مع تكرار حالات التراجع الأميركي عن التزامات وتعهدات ومعاهدات، وآخرها مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، يتّسع النقاش حول المصداقية عمومًا بوصفها أحد أهم عناصر النفوذ الدولي، والمصداقية الأميركية خصوصًا لارتباطها الجوهري بالدور الأميركي العالمي. فمنذ القرن التاسع عشر، ارتبط صعود الولايات المتحدة إلى موقع القوة العالمية ببناء شبكة واسعة من المعاهدات والتحالفات والضمانات الأمنية والتفاهمات السياسية. بيد أن الالتزام الأميركي تعرّض لاهتزازات عدّة مع تغيّر المصالح الأميركية وتبدّل أولوياتها. وتنامت إشكالية تضارب مصداقية الدولة واهتزاز ثقة الشعب أمام تراجع الدولة عن التزاماتها ووعودها وعهودها.
تظهر هذه الإشكالية مبكرًا في التجربة الأميركية مع قبائل السكان الأصليين. ففي عام 1868، أبرمت الحكومة الأميركية معاهدة فورت لارامي مع قبائل السو، واعترفت بموجبها بأن منطقة بلاك هيلز، في ما يُعرف اليوم بولاية ساوث داكوتا، جزءاً من أراضي القبائل المحمية. غير أن اكتشاف الذهب في المنطقة خلال سبعينيات القرن التاسع عشر دفع السلطات الأميركية إلى السماح للمنقبين والمستوطنين بدخولها، ثم إلى مصادرتها لاحقًا. وبعد أكثر من قرن، أقرت المحكمة العليا الأميركية عام 1980 بأن الاستيلاء على بلاك هيلز لم يكن قانونيًا، وأمرت بتعويض مالي رفضته قبائل السو، مؤكدة أن القضية لا تتعلق بالمال بل بالأرض نفسها. فالفجوة بين الالتزام المعلن ومتطلبات المصلحة المتغيرة. لم تكن القضية مجرد نزاع على الأرض، بل مثالًا مبكرًا على حدود قدرة الاتفاقات على الصمود عندما تتعارض مع اعتبارات القوة والموارد.
من يالطا إلى فيتنام
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، انتقل الجدل إلى الساحة الدولية. ففي مؤتمر يالطا عام 1945 جرى الاتفاق على إجراء انتخابات حرة في أوروبا الشرقية بعد تحريرها من الاحتلال النازي. ولم تحوّل الولايات المتحدة تعهداتها السياسية إلى نتائج فعلية في شكل الانتخابات المتوقّع سياسيًّا وشعبيًّا، وضاعت الاماني وسط توازنات الحرب الجديدة. ومنذ ذلك الحين بدأ يتشكل لدى عدد من الدول إدراك متزايد بأن الضمانات السياسية لا تكتسب قيمتها من إعلانها، بل من القدرة على فرضها والحفاظ عليها.
وخلال الحرب الباردة التي أعقبت الحرب الثانية، انتقلت المسألة من المجال الدبلوماسي إلى المجال الأمني والعسكري وسط ظهور حالات أكثر ارتباطًا بالنزاعات العسكرية المباشرة. ففي عام 1961 أطلقت الولايات المتحدة عملية “خليج الخنازير” عبر قوة من المنفيين الكوبيين بهدف إسقاط نظام فيدل كاسترو. إلا أن قرار الرئيس جون كينيدي إلغاء الدعم الجوي الأميركي في اللحظة الحاسمة أدى إلى فشل العملية وأسر معظم المشاركين فيها، ما ترك شعورًا دائمًا لدى المنفيين الكوبيين بأن واشنطن تراجعت عن الدعم الذي كانوا يتوقعونه في اللحظة الحاسمة.
وبعد ذلك بسنوات، وقّعت الولايات المتحدة اتفاقيات باريس للسلام عام 1973 لإنهاء الحرب في فيتنام. وفي إطار هذه العملية، تلقت حكومة جنوب فيتنام تأكيدات باستمرار الدعم الأميركي إذا خرقت فيتنام الشمالية الاتفاق. لكن التطورات السياسية داخل الولايات المتحدة، وخصوصًا بعد استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون وتصاعد معارضة الكونغرس للحرب، أدت إلى غياب أي تدخل حاسم عندما شنت هانوي هجومها النهائي عام 1975.
ومع سقوط سايغون وانهيار الدولة الفيتنامية الجنوبية، اعتبر كثير من قادتها أن الوعود الأميركية السابقة لم تُنفذ. وفي الفترة نفسها، وجد الأكراد في شمال العراق أنفسهم أمام تجربة مشابهة بعد توقف دعم واشنطن وإيران “الشاه” للتمرد الكردي إثر اتفاق الجزائر عام 1975، بين بغداد وطهران؛ ما ترك المقاتلين الأكراد في مواجهة القوات العراقية من دون الغطاء الذي اعتقدوا أنه سيستمر ويؤمن لهم الحماية.
من أوكرانيا إلى إيران
بعد انتهاء الحرب الباردة إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، لم يتراجع الجدل حول المصداقية الأميركية، بل اكتسب أبعادًا جديدة. فقد رأت موسكو أن توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقًا يتعارض مع التطمينات التي تلقتها خلال مرحلة توحيد ألمانيا، بينما شعر كثير من الشيعة والأكراد في العراق بأن الموقف الأميركي خلال انتفاضة عام 1991 لم ينسجم مع الإشارات السابقة التي فُهمت بوصفها تشجيعًا على مواجهة نظام صدام حسين. وفي الحالتين، لم يكن الخلاف يدور حول النصوص القانونية فقط، بل حول الفجوة بين التوقعات التي أنتجتها السياسة الأميركية والنتائج التي انتهت إليها الأحداث.
وفي العام 1994 وافقت أوكرانيا على التخلي عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنية ضمن مذكرة بودابست. وعندما ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، اكتفت الولايات المتحدة وحلفاؤها بإجراءات سياسية واقتصادية ضد موسكو، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل عن القيمة العملية للضمانات الأمنية التي حصلت عليها كييف مقابل التخلي عن أسلحتها النووية. وفي العام نفسه تقريبًا، وقعت واشنطن وكوريا الشمالية اتفاق الإطار المتفق عليه الذي نص على تجميد البرنامج النووي الكوري الشمالي مقابل مساعدات ومشروعات طاقة تقودها الولايات المتحدة. لكن التأخير في تنفيذ الالتزامات الأميركية وتصاعد الخلافات بين الطرفين أدى إلى انهيار الاتفاق مطلع الألفية الجديدة، قبل أن تستأنف بيونغ يانغ برنامجها النووي وتدخل النادي النووي لاحقًا.
وخلال العقدين التاليين، شهدت السياسة الأميركية سلسلة من الانسحابات من اتفاقيات دولية مهمة. ففي عام 2002 انسحبت واشنطن من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية. وفي عام 2018، أعلن الرئيس ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة، برغم أن الاتفاق كان قد وُقّع عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد استمرار التزام طهران ببنوده في ذلك الوقت. وأعادت واشنطن فرض العقوبات الاقتصادية على إيران ضمن سياسة “الضغط الأقصى”، معتبرة أن الاتفاق غير كافٍ لمعالجة ملفات أخرى تتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران. وقد أثار القرار نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الدولية، إذ رأت أطراف عديدة أن انسحاب إدارة أميركية من اتفاق تفاوضت عليه إدارة سابقة (إدارة باراك أوباما) يعكس هشاشة الالتزامات الدولية أمام التغيّرات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. وقبل عقود من الجدل حول الاتفاق النووي، شكّل إسقاط حكومة محمد مصدق عام 1953، بفعل التدخل الأميركي–البريطاني، محطة تأسيسية في الوعي السياسي الإيراني تجاه الغرب.
المعاهدات وأفغانستان والأكراد
كما انسحبت واشنطن من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، ثم من معاهدة الأجواء المفتوحة، وقبل ذلك أعلنت خروجها من اتفاق باريس للمناخ. وبررت الإدارات الأميركية المتعاقبة هذه الخطوات باعتبارات تتعلق بالمصلحة الوطنية أو بوجود انتهاكات من الأطراف الأخرى، إلا أن هذه القرارات عززت النقاش الدولي حول استمرارية الالتزامات الأميركية من إدارة إلى أخرى. وفي منطقة غرب آسيا، عادت القضية الكردية إلى الواجهة مرة أخرى عام 2019 عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها من مناطق الحدود السورية التركية، ما أفسح المجال أمام العملية العسكرية التركية ضد القوات الكردية التي كانت شريكًا رئيسيًا لواشنطن في سوريا.
وبعد عامين فقط، جاء الانسحاب الأميركي من أفغانستان ليغلق فصلًا استمر عشرين عامًا، وسط شعور واسع لدى قطاعات من الأفغان الذين تعاونوا مع الولايات المتحدة، بمن فيهم المترجمون والعاملون في المؤسسات الأمنية والحكومية، بأنهم تُركوا في مواجهة واقع سياسي جديد لم يكونوا يتوقعونه. وفي حين لم يكن الأمر مرتبطًا بمعاهدة دفاع رسمية، فقد رأى كثير من الأفغان الذين ارتبطوا بالمشروع الأميركي أن واشنطن تخلّت عن التزامات سياسية وأخلاقية كانت قد رافقت وجودها الطويل في البلاد، لتصبح أفغانستان محطة جديدة تُضاف إلى سلسلة الوقائع التي أثارت نقاشًا واسعًا حول حدود الالتزامات الأميركية واستمراريتها.
ومرة أخرى، في العام 2025، وجد أكراد سوريا أنفسهم مجددًا أمام حدود الالتزام الأميركي، بعدما بدا أن واشنطن تتعامل مع ترتيباتها مع حكومة أحمد الشرع بوصفها أولوية سياسية تتقدم على شراكتها السابقة معهم، بما أعاد إلى الذاكرة محطات سابقة شعر فيها الأكراد بأن الدعم الأميركي يتراجع عند تبدل الحسابات الإقليمية.
ذاكرة تاريخية متراكمة
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا تكمن أهمية هذه الحالات في نتائجها المباشرة فقط، بل في الأثر التراكمي لها على إدراك الفاعلين السياسيين لمصداقية القوة العظمى وحدود الثقة بها، وبالطريقة التي تُستعاد بها لاحقًا في الوعي الجماعي للذاكرة السياسية. فالوقائع الممتدة من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين، وعبر إدارات ديموقراطية وجمهورية على السواء، تشير إلى نمط متكرر تصبح فيه الالتزامات الخارجية عرضة لإعادة التقييم كلما تعارضت مع أولويات المصلحة الاستراتيجية الأميركية. والمشكلة التي واجهها كثير من الحلفاء أو الشركاء محدودية قدرة الوعود والعهود الأميركية على الصمود عندما تتغير حسابات القوة والكلفة. وعليه، فكل وقائع “النبذ” و”الخذلان” تشكّل سردية واحدة تتعلّق بحدود الاعتماد على القوة الأميركية، ما يؤسّس لـ”ذاكرة سياسية تراكمية”، ويؤدّي إلى تآكلٍ تدريجيِّ في رصيد الثقة السياسية، ويؤثر في السلوك السياسي المستقبلي.
تكشف هذه المحطات أن القيمة الفعلية لأي ضمانة لا تتحدد لحظة إعلانها، بل لحظة اختبارها، وأن المشكلة لا تكمن فقط في التراجع عن معاهدة أو وعد بعينه، بل في تراكم أثر هذه الحالات داخل الذاكرة السياسية الدولية. فالطرف الذي بنى خياراته السياسية أو الأمنية على افتراض استمرار الالتزام الأميركي، ووجد نفسه أمام واقع مختلف عما كان ينوقعه عندما تبدلت الظروف أو الحسابات الاستراتيجية الأميركية، تُثار الذاكرة لديه مع كل استحقاق جديد. وتُستعاد المصداقية كمورد استراتيجي لا يقل أهمية عن القوة العسكرية أو الاقتصادية في تفسير أي التزام جديد وقدرته على الصمود أمام التحوّلات الداخلية والخارجية، وتحويله إلى ثقة سياسية طويلة الأمد. ومهما اختلفت الإدارات الأميركية وطبيعة الالتزامات وتباينت الظروف، يحضر الجدل حول مصداقية الولايات المتحدة والتزاماتها، وتصبح ثقة الدول والشعوب بها موضع اختبار جديد.
في ضوء هذا السجل التاريخي، يجب أن يُقرأ كل اتفاق مع أميركا أو برعايتها من منظور الذاكرة التاريخية المتراكمة. ثمة تساؤل مستمر حول حدود الالتزام الأميركي بأي اتفاق عندما تصبح المحافظة عليه أكثر كلفة من التخلي عنه، الأمر الذي يضع واشنطن أمام معضلة أكثر تعقيدًا لأنها تراهن بقوتها وقدرتها على فرض التوازنات وفق معادلتها. وهكذا تتحول المصداقية من عنصر معنوي في السياسة الدولية إلى متغير استراتيجي يؤثر مباشرة في حسابات الثقة والردع والتحالفات، وفي الطريقة التي تُستقبل بها الوعود الأميركية في الحاضر والمستقبل..
