تهرول ربما بشكل لا شعوري لتتماهى مع الآخرين، نساءً ورجالًا وأطفالًا وكبار سنّ وشبابًا بوشم وآخرين بربطة عنق، وأخريات توشّحن بالسواد وألصقن صورًا لأحبّة استشهدوا على مرّ هذه الحرب التي لم تنتهِ بعد، رغم أن كثيرًا من الإعلام الرسمي في لبنان و«الوطن العربي» لا يزال يردّد أن هناك هدنة، رغم أنهم لم يسألوا أهل الجنوب كما لم يسألوا قبلها أهل غزة!
***
يشتدّ الازدحام كلما اقتربت من واجهة المعرض العريضة، وما إن تدخل حتى تتفاجأ بالازدحام والإعلان عن ندوة هنا وتوقيع كتاب في هذا الجناح أو ذاك. تقف للحظة لتُمعن النظر، ولا تستطيع سوى أن تتفاجأ بحجم محبّي الكتاب في زمن الحرب في هذا البلد المليء بالمتناقضات، وكثير منها لا يشير إلا إلى مزيد من الحب والتمسّك بالحياة الحرّة. لا تستطيع التقدّم سريعًا لكثرة الوجوه التي تكون مضطرًا أو تحبّ أن تلقي عليها التحية، ربما بعضها حيّ يُرزق ويتجوّل معك ويتصفّح الكتب، وآخرون في صور كبيرة تزيّن المعرض وتزيده ربما هيبة.
***
إنها هيبة الكتاب عندما تحتفي به المدينة التي كانت أو عُرفت على أنها «مطبعة العرب»، وبرغم كل ما أصابها ويصيبها، لا تزال تجد مساحة لتجمع دور النشر بكل اللغات. فاللافت للانتباه كمّ الكتب باللغة الإنكليزية، ولا تزال الفرنسية تصارع البقاء في مستعمراتها القديمة، وبخاصة هنا! تصاب ببعض الإحباط عندما تدرك ما تعرفه، وأن الجيل الشاب أو جيل “الإنستغرام” و”إكس” و”التيك توك” وكل وسائل التواصل قد هجر أو طلّق اللغة العربية ذات السحر الخاص.
***
تتعثّر في طريقك ببعض السياسيين الحاليين والسابقين، ربما في محاولة منهم للتقرّب من الجمهور أو لبس ثوب «السياسي المثقف» أو حتى فقط معرفة كم مسافة تفصلهم عن الناس، وبخاصة البسطاء منهم. تشاهد صورهم على مواقع التواصل وهم يزورون «كتّابًا» بعينهم لتواقيع خاصة لكتب ودواوين شعر وروايات، في مجملها تبدو باهتة. نعم، فمعارض الكتب هي انعكاس للوضع الثقافي العام في لبنان والعالم العربي؛ حيث تسلّق كثيرون على كتف الكتاب أو أوراقه ليحجزوا حيّزًا. بعضهم يحاول التشبّه بكتّاب راحلين أو كاتبات راحلات تركوا أثرًا وكان لهم كثير من المواقف، ونحتوا الحرف والكلمة بقلوبهم، بل نقشوه، ولم تكن مجرد صفّ لمفردات. تواقيع بكثير من الورود والملابس المنمّقة وكأنها أعراس؛ ألا يستحق الكتاب أن يُحتفى به؟ بالطبع، ولكن بعض الاحتفاء المبالغ فيه يبدو وكأنه تغطية لكتاب لا يُقرأ، أو هو مجرد تجميع هنا وهناك، أو لا علاقة له بالإبداع المبهِر. ولوحظ غزو الذكاء الاصطناعي، على الأقل في صور الأغلفة التي تبدو مصطنعة جدًا، فيما تتلاشى تلك الواجهات التي رسمها أو خطّها مبدعون يشبهون كتّابها.
***
ولا يمكن أن يُحتفى بالكتاب في بلد مثل لبنان تتجاذبه الروايات والسرديات المتناقضة، إلا أن كثرة الكتب التي قام كتّابها بتقديم روايتهم لتاريخ ليس ببعيد، يجعلنا نستنتج أن هؤلاء إما يتطهّرون أو يتمادون في تزوير ما حدث ليس من زمن بعيد، بل قريب جدًا وحاضر في الذاكرة حتى خارج الحدود الجغرافية.
***
وبقي الجنوب اللبناني حاضرًا برغم كثرة المحاولات لتشويه معاناته، وطمس صموده وشيطنة رواياته وسرديته. حضر بدور نشر هنا وبكثير من الكتب والروايات والصور والبشر القادمين حاملين وجعهم وصور أحبّتهم الذين سُلبت أرواحهم ومزارعهم وبيوتهم وكل ما يملكون، حتى المكتبات والصور هي الأخرى لم تكن بعيدة عن وحشية الصهاينة. هناك إحصائيات لكمّ المكتبات التي دُمّرت في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، منها الخاصة والعامة، وكمّ المطابع التي طاردتها القذيفة التي يعرف مسيّرها أن الكلمة أبقى من أن تُزال برغم كل الموت والدمار.
***
يبقى المعرض صورة مصغّرة للبنان، بعيدًا عن كثير من المشاهد التي يروّجها «الإنفلونسرز» الخليجيون والعرب، والتي لا تشمل سوى المطاعم والمقاهي والفنادق الصغيرة، أو ربما كما يحبون تسميتها «بوتيك هوتيل» لتبدو أكثر شياكة، وهي بالطبع جزء من لبنان الذي يصارع الموت والتفتّت، ولكنها ليست كل الصورة. هنا في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب كثير من لبنان بكل جماله وتعقيداته وتناقضاته وخوفه أو تمسّكه بالأمل الواقعي، وليس ذاك المرسوم فوق ظهر غيمة.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
