من إيران إلى لبنان، ومن غزة إلى اليمن ومضيق هرمز وباب المندب، تتقاطع الجبهات ضمن مشهد واحد، حتى بات من الصعب قراءة أي تطور بمعزل عن التطورات الأخرى.
في الجبهة الإيرانية، يبرز التراجع في حدة الخطاب الأميركي تجاه طهران، بالتوازي مع الحديث عن مسار لإنهاء الحرب واستبعاد الخيار العسكري في المرحلة الراهنة. وفي المقابل، تستمر الضغوط الأميركية من خلال الحصار البحري، فيما تبقى المفاوضات غير المباشرة مفتوحة، من دون أن يعني ذلك أن الطريق إلى التسوية أصبح ممهدًا.
المهم هنا أن واشنطن تبدو أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد اتخاذ قرار بالتصعيد أو التهدئة. فالحرب التي يمكن البدء بها عسكريًا ليست بالضرورة حربًا يمكن التحكم بمسارها أو بنتائجها. وكلما اتسعت الجبهات، ارتفعت الكلفة، وأصبح السؤال عن القدرة على تحمل الحرب جزءًا من القرار نفسه.
وهذا ما يظهر أيضًا في اليمن. فاستمرار العمليات ضد مواقع مرتبطة بالقوات الموالية للسعودية، إلى جانب استهداف مواقع أميركية وإسقاط طائرة مسيّرة أميركية، يعني أن مساحة الضغط لم تعد محصورة في الساحة الإيرانية المباشرة.
أما مضيق هرمز، فقد أصبح عنصرًا أساسيًا في الحسابات الاقتصادية والسياسية، مع انعكاس التوتر حوله على أسواق الخليج وحركة الملاحة والاقتصاد العالمي.
وهنا تظهر طبيعة الحرب الحديثة في المنطقة: ليست المعركة فقط بين جيشين على أرض محددة، بل بين منظومات قادرة على فتح أكثر من مسار للضغط، وإبقاء الخصم أمام كلفة متواصلة لا تنتهي عند حدود الجبهة الأولى.
في لبنان، تتخذ هذه المعادلة شكلًا أكثر حساسية.
تلة علي الطاهر في منطقة النبطية تحوّلت إلى عنوان بارز في المواجهة جنوبًا. موقعها لم يعد مجرد تفصيل جغرافي، بعدما أصبحت محورًا للقصف ومحاولات التقدم، وبرزت حولها رواية إسرائيلية تحاول تقديمها باعتبارها إحدى النقاط الأساسية في المعركة القائمة.
لكن قيمة تلة علي الطاهر لا تكمن فقط في موقعها، بل في السؤال الذي تطرحه: هل تستطيع إسرائيل فرض واقع ميداني جديد في الجنوب، أم أن الميدان سيبقى قادرًا على تعطيل هذا الهدف؟
في تلة علي الطاهر، لا يقتصر الاختبار على طبيعة المواجهة الميدانية، بل يتصل مباشرة بمفهوم السيادة اللبنانية. فرفض أي ترتيبات من شأنها تسهيل تقدم الجيش الإسرائيلي أو تحويل وجوده العسكري إلى أمر واقع، يضع القرار اللبناني أمام اختبار حقيقي: هل تبقى الأرض اللبنانية خارج شروط القوة المحتلة، أم تصبح جزءًا من ترتيبات تفرضها موازين الميدان؟
فالسيادة لا تُقاس بالشعارات والبيانات السياسية، وإنما في لحظة الاختبار.. وأي ترتيب أمني في الجنوب يفترض أن يبدأ من حماية الأرض اللبنانية ومنع الاحتلال من تحويل وجوده العسكري إلى أمر واقع، لا من تسهيل حركته أو تأمين شروط تقدمه.
وهنا يصبح السؤال اللبناني أكثر وضوحًا: هل المطلوب حماية الجنوب، أم إعادة تعريف وظيفة الجنوب بما يخدم شروط الاحتلال؟
الأرض اللبنانية ليست مساحة تفاوضية مفتوحة أمام من يملك القوة العسكرية، والسيادة لا يمكن أن تكون موضوعًا للتجزئة بحسب ميزان الضغط.
وفي غزة، كما في غيرها من ساحات المواجهة، تكشف الوقائع أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة القدرة على تثبيت نتائج سياسية دائمة. وهذه النقطة تجعل قراءة المشهد الإقليمي مرتبطة بمفهوم أوسع من مجرد الربح والخسارة الميدانية.
فالقوة العسكرية تستطيع فتح المعركة، لكنها لا تضمن وحدها نهايتها، إذ ثمة حدود لقدرة أي محارب، بدليل ما بلغته الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. اما القدرة على القصف والتدمير والتجريف وارتكاب المجازر، فلا تعني تلقائيًا القدرة على فرض تسوية سياسية. فالنتيجة النهائية تبدأ بالتشكل من اللحظة التي يصبح فيها الخصم قادرًا على منع تحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي.
من هنا يمكن فهم الضغوط الأميركية لإنهاء القتال في أكثر من جبهة، كما يمكن فهم استمرار التصعيد في جبهات أخرى. فكل طرف يحاول الوصول إلى طاولة التفاوض وهو يحمل في يده أكبر قدر ممكن من الأوراق، ويعرف أن ما يحدث على الأرض اليوم سيحدد شروط التفاوض غدًا.
لهذا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: هل تتجه المنطقة إلى وقف للحرب أم إلى جولة جديدة من التصعيد أم نكون أمام ستاتيكو اللاحرب واللاتسوية؟ ولعل السؤال الأعمق هو: من يملك القدرة على فرض قواعد المرحلة المقبلة؟
في هذه المعادلة، لا تبدو تلة علي الطاهر مجرد نقطة على خارطة الجنوب اللبناني. إنها واحدة من نقاط اختبار القدرة على فرض الوقائع، كما أنها اختبار لمعنى القرار اللبناني المستقل في مواجهة الضغوط الخارجية.
فإذا استطاعت إسرائيل تثبيت واقع جديد بالقوة، فإنها تكون قد حقّقت أكثر من مكسب ميداني. وإذا فشلت في ذلك، فإن استمرار الضغط عليها يصبح بحد ذاته رسالة إلى كل من يراهن على أن التفوق العسكري يكفي لإعادة رسم الخرائط.
وتبقى هذه المعادلة مفتوحة على تطورات الميدان، إذ لا يمكن حسم النتائج قبل اتضاح حدود القدرة على الصمود ومنع تحويل القوة إلى وقائع دائمة. وفي هذا السياق، تصبح تلة علي الطاهر أكثر من مجرد موقع عسكري، بل مرآة لاختبار التوازنات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة في الجنوب والمنطقة بأكملها.
