شكّل سقوط نظام بشار الأسد نقطة تحوّل سياسية وتاريخية، لكن التغيير السياسي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي لإحداث تحوّل اقتصادي واجتماعي ملموس. فالمواطن الذي انتظر طويلًا تحسّن ظروف حياته يريد نتائج حقيقية، لا وعودًا وتصريحات ومشاريع لا تنعكس على معيشته اليومية. هنا يبرز السؤال: كيف يمكن لسوريا الانتقال من التغيير السياسي إلى التعافي الاقتصادي، وتحويل الأمل إلى فرص عمل ودخل مستقر وحياة أكثر كرامة؟
***
يثير استمرار الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق الحكومي، ومدى انسجام بعض المظاهر الرسمية والاحتفالات والمواكب والسيارات الفارهة مع حجم المعاناة التي يعيشها السوريون.
فالأولوية بالنسبة إلى المواطن هي توفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وضبط تكاليف المعيشة، وإعادة تشغيل المصانع والورش والمنشآت الزراعية، وتهيئة بيئة تسمح للناس بكسب رزقهم بكرامة.
ولا يعني ذلك أن جميع الأنشطة الرسمية أو المشاريع المعلنة بلا جدوى، بل المطلوب إخضاع الإنفاق العام لمعايير الشفافية والكفاءة والعائد الاجتماعي، ليعرف المواطن أين تُصرف الأموال، وما النتائج المتحققة، وكيف تنعكس على حياته.
فالدولة التي تواجه أزمة اقتصادية حادة مطالبة بإعطاء الأولوية للإنفاق المنتج، وتقليص النفقات غير الضرورية، ومكافحة الفساد والاحتكار، بدلًا من الاكتفاء بالمظاهر التي لا تسدّ حاجة أسرة ولا توفّر فرصة عمل. لذلك، لا يمكن معالجة الأزمة المعيشية بقرار منفرد أو إجراء مؤقت، بل بسياسة متكاملة تجمع بين تخفيض تكاليف الإنتاج، وتحريك الاقتصاد وضبط الأسواق، وتوسيع فرص العمل، وحماية الفئات الأكثر فقرًا، وتحسين الدخل الحقيقي.
أولًا: خلق فرص العمل بدلًا من توسيع دائرة المساعدات
تُعدّ البطالة من أبرز تحديات الاقتصاد السوري. فالمساعدات الإنسانية، على أهميتها، ليست بديلًا دائمًا عن العمل والإنتاج، كما أن زيادة الرواتب لا تضمن تحسّن المعيشة ما لم تترافق مع زيادة الإنتاج واستقرار الأسعار.
من هنا، تبرز الحاجة إلى برنامج وطني للتشغيل، يبدأ بمشاريع سريعة التنفيذ في المحافظات، تشمل ترميم المدارس والمراكز الصحية والمساكن المتضررة، وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والطرق، وإزالة الأنقاض وتأهيل المرافق العامة.
ويمكن تنفيذ هذه المشاريع وفق مبدأ «العمل مقابل الأجر»، بحيث يحصل المواطن على دخل مقابل عمل منتج، وتستفيد المجتمعات المحلية من إعادة تأهيل بنيتها التحتية.
وينبغي أن تترافق هذه الخطوة مع دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولا سيما الصناعات الغذائية والخياطة والنجارة والحدادة والصيانة والحرف التقليدية. فبدلًا من انتظار استثمارات ضخمة قد تحتاج إلى سنوات، يمكن تشجيع آلاف المشاريع الصغيرة التي تحرّك الأسواق وتخلق مصادر دخل جديدة.
ويتطلب ذلك تبسيط التراخيص، وخفض الرسوم غير الضرورية، ومكافحة الرشوة والمحسوبية، وتوفير التمويل والتدريب، وربط الحوافز الحكومية بعدد الوظائف الفعلية التي توفرها المشاريع.
ثانيًا: تحريك الاقتصاد في ظل شحّ الموارد المالية
تمثّل محدودية الموارد وضعف السيولة ونقص التمويل المصرفي عقبات أساسية أمام إعادة تشغيل الاقتصاد. فكثير من أصحاب الورش والمصانع يمتلكون الخبرة والمعدات، لكنهم يفتقرون إلى رأس المال اللازم لشراء المواد الأولية أو إصلاح الآلات ودفع الأجور.
لذلك، تبرز أهمية تنشيط القطاع المصرفي وتطوير قروض إنتاجية صغيرة ومتوسطة، بضمانات معقولة وشروط تناسب قدرات المقترضين، مع إعطاء الأولوية للمشاريع القابلة للاستمرار وتوفير فرص العمل.
ويمكن إنشاء برامج لضمان القروض تتقاسم فيها الدولة والمؤسسات التمويلية جزءًا من المخاطر، بدلًا من فرض ضمانات عقارية مرتفعة تستبعد الأكثر حاجة إلى التمويل.
لكن التمويل يجب أن يترافق مع رقابة على استخدام الأموال وتقييم الجدوى الاقتصادية، ومنع توجيه القروض نحو المضاربات أو الاستهلاك غير المنتج.
أما مصادر التمويل، فتشمل إعادة ترتيب الإنفاق العام، والمنح الدولية، والشراكات التنموية، واستثمارات السوريين المغتربين، وإصلاح التحصيل الضريبي والجمركي، ومكافحة التهرب والهدر والفساد.
والأهم تجنّب التوسع غير المنضبط في إصدار النقود لتمويل النفقات، لما قد يسببه من تضخم وتآكل في القيمة الحقيقية لدخول المواطنين.
ثالثًا: الكهرباء والطاقة مفتاحان لخفض تكاليف المعيشة
لا يمكن تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وعدم استقرار التغذية الكهربائية. فالمصانع تحتاج إلى الكهرباء للإنتاج، والمزارع للري والتبريد، والمخابز لاستمرار العمل، بينما تتحمل الأسر أعباء إضافية عند اللجوء إلى مصادر بديلة مرتفعة التكلفة.
لذلك، ينبغي وضع إصلاح قطاع الكهرباء في صدارة الأولويات، من خلال صيانة الشبكات، وتقليل الفاقد، وتحسين الجباية، ومكافحة التعديات، وتأمين التغذية المنتظمة للمرافق الحيوية والمنشآت الإنتاجية.
ويمكن التوسع المدروس في الطاقة الشمسية، خصوصًا في الزراعة والمشاريع الصغيرة والمراكز الصحية ومحطات ضخ المياه، مع توفير تمويل يسمح باسترداد تكاليف الاستثمار تدريجيًا.
فتحسين إمدادات الكهرباء وخفض تكلفتها لا ينعكسان على راحة المواطن فحسب، بل يقلّصان تكاليف الإنتاج ويعزّزان القدرة التنافسية للمنتجات المحلية وفرص العمل.
رابعًا: الزراعة والصناعة الغذائية رافعتان للتعافي
تمتلك سوريا إمكانات زراعية وصناعية يمكن أن تعزّز الأمن الغذائي وتوفّر فرص العمل، لكن استثمارها يتطلب معالجة المشكلات التي تواجه المزارعين والمنشآت الإنتاجية.
فالمزارع يحتاج إلى البذار والأسمدة والوقود ومياه الري، وإلى وسائل تخزين ونقل وأسواق تتيح له بيع محصوله بسعر عادل.
ومن الضروري دعم مستلزمات الإنتاج بصورة مدروسة، وتأهيل شبكات الري، وتحسين الخدمات الإرشادية، وتشجيع التعاونيات الزراعية وربط المزارعين بالمصانع والأسواق.
وفي الوقت نفسه، ينبغي تشجيع الصناعات الغذائية المحلية، كالألبان والأجبان والمعلبات وتجفيف الفواكه والخضراوات وتصنيع الحبوب، حتى لا تقتصر الاستفادة على بيع المحاصيل الخام، بل تمتد إلى تصنيعها ورفع قيمتها الاقتصادية.
كما يمكن إعطاء الأولوية لإعادة تشغيل المنشآت الصناعية القابلة للإنتاج، بدلًا من البدء دائمًا بمشاريع جديدة مرتفعة التكلفة.
ومن شأن تنشيط هذه القطاعات خلق وظائف، وزيادة المعروض من السلع، وتقليل الاعتماد على بعض الواردات، وفتح المجال أمام التصدير متى توافرت الجودة والأسواق المناسبة.
خامسًا: حماية الفقراء من دون إثقال الاقتصاد
لا يمكن ترك الأسر الأكثر فقرًا تنتظر نتائج الإصلاحات؛ فالتعافي يحتاج إلى وقت، بينما الاحتياجات الأساسية لا تحتمل التأجيل.
ومن هنا، تبرز ضرورة إنشاء نظام حماية اجتماعية يستهدف الأسر الأشد ضعفًا، عبر مساعدات نقدية مباشرة ودعم غذائي وصحي، وبرامج خاصة لكبار السن وذوي الإعاقة والأسر التي فقدت معيلها.
ويُفضّل توجيه الدعم إلى المستحقين وفق معايير واضحة، بدلًا من دعم عام ومكلف قد تستفيد منه الفئات الميسورة. ويقتضي ذلك إنشاء قاعدة بيانات اجتماعية شفافة، وإتاحة الاعتراض على قرارات الاستبعاد، ومراقبة وصول المساعدات إلى مستحقيها.
أما القادرون على العمل، فيمكن ربط دعمهم المؤقت ببرامج التدريب والتشغيل، متى توافرت الفرص المناسبة، من دون حرمانهم من المساعدة قبل تأمين مصدر دخل بديل.
فالهدف ليس تكريس الاعتماد على المساعدات، بل حماية الإنسان من الفقر المدقع ومنحه فرصة للانتقال إلى العمل والإنتاج.
سادسًا: الاستثمار والاغتراب السوري.. فرصة تحتاج إلى الثقة
يمثّل السوريون في الخارج مصدرًا مهمًا محتملًا للخبرات ورأس المال والعلاقات التجارية، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى استثمارات فعلية يتطلب أكثر من الدعوات الإعلامية.
فالمستثمر يحتاج إلى بيئة قانونية واضحة، وقضاء يحمي الحقوق، وعقود قابلة للتنفيذ، وإجراءات إدارية مبسطة، ونظام مصرفي موثوق، وضمانات لتحويل الأموال وفق القوانين.
ويمكن إطلاق صناديق استثمار تنموية وشراكات بين القطاعين العام والخاص، لتمويل مشاريع في الكهرباء والزراعة والصناعات الغذائية والنقل والإسكان، شرط إخضاعها لدراسات جدوى مستقلة ورقابة مالية معلنة.
كما ينبغي فتح المجال أمام المغتربين لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتبادل الخبرات، وتطوير المنتجات السورية وتسويقها في الخارج.
فاستعادة الثقة لا تتحقق بالشعارات، بل بالشفافية والاستقرار القانوني والمحاسبة وتكافؤ الفرص.
سابعًا: ما المطلوب من الحكومة خلال المرحلة المقبلة؟
يحتاج نجاح أي خطة اقتصادية إلى أولويات واضحة وجدول زمني واقعي ومؤشرات يستطيع المواطن مراقبتها. ويمكن تقسيم العمل إلى ثلاث مراحل:
خلال المئة يوم الأولى: تقييم الاحتياجات المعيشية، وتحديد الأسر الأشد فقرًا، وإطلاق مشاريع تشغيل سريعة، ومراجعة الإنفاق العام والرسوم المرهقة، ونشر بيانات عن الأسعار والخدمات والنفقات.
خلال السنة الأولى: توسيع التمويل الإنتاجي، وإعادة تشغيل المنشآت القابلة للعمل، وتحسين الكهرباء والمياه والنقل، وتسهيل الاستثمار والتراخيص، وتطوير التدريب المهني وربطه بسوق العمل.
خلال السنوات الثلاث التالية: توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين بيئة الأعمال، وزيادة الصادرات، وتطوير الحماية الاجتماعية، وإصلاح المؤسسات العامة، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على خلق الوظائف وتوليد الإيرادات.
ولا بد من قياس النتائج دوريًا عبر مؤشرات تشمل الدخل الحقيقي، وأسعار السلع الأساسية، والوظائف المستحدثة، واستمرار المشاريع، وتحسّن الخدمات.
فلا قيمة لافتتاح مشروع لا يبدأ الإنتاج، ولا جدوى من قروض لا تصل إلى مستحقيها، ولا يمكن اعتبار زيادة الرواتب نجاحًا إذا التهمتها الأسعار.
ثامناً؛ هل تنفصل التحديات السياسية والأمنية عن الاقتصاد؟
لا يمكن فصل مستقبل الاقتصاد السوري عن البيئة السياسية والأمنية. فالتهديدات الإسرائيلية والتطورات في الجنوب السوري، إلى جانب التحديات الداخلية وتداعيات الحرب، تزيد صعوبة التخطيط والاستثمار وتخصيص الموارد.
كما تحتاج إعادة الإعمار إلى استقرار يسمح بتدفّق الاستثمارات وعودة النشاط الاقتصادي، وإلى علاقات خارجية تتيح الوصول إلى الأسواق والتمويل والتكنولوجيا.
ولهذا، فإن حماية السيادة والاستقرار، وتسوية النزاعات، وتعزيز مؤسسات الدولة وسيادة القانون، تمثّل عوامل مساندة لأي برنامج اقتصادي.
ومع ذلك، لا يجوز تحويل الظروف الصعبة إلى ذريعة لتأجيل الإصلاحات الممكنة، إذ يمكن تحسين إدارة الموارد، ومكافحة الفساد، وتسهيل الأعمال وتطوير الخدمات، حتى في ظل محدودية الإمكانات.
تاسعاً؛ أي مستقبل اقتصادي لسوريا؟
لا يمكن الجزم بمستقبل سوريا الاقتصادي، إذ يتوقف على الاستقرار والتمويل والسياسات الحكومية وسرعة استعادة الإنتاج وقدرة المؤسسات على تنفيذ الإصلاحات.
فإذا استمرت العوائق أمام العمل والاستثمار، وبقيت تكاليف المعيشة مرتفعة قياسًا بالدخول، فقد تتواصل معاناة الأسر وتتسع دائرة الفقر والهجرة والإحباط.
أما إذا وُجّهت الموارد نحو القطاعات المنتجة، وأُعيد تشغيل المشاريع، وتحسّنت الخدمات الأساسية، وتوافر التمويل وتعزّزت الشفافية والمساءلة، فستتحسن فرص رفع مستوى المعيشة تدريجيًا.
لكن التعافي لن يتحقق بين ليلة وضحاها، ولن تكفي المساعدات الخارجية والاستثمارات وحدها. إنه يتطلب شراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية والسوريين في الخارج، وسياسات واقعية تراعي محدودية الموارد وحجم الاحتياجات.
عاشراً؛ الأولوية.. المواطن أولًا
لا ينتظر السوريون معجزات اقتصادية، بل حياة يمكن احتمال تكاليفها، وعملًا يوفّر دخلًا كريمًا، وكهرباء ومياه وخدمات أساسية، وفرصًا لأبنائهم، ومستقبلًا لا تضطر فيه الأسرة إلى الاختيار بين الغذاء والدواء.
ولهذا، فإن معيار نجاح المرحلة الجديدة ليس عدد المشاريع المعلنة، ولا حجم الاحتفالات والتصريحات، بل مقدار التحسّن الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية.
فسوريا تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الإنتاج، ومن إدارة الفقر إلى معالجة أسبابه، ومن الوعود العامة إلى برامج قابلة للقياس والمحاسبة.
إن إنقاذ معيشة المواطن ليس ملفًا اقتصاديًا ثانويًا، بل جوهر الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فالدولة تستعيد ثقة مواطنيها حين يشعرون بأن مؤسساتها تعمل من أجلهم، وأن مواردها تُدار بمسؤولية، وأن العمل والإنتاج والعدالة الاجتماعية باتت أولويات فعلية، لا مجرد شعارات.
وعندها فقط يمكن أن تتحول بوادر الأمل إلى واقع، وتبدأ سوريا مسارًا جادًا نحو التعافي، وتستعيد الأسرة السورية قدرتها على العيش بكرامة، وتجد الأجيال الجديدة أسبابًا للبقاء والمشاركة في بناء وطنها.
