اللبنانيون أسرى نبوءات الحرب.. قبل وقوعها!

تدخل الحرب إلى البيوت اللبنانية محمولةً على جملة: «الساعات المقبلة حاسمة». تضع الأم هاتفها قرب الوسادة، يحسب الأب ثمن الوقود، يتفقد شاب جواز سفره، وتبحث عائلة عن مكان يحمل أطفالها إلى الأمان. وفي الجهة الأخرى، ينتقل المحلل إلى موعده الإعلامي التالي، حاملاً ثقته ذاتها، وموعداً جديداً للانفجار. يتجدد الموعد على الشاشة، ويتراكم القلق المفتوح في البيوت.

في الخطاب الذي يربط التصعيد بين واشنطن وطهران باحتمال اتساع المواجهة إقليمياً، وصولاً إلى لبنان، تستحق طريقة إنتاج اليقين تدقيقاً يوازي تدقيق المعلومات نفسها. فبين عبارة سفير، وعنوان صحيفة، وتحرك عسكري، وتسريب دبلوماسي، تتشكل رواية عن حرب وشيكة. والسؤال يتعلق بمصدر تماسكها: أهو تعدد الأدلة المستقلة، أم اجتماع أصحاب التوقع الواحد حول الإشارات التي توافق توقعهم؟

يسمي علم النفس هذا الميل «الانحياز التوكيدي»: البحث عن المعلومات وانتقاؤها وتأويلها على نحو يدعم الاعتقاد السابق، مع منح الأدلة المخالفة وزناً أقل. وفي التحليل السياسي، يبدأ الخلل عندما تتحول فرضية الحرب إلى قناعة راسخة، ثم تُستدعى الوقائع تباعاً لتزكيتها. يصبح المحلل أسير النتيجة التي سبق أن أعلنها، وتتحول مهمته تدريجياً إلى الدفاع عن توقعه.

وفق هذا المنطق، يُقرأ التحرك العسكري باعتباره استعداداً للهجوم، والمفاوضات باعتبارها شراءً للوقت، والصمت باعتباره ستراً للتحضيرات، والتصريح الحاد باعتباره إعلاناً مبكراً للقرار. تستوعب الفرضية كل تطور، وتكتسب مع كل تأويل حصانة إضافية. ويصبح السؤال الذي يمتحن جودة التحليل واضحاً: أي تطور سيدفع صاحبه إلى خفض تقديره لاحتمال الحرب؟

تقتضي القراءة الاستراتيجية فهم الوظائف المتعددة للإشارة الواحدة. فقد يخدم الحشد العسكري الاستعداد للقتال، والضغط التفاوضي، وطمأنة الحلفاء، وردع الخصم، وقد يجمع بين هذه الوظائف. ويحتاج ترجيح إحداها إلى فحص حجم الانتشار وطبيعته، والمطالب المعلنة، وكلفة المواجهة، وقنوات الاتصال، ومسارات التسوية المتاحة. فالقوة العسكرية تدخل في صناعة الحرب، وتدخل أيضاً في صناعة شروط التفاوض.

والانتقال من احتمال مواجهة أميركية إيرانية إلى توقع اتساعها في المنطقة يحتاج إلى تحليل مستقل لكل ساحة. فامتداد المواجهة إلى لبنان يرتبط بقرارات أطراف متعددة، وحسابات الردع، وطبيعة الأهداف، وتسلسل الضربات والردود. وبين التصعيد المحدود والحرب الإقليمية سلسلة من القرارات والعتبات، تستحق كل حلقة فيها تقديراً خاصاً. أما جمع المنطقة كلها في توقع واحد، فيمنح العبارة قوة، ويختزل تعقيدها الاستراتيجي.

كذلك يستحق كلام السفراء قراءة تراعي موقع المتحدث ومصلحة دولته والجمهور المقصود برسالته. فالدبلوماسي يشارك في إدارة الأزمة، وقد يؤدي تصريحه وظيفة تحذيرية أو تفاوضية أو ردعية. وتحذير الرعايا إجراء احترازي يستحق الاهتمام، فيما يحتاج استنتاج توقيت الحرب منه إلى قرائن إضافية. أما العنوان الصحافي، فتُقاس قيمته بمصدره وتفاصيله ودرجة استقلاله عن الأخبار الأخرى.

قد تبدأ القصة بتسريب واحد، ثم تعبر صحفاً وقنوات وحسابات، وتعود إلى المحلل في هيئة «تقاطع معلومات». وعند تتبع أصلها، قد تظهر معلومة واحدة تتردد بأصوات متعددة. هنا تصبح استقلالية المصادر أثقل وزناً من عدد المنابر التي تناقلتها؛ فتعدد الناقلين يمنح الخبر انتشاراً، وتعدد المصادر المستقلة يمنحه سنداً.

ويضيف التكرار قوة أخرى إلى هذه الدائرة. فالعبارة التي تتردد بكثافة تكتسب ألفة قد تزيد إحساس المتلقي بصدقها. ومن هنا تستمد عبارة «الحرب قريبة» جانباً من سلطتها: يسمعها الناس صباحاً، ثم يقرؤونها ظهراً، ثم يتلقونها مساءً على لسان محلل آخر. ومع توالي تداولها، ينتقل السؤال لدى بعضهم من «ما احتمال وقوع الحرب؟» إلى «متى تقع؟». تصبح النتيجة مستقرة في الذهن، وينصرف القلق إلى تحديد موعدها.

تبدأ الكلفة الاجتماعية من هذه النقلة. فالأسرة تتلقى الاحتمال بوصفه سؤالاً عن السكن والدواء والمدرسة والعمل. وفي لبنان، تحمل أخبار التصعيد إلى كثير من البيوت ذاكرة النزوح والخسارة، فتغدو جملة عابرة على الشاشة سبباً لإعادة ترتيب يوم كامل. يؤجل صاحب متجر طلبية، وتراجع أسرة موعد سفر، وتنام أم على أهبة اتصال. هكذا يستهلك انتظار الحرب جزءاً من الحياة مقدّماً.

وفي هذا المناخ، قد يتغذى القلق من المتابعة، وتزداد المتابعة طلباً للطمأنينة، فيجد الإنسان نفسه داخل دائرة تستنزف انتباهه وأعصابه. يفتح هاتفه بحثاً عن خبر يحدد له ما يجري، فتستقبله مجموعة جديدة من الاحتمالات المصاغة بلهجة الحسم. يحمل الهاتف معه إلى الطعام والعمل والفراش، وترافقه المنطقة كلها إلى أكثر لحظاته خصوصية.

وتتغذى دائرة التهويل أحياناً من التقاء قناعة المحلل بمصلحة المنبر في لفت الانتباه وزيادة النقرات. يمنح التوقع الحاسم صاحبه حضوراً سريعاً، ويمنح القناة مادة قابلة للتداول، فيما يتحمل الجمهور كلفة الانتظار. وكلما انقضى موعد، أمكن فتح نافذة زمنية أخرى، وإضافة شرط جديد، واستئناف العد التنازلي. يتبدل التاريخ، وتبقى نبرة اليقين على حالها.

هنا تستحق صناعة التوقع مساءلة مهنية علنية. من يُحدّد موعداً للحرب مدعو إلى العودة إلى جمهوره وشرح ما تحقق، وما تغير، وكيف أعاد تقدير الأدلة. والمؤسسة الإعلامية مسؤولة عن التمييز بين المعلومة والاستنتاج، وعن سؤال ضيفها عن أسباب ثقته، والعوامل التي قد تدفعه إلى تعديل رأيه. فالمراجعة تمنح الخبرة معناها، وتربط المكانة المهنية بجودة التقدير.

إقرأ على موقع 180  كيف نملأ الفراغ بين "الحصرية".. والاستراتيجية الدفاعية؟

ويشمل هذا الواجب أيضاً أصحاب التطمينات القاطعة؛ فالانحياز التوكيدي قد يخدم قناعة التصعيد وقناعة التهدئة معاً. المعيار هو استعداد المحلل لمنح الأدلة المخالفة وزنها، وتحديث حكمه، والتعبير عن احتمال الخطأ بوضوح. وتزداد قيمة الخبرة بقدرة صاحبها على تعديل موقفه أمام معلومة جديدة.

التحليل المسؤول يمنح الناس معرفة تساعدهم على الاستعداد المتناسب مع الخطر. يشرح درجات الاحتمال وحدود المعلومات، ويميز القدرة العسكرية من قرار استخدامها، ويتابع عوامل التصعيد ومسارات التسوية بالجدية نفسها. وفي بلد يدفع أهله أثمان الحروب من أعمارهم وبيوتهم، تصبح الدقة واجباً عاماً، ويصبح الاقتصاد في الجزم احتراماً لحياة الناس.

للحرب المحتملة حقها في التقدير الجاد، وللناس حقهم في يوم يستطيعون عيشه. ومسؤولية الكلمة أن تصل بين الحقين: معرفة تعين على الاستعداد، ودقة تحفظ للناس قدرتهم على العمل والنوم ورعاية أطفالهم. فكل موعد يُعلن للحرب يدخل في حسابات البيوت. وعلى من يطلقه أن يتذكر أمّاً ستقضي ليلتها قرب الهاتف، وطفلاً سيسألها صباحاً عن سبب بقاء حقيبته عند الباب.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حرب أمريكية باردة مع الصين لا يمكن تجنبها