بيروت ودمشق.. سفارتان وأسئلة سيادة ونفوذ

سقط نظام بشار الأسد، لكن العلاقة اللبنانية–السورية لم تدخل بعد مرحلة جديدة واضحة المعالم. فالتغيير الذي شهدته دمشق فتح الباب أمام تجاوز إرث ثقيل، لكنه لم يحسم طبيعة العلاقة التي تريدها السلطة الجديدة مع لبنان، ويكتسب استمرار التمثيل الدبلوماسي عند مستوى قائم بالأعمال دلالة تتجاوز البروتوكول، وإن لم يكن كافيًا وحده للحكم على نيات دمشق. فالمسألة لا تتعلق بملف واحد أو بخلاف عابر، بل بعلاقة سقط النظام الذي كان يحكمها، فيما لم تتبلور بعد القواعد التي ستخلفها. السؤال أبعد من التمثيل الدبلوماسي: أيّ علاقة تريد دمشق بناءها مع لبنان، وأيّ علاقة تستطيع بيروت أن تقبل بها؟

لم تكن العلاقة بين البلدين متكافئة طوال عقود من الزمن. فمنذ دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، توسّع الدور السوري وازداد ترسخاً في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، قبل أن يأتي تاريخ الرابع عشر من شباط/فبراير 2005، لترسم دماء رفيق الحريري مسار انهاء الوجود العسكري السوري في ربيع العام نفسه، لكن الخلاف حول مستقبل العلاقات اللبنانية السورية وحدود الدور السوري استمر مع النظام السابق وسيستمر، على الأرجح، مع النظام الوليد.

أما إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 2008، فلم تكن كافية لتجاوز الإرث السياسي الثقيل الذي حكم العلاقة بين البلدين منذ الاستقلال حتى يومنا هذا. واليوم، لا يكفي تغيّر السلطة في دمشق للقول إن نظرتها إلى لبنان تغيّرت بالقدر نفسه. فالاختبار لا يكمن في تجنّب ممارسات الماضي فحسب، بل في تحديد ما إذا كانت سوريا الجديدة ستتعامل مع لبنان بوصفه دولة مستقلة لها مصالحها وقرارها، أم أن موقعه سيظل جزءًا من حسابات دمشق الأوسع؟

ولا يعني ذلك أن السلطة الجديدة تسعى بالضرورة إلى استعادة نفوذ النظام السابق، بل إن تغيير السلطة لا يحسم تلقائيًا طبيعة المصالح التي ستوجّه سياستها تجاه لبنان. والعبرة ليست في الخطاب وحده، بل في كيفية إدارة الملفات المشتركة، واحترام المؤسسات اللبنانية، وعدم تحويل الانقسامات الداخلية إلى مداخل للتأثير السياسي.

رؤية لم تكتمل أم حسابات مؤجلة؟

تواجه دمشق ملفات داخلية وإقليمية معقّدة، وتعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتنظيم علاقاتها الخارجية. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه المرحلة على ترتيب أولوياتها، بما فيها علاقتها بلبنان. لكن التريّث قد يرتبط أيضًا بحسابات تتجاوز متطلبات المرحلة الانتقالية، ريثما تتضح المصالح التي تريد سوريا الجديدة حمايتها في محيطها.

فالعلاقة السابقة قامت، في مراحل طويلة منها، على اختلال واضح في ميزان القوة، أما العلاقة الجديدة، فيُفترض أن تقوم على الندية واحترام السيادة. وبين النموذجين مساحة لم تتضح معالمها بعد.

هل يعود عدم الانتقال إلى مستوى دبلوماسي أكثر وضوحًا إلى أولويات لم تستقر، أم إلى ملفات لم تُحسم، أم إلى أن رؤية سورية تجاه لبنان ما تزال قيد التشكّل؟ قد تتداخل هذه العوامل، لكن الإجابة ستظهر في القرارات العملية أكثر مما تظهر في النوايا والتصريحات.

ولا تقع المسؤولية على دمشق وحدها. فلبنان لم ينجح دائمًا في إدارة علاقته مع سوريا من خلال موقف رسمي موحّد، وغالبًا ما تعاملت قوى سياسية مع دمشق وفق حساباتها السياسية أو الطائفية أو الخاصة. وإذا أرادت بيروت علاقة مختلفة، فعليها أن تحدد ما تريده من جارتها، وأن تدير الملفات المشتركة عبر مؤسسات الدولة، لا من خلال تعدد القنوات وتضارب المواقف.

ولا يمكن تجاوز تدخل حزب الله في الحرب السورية دعمًا لنظام بشار الأسد عند البحث في مستقبل العلاقة. فقد ترك هذا التدخل آثارًا سياسية وأمنية، وأصبح جزءًا من الإرث الذي تواجهه السلطة الجديدة. لكن الملف لا يتوقف عند الماضي، بل يتصل أيضًا بدور الحزب الحالي في لبنان، وبمصير السلاح وقرار الحرب والسلم وحدود سلطة الدولة.

من الطبيعي أن يدخل هذا الإرث في حسابات دمشق، لكن لا دليل كافيًا على أنه السبب المباشر لاستمرار مستوى التمثيل الدبلوماسي. والسؤال هو ما إذا كانت سوريا ستتعامل مع هذه الملفات عبر الدولة اللبنانية، أم ستربط تطوير العلاقة بمعادلات الإقليم؟

معالجة المخاوف الأمنية المتبادلة حق مشروع، أما تحويل الخلاف مع حزب الله إلى معيار للعلاقة مع لبنان كله، فيضع بيروت أمام معادلة أكثر تعقيدًا. وفي المقابل، لا يستطيع لبنان مطالبة دمشق بتجاوز آثار الماضي فيما يظل عاجزًا عن حسم خلافاته الداخلية بشأن السلاح والسيادة والقرار الأمني.

ولا يمكن فصل العلاقة مع بيروت عن موقع سوريا في المنطقة. فدمشق تعيد تنظيم علاقاتها العربية والدولية، وتبحث عن الاستقرار والاستثمارات وسبل إعادة بناء اقتصادها. ولبنان، بحكم الجغرافيا والحدود والاقتصاد، جزء من هذه الحسابات. هذه المصالح قد تدفع سوريا إلى تطوير تعاونها مع بيروت، لكنها قد تدفعها أيضًا إلى التريّث في حسم بعض الخيارات، حتى تتضح أولوياتها الإقليمية وحدود علاقاتها بالقوى المؤثرة في الإقليم؛ ولا يعني ذلك أن دمشق تنتظر تسوية إقليمية بعينها قبل تطوير علاقاتها مع لبنان، لكن من الصعب التعامل مع الملف اللبناني بمعزل عن موقع سوريا الجديد.

ما الذي ينبغي أن يتغيّر؟

لا يكفي رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي لبناء علاقة جديدة، كما لا تكفي التصريحات لتجاوز إرث الماضي. المطلوب اتفاق واضح على إدارة الملفات المشتركة، من الحدود والتهريب إلى النازحين والموقوفين والتعاون الاقتصادي، ضمن مؤسسات رسمية وقواعد قابلة للتنفيذ.

إقرأ على موقع 180  سوريا وغربيّ آسيا.. مشهد مغاير بعد العودة إلى الاتفاق النووي

على دمشق أن تثبت عمليًا أن العلاقة مع لبنان تقوم على احترام سيادته ومؤسساته، لا على استعادة أنماط النفوذ السابقة. وعلى بيروت أن تتعامل مع سوريا الجديدة من موقع الدولة، لا من خلال رهانات القوى السياسية المتنافسة أو حساباتها الخاصة.

فالتجربة اللبنانية–السورية لا تسمح بفصل سلوك الطرف الخارجي عن مسؤولية القوى الداخلية. وكما أسهمت الانقسامات اللبنانية في مراحل سابقة في فتح المجال أمام التدخل السوري، فإن استمرارها اليوم قد يتيح أشكالًا جديدة من التأثير، حتى من دون العودة إلى أدوات الهيمنة القديمة.

ليس مطلوبًا أن تتطابق مصالح البلدين في كل الملفات، ولا أن تختفي الخلافات بينهما. المطلوب أن تُدار هذه الخلافات على أساس واضح، وألّا تتحول حاجة أيّ طرف إلى الآخر إلى وسيلة للضغط عليه أو التأثير في قراره.

قائم بالأعمال إلى إشعار آخر؟

يكتسب مستوى التمثيل الدبلوماسي دلالته في سياق لم تُحسم فيه ملفات الماضي، ولم تتضح فيه بالكامل حسابات دمشق الجديدة. فقد يكون التريّث انعكاسًا لمرحلة انتقالية، أو مرتبطًا بخلافات قائمة، أو جزءًا من إعادة ترتيب أوسع للدور السوري في المنطقة.

لكن جوهر المسألة يتجاوز التمثيل الدبلوماسي. فالعلاقة القديمة لم تكن مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين، بل علاقة اختلّ فيها ميزان القوة، وتداخلت فيها مصالح الدولة السورية مع الانقسامات اللبنانية. وسقوط نظام الأسد أنهى مرحلة سياسية، لكنه لم يُلغِ آثارها، ولم يحدد وحده شكل العلاقة التي ستأتي بعدها.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي ليس في موعد رفع مستوى التمثيل، بل في طبيعة الخيارات التي ستتخذها دمشق وبيروت: هل تتجهان إلى بناء علاقة بين دولتين مستقلتين، أم تسمح الحسابات الجديدة بإعادة إنتاج النفوذ السوري بصيغ مختلفة؟

لا يمكن حسم الإجابة مسبقًا، لكنها ستتضح من طريقة معالجة الملفات العالقة والامتناع عن توظيف الخلافات الداخلية في حسابات العلاقات الثنائية.

سقوط الأسد أتاح فرصة لإعادة بناء العلاقة اللبنانية–السورية، لكنه لم يحدد شكلها تلقائيًا. فدمشق مطالبة بتوضيح ما تريده من بيروت، وبيروت مطالبة بتحديد ما تقبله من هذه العلاقة وما ترفضه.

وإلى أن تتضح الإجابات، سيبقى القائم بالأعمال أكثر من تفصيل دبلوماسي: عنوانًا لعلاقة خرجت من إرثها القديم، من دون أن تحسم بعد قواعدها الجديدة.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  لبنان: إجتماع أمني برئاسة عون.. وبعض رسائله للحريري