أمنية آناركية تحكمها منطقيات "الأمر الواقع" وموازين القوة المجردة، أو التمسك بشرعية "مجتمع القانون" القائم على مبدأ المسؤولية الدولية والمحاسبة القضائية الناجزة.

لجوء الإدارة الأميركية إلى فرض عقوبات أحادية استثنائية ضد القضاة والمدعين العامين في المحكمة الجنائية الدولية لا يمكن اختزاله في إطار منازعة إجرائية حول “حدود الاختصاص القضائي” (Jurisdictional Overreach)، بل هو انقضاض مباشر على المعمار القانوني والأخلاقي الذي تراكم عبر قرون من الفكر الإنساني والاجتهاد الفقهي الصارم.

أولاً: العقوبات الأحادية

شهد المسار القضائي الدولي تحولاً خطيراً بصدور الأمر التنفيذي الأميركي في فبراير/شباط 2025، والقاضي بتجميد الأصول وفرض قيود السفر على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، وهو المسار الذي بلغ ذروته بالتوسع الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2026 ليمس العصب التشغيلي لجمعية الدول الأطراف، عبر آليات التضييق التي ينفذها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC).

من الناحية الفقهية، يظل من حق الدول الدفع بعدم الاختصاص الإقليمي أو الشخصي وفق المادتين (12) و(19) من نظام روما الأساسي. بيد أن ثمة فارقاً منهجياً وجوهرياً بين ممارسة الدفع القانوني السليم أمام هيئات المحكمة، وبين استخدام الإكراه المالي والإداري لتجفيف منابع التمويل، وتعطيل برامج حماية الشهود، وشل البنية التقنية للمؤسسة القضائية. إن هذا السلوك ينقل النزاع مباشرة من مظلة “المرافعة القانونية” إلى مربع “الإكراه السياسي المباشر”.

ثانياً: التفكيك الفقهي للمغالطات

لضبط السجال القانوني الدولي، يجب التمييز الدقيق بين التخوم القضائية لكل من محكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الجنائية الدولية (ICC). فبينما تختص الأولى بنزاعات المسؤولية الدولية بين الدول ذات السيادة، يتركز اختصاص الثانية حصراً على المسؤولية الجنائية الفردية (Individual Criminal Responsibility) عن الجرائم الأشد خطورة.

وتستند المحكمة الجنائية في إعمال ولايتها إلى أصول قانونية صريحة:

-نطاق الاختصاص الإقليمي (المادة 12): لا يشترط النظام الأساسي مصادقة دولة جنسية المشتبه فيه لتمارِس المحكمة ولايتها، بل يكتفي بوقوع الجريمة على إقليم دولة طرف أو دولة قبلت الاختصاص. وهو ما يمنح المحكمة الأحقية القانونية الصلبة في الحالة الفلسطينية عقب رد الطعون القضائية وإصدار مذكرتي التوقيف في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

-ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة: لا تعني مذكرات التوقيف إدانة مسبقة؛ إذ يضمن النظام الأساسي حقوق الدفاع وقرينة البراءة. وتكمن الخطورة القانونية للعقوبات في أنها تعطل سريان هذه المساطر القضائية وتصادر حق المتهم والضحية في محاكمة عادلة ومستقلة.

التمايز المعياري بين أركان الجرائم: يقتضي إثبات جريمة الإبادة الجماعية متطلباً إثباتياً معقداً يتمثل في “القصد الخاص” (Dolus Specialis) لإهلاك المجموعة، في حين تتأسس الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب على عناصر معيارية وركن معنوي مختلفين. وعليه، فإن عدم ثبوت أركان الإبادة لا ينفي التكييف القانوني للفظائع الأخرى بصفتها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

ثالثاً: تطور مفهوم العدالة

لم تكن المحكمة الجنائية الدولية وليدة لحظة سياسية طارئة، بل تتويجاً لسطور طويلة من الفقه القانوني والفلسفي:

  1. تأطير استخدام القوة (1625): وضع هوغو غروتيوس في كتابه (De Jure Belli ac Pacis) اللبنات الأولى لإخضاع اللجوء إلى القوة لضوابط القانون العرفي والأخلاق.
  2. التأسيس للسلام الدائم (1795): طرح إيمانويل كانط مرتكزه الفلسفي لخروج المجتمع الدولي من “حالة الطبيعة” النيابية إلى بنية قانونية مؤسسية.
  3. المبادرة المؤسسية (1872): قدم غوستاف موانييه أول مشروع لإنشاء هيئة قضائية دولية لمعاقبة انتهاكات اتفاقية جنيف.
  4. تفريد العقاب (1945): أسست محاكمات نورمبرغ لمبدأ قاطع مفاده أن الصفة الرسمية أو الحصانة السيادية لا تحصّن مرتكبي الجرائم الدولية من المساءلة.
  5. المأسسة الدائمة (1998): اكتمل هذا المسار بتبني نظام روما الأساسي وإنشاء أول قضاء جنائي دولي دائم.

رابعاً: التحول المفهومي

قام المعمار التشريعي للعدالة الدولية على إسهامات حقوقية صاغها فقهاء ينتمون لمدارس الجيل الأول للقانون الدولي:

صياغة مفهوم الإبادة (Genocide): نجح رافائيل ليمكين عام 1944 في تأصيل المفهوم الشامل للإبادة الجماعية، وهو ما أثمر تبني اتفاقية عام 1948.

تأطير الجرائم ضد الإنسانية: كرّس هيرش لاوترباخت الجرائم ضد الإنسانية كقاعدة آمرة (Jus Cogens) تجعل الفرد الموضوع الأساسي للحماية القانونية الدولية.

ترسيخ قوة القانون: عمل بنيامين فيرنتز على التحول المفهومي من “قانون القوة” إلى “قوة القانون” كركيزة للاستقرار العالمي.

إن جوهر هذا التراث الفقهي يؤكد أن المساءلة الجنائية فردية بطبيعتها وتأبي العقاب الجماعي، كما أن الانتقائية في تطبيق معايير السلوك الدولي تسقط المشروعية الأخلاقية والقانونية عن النظام الدولي برحمته.

خامساً: المأسسة التنفيذية

تؤكد الأدبيات السياسية والفلسفية المعاصرة أن المبادئ القانونية تظل قواعد إرشادية ما لم تدعمها مؤسسات ذات سيادة وتنفيذية:

  1. حنة أرندت: بينت في أطروحتها حول “تفاهة الشر” كيف تتشكل الجريمة المنظمة داخل البيروقراطيات الحكومية، مشددة على أن “الحق في امتلاك الحقوق” يقتضي وجود إطار مؤسسي يضمن التداعي والتقاضي.
  2. إيمانويل ليفيناس وهانس يوناس: طوّرا مفهوم “المسؤولية عن الآخر” والتزام الدول الأخلاقي الناشئ عن تزايد القدرات التدميرية للتكنولوجيا العسكرية.
  3. يورغن هابرماس: دعا إلى “دسترة القانون الدولي” عبر نقل سلطة المحاسبة من مراكز النفوذ الأحادي إلى مؤسسات قضاء دولية متعدّدة الأطراف.
إقرأ على موقع 180  مسلحو الشمال السوري: استثمار تركي للسقوط المدوي

سادساً: العقيدة الترامبية

لا تقتصر الحملة على القضاء الدولي على مجرد مواجهة قضائية، بل تعكس تحولاً بنيوياً أرسته “العقيدة الترامبية” بنقل السياسة الدولية من منظومة إدارة النظام الدولي (Global Governance) إلى نمط “الصفقات النفعية الناجزة” (Transactionalism). يحل هذا المنطق المعاملاتي محل الدبلوماسية المتعددة الأطراف، ويختزل مفهوم السيادة في سياسات الإملاء ومواقف النفوذ المشروط.

وتتجلى مظاهر هذا التجريف المنهجي في ثلاث ساحات رئيسية:

ساحة المؤسسات الدولية: تبرز آليات التجريف القانوني والسياسي من خلال شل أجهزة الأمم المتحدة، فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، وتهميش القرارات الدولية الصادرة بإجماع دولي، مما يؤدي إلى تحويل مؤسسات الحماية الجماعية إلى كيانات مفرغة من القدرة التنفيذية.

ساحة المجال الجغرافي والحدود: تتجسد آليات التجريف عبر التعامل مع سيادة الدول (مثل فلسطين، لبنان، سوريا، والعراق) كخرائط مرنة وقابلة لإعادة التشكيل والإملاء، وهو ما أسفر عن الإجهاز على مقررات “وستفاليا” واستبدال سيادة الحدود بـ “المعابر الأمنية النفعية”.

ساحة إدارة الأزمات الإقليمية: تظهر آليات التجريف في اعتماد سياسة الضغوط القصوى والضربات المباشرة (كالنموذج الإيراني) خارج أطر ميثاق الأمم المتحدة، مما ينعكس على تقويض مبدأ عدم التدخل وتغليب منطق القوة القسرية على التسويات الدبلوماسية.

إن تقويض سيادة الدول بالتوازي مع حصار المؤسسات القضائية لا يفضي إلى حل النزاعات الإقليمية، بل يحول جغرافيا الشرق الأوسط والعالم إلى مسار مفتوح من صراعات النفوذ المستمرة.

سابعاً: حماية استقلالية العدالة الدولية

لمواجهة ظاهرة تسييس العدالة الدولية وتكريس الانتقائية، يتطلب واقع الحال تبني برنامج عمل إستراتيجي يتضمن المبادئ التالية:

  1. تأمين الاستقلال المالي والتشغيلي: إنشاء صندوق مالي دولي متعدد الأطراف لتأمين موازنة المحكمة الجنائية الدولية، وتنويع القنوات المصرفية والتقنية لتفادي التأثيرات الناجمة عن العقوبات الأحادية.
  2. تفعيل القضاء التكاملي (Complementary Jurisdiction): تطوير البنى القضائية الوطنية لتشكل خط الدفاع الأول في التحقيق والمحاسبة قبل اللجوء للمحاكم الدولية.
  3. تحصين الأدلة: إرساء بروتوكولات توثيق رقمية وجنائية معتمدة لحفظ الأدلة وضمان سلامة الإجراءات القضائية من الضغوط السياسية.
  4. ربط الشراكات السياسية بالالتزام القضائي: إدراج بند الالتزام بمذكرات التوقيف والقرارات القضائية الدولية كشرط أساسي في المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف.

خاتمة

إن عولمة القانون لا تقاس بالقدرة على إعماله ضد الأطراف الضعيفة في النظام الدولي، بل تتجلى قيمتها في خضوع القوى العظمى وحلفائها للضوابط القانونية ذاتها. إن تجريد القضاء الدولي من أدواته المادية والإدارية يشكل انتكاسة نحو “حالة الطبيعة” حيث تصنع القوةُ الحقَ؛ بينما تتأسس الشرعية الدولية الحقيقية حين تخضع القوة لحكم القانون، ويجد الضحايا ملاذاً قضائياً موثوقاً بغض النظر عن النفوذ السياسي أو العسكري للجناة.

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  لماذا خفض المصرف المركزي المصري سعر الفائدة مجدداً؟