الاقتصاد السوري Archives - 180Post

820-3.jpg

باتت وفود السوريين في المهجر تتوافد على بلدهم، وباتت السلطة الجديدة والمؤسسات الدولية تتحدث عن السوريين في الخارج باعتبارهم أحد الروافد الرئيسية لتمويل التعافي. إلا أنه ليس هناك «مهجر سوري» واحد (diaspora). وهذه ربما أهم نقطة ينبغي الانطلاق منها عند الحديث عن دور السوريين في الخارج في تعافي بلدهم. فالسوري الذي يرسل مئتي دولار شهرياً إلى عائلته من ألمانيا، والطبيب السوري في الولايات المتحدة الذي يعود في مهمة طبية، ورجل الأعمال الحلبي الذي بنى مصنعه في مصر، وشبكة جمعيات من أبناء حماة تجمع عشرات الملايين، ورجل الأعمال من أصل سوري الذي يقود شركة قطرية بمليارات الدولارات، لا يقومون بالفعل الاقتصادي نفسه، ولا تتحرك أموالهم بالدوافع ذاتها.

800-17.jpg

حين تُضطر الدولة السورية إلى رفع أسعار المحروقات، فهي لا ترفع سعرًا واحدًا فحسب؛ إذ ترتبط المحروقات بكل تفاصيل الحياة اليومية تقريبًا، من نقل وزراعة وصناعة إلى الكهرباء والمواد الغذائية والخدمات. لذلك، ترتد نتائج تلك الزيادة على جيب المواطن وقدرته على تأمين احتياجاته الأساسية. يزداد الأمر خطورة عندما يصدر في وقت تكون فيه الرواتب والأجور عاجزة أصلًا عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وعندما تكون العملة الوطنية قد فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها. هنا لم يعد السؤال: هل يحق للدولة أن ترفع أسعار المحروقات؟ بل يصبح السؤال: هل من حق المواطن أن يعرف لماذا رُفعت الأسعار، وماذا ستفعل الدولة لحمايته من نتائج هذا القرار؟

800-31.jpg

لعلّ أعسر ما تواجهه المجتمعات الخارجة من أتون نزاعاتها الداخلية ليس إعادة الإعمار المادّي، بل إعمار ما هو أدقّ وأعمق: الانتماء المشترك. ذلك الإحساس الذي يجعل المواطن يرى في جاره شريكاً في الوطن لا منافساً في البقاء، وينتمي إلى هويّة وطنية جامعة دون أن تُلغي بالضرورة انتماءاته الأخرى من طائفة وإثنية وعشيرة ومنطقة. وهذا بالضبط التحدّي الذي يواجه سوريا اليوم.

G1iuAAEXIAArdcA.jpg

لا يشبه الجوار اللبناني – السوري أيَّ علاقةٍ حدوديةٍ أخرى في المشرق. على الورق، هناك خطٌّ دوليّ يفصل بين دولتين مستقلّتين؛ لكن في الواقع، تمتدّ المدن والقرى والعائلات والاقتصاد عبر هذا الخط من دون أن تتوقّف كثيرًا عنده. هذا التداخل جعل الجوار أقرب إلى «بنية دائمة» منه إلى خيار سياسي قابل للإلغاء، وجعل أيَّ تبدّل في سوريا أو لبنان يرتدّ مباشرةً على الآخر. من هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة هذه العلاقة في زمن «الجار المتغيّر» ومن خلال «ذاكرة سياسية» مثقلة ومتضاربة؟

800-49.jpg

لا يُمكن التعامل مع القرار الصادر عن مصرف سوريا المركزي، والقاضي بإلزام المصارف العاملة في البلاد بتغطية كامل انكشافها على القطاع المالي اللبناني خلال ستة أشهر، بوصفه مجرّد إجراء تنظيمي لتحسين الميزانيات أو تطبيقًا ميكانيكيًا لمعايير المحاسبة الدولية.

800-37.jpg

منذ عقود، بدت سوريا كما لو أنها دولة صلبة لا تهتز. جيش قوي، أجهزة أمنية متغلغلة، حزب حاكم يرفع شعارات الوحدة والاشتراكية، ورئيس يجلس على كرسيه مطمئنًا أن البلاد تحت قبضته. لكن خلف هذه الصورة كانت تتشكل قصة أخرى، قصة بلد هشّ تحكمه شبكة من أجهزة المخابرات، الولاءات الطائفية والعشائرية، والمصالح الضيقة، فيما هوامشه تنزف فقرًا وتهميشًا. وعندما انهار المركز عام 2024، انكشفت الحقيقة كاملة: سوريا لم تكن دولة متماسكة بقدر ما كانت مسرحًا لصراع الهويات، ولعبة شدّ حبال بين مركز متغطرس وهامش صبور ثم متمرد.

800-2.jpg

ما معنى أن يتمّ الحديث اليوم عن أنّ الاقتصاد السوري سيكون في المرحلة القادمة "اقتصاداً حرّاً"؟ ليس فقط لأنّ الاقتصاد لم يكُن "اشتراكياً" في السابق، بل لأنّ التحدّيات الأساسية بعد سنوات العقوبات القاسية – التي بالمناسبة لم ترفع كاملةً حتّى الآن برغم الإعلانات الأميركية - والحرب الأهليّة هي إعادة عجلة الإنتاج والتشغيل والإعمار والحدّ من الفقر وتوحيد البلاد وعودة كريمة للنازحين واللاجئين. فهل هذا ممكن دون تدخّل من الدولة؟ ودون سياسة حكوميّة واضحة؟

n.jpg

شكّل انهيار جدار برلين ومن بعده منظومة الاتحاد السوفياتي وكذلك هيمنته على دول أوروبا الشرقيّة حدثاً تاريخيّاً كبيراً. هذا الانهيار كان نتيجة سوء إدارة مزمِن للسلطات القائمة في هذه البلدان وعدم قدرتها على التأقلم مع المتغيّرات داخلها وعلى الصعيد العالمي. على عكس ما حدث في الصين، رغم تشابه العقيدة السياسيّة للسلطات هناك. 

a7286bd13f862611076eeb90a7bbade1.jpg

أربع عشرة سنة من المؤتمرات ومن تشكيل هيئات معارضة و"حكومة منفى" مؤقتة وتسليح ودعم مالي وإغاثي وعقوبات تزداد قسوتها، لكن في الواقع جرى تحويل "الثورة" إلى حرب أهليّة ودمار واسع وانهيار اقتصادي وتقسيم فعليّ للبلد وصعود كبير للشرذمة الطائفيّة والإثنيّة والاستسلام للتبعيّة الخارجيّة. لكن ثمة سؤال لا بدّ ألاّ يبارح دوماً ذهن السوريين: هل كانت الدول التي سمّت نفسها "داعمة لسوريا" تعمل حقّاً كي تنتصر "ثورة" السوريين على الاستبداد وأن يتحقّق حلمهم بالحريّة والكرامة؟