منذ تأسيس “دولة لبنان الكبير” عام 1920، مروراً بالاستقلال عام 1943، وصولاً إلى اتفاق الطائف عام 1989، لم تتشكّل الدولة كفضاء جامع للمواطنة بقدر ما تشكّلت كترتيب توافقي بين زعامات تمثّل الطوائف. في هذا السياق، لم يكن التنوع بحد ذاته هو المعضلة، بل الطريقة التي جرى من خلالها تحويله إلى أداة حكم. فالطائفية السياسية لم تعكس فقط انقساماً اجتماعياً، بل أدّت وظيفة تنظيمية للسلطة، إذ منحت النخب الطائفية حق النقض المتبادل، وكرّستها بوصفها الوسيط الإلزامي بين الدولة والمجتمع.
عندما وُقّع اتفاق الطائف، بدا وكأنه يشكّل لحظة انتقالية نحو مرحلة ما بعد الحرب، غير أنّ ما جرى فعلياً كان إعادة توزيع للصلاحيات داخل البنية نفسها. لم يُنتج الاتفاق نخباً سياسية جديدة، بل أعاد تدوير النخب القائمة ضمن شرعية دستورية جديدة، ما جعل التغيير شكلياً أكثر منه بنيوياً. هذه البنية تفسّر عدم قابلية النظام اللبناني للإصلاح من الداخل. فشرعيته تقوم على توازنات دقيقة، وأي محاولة لتعديلها تُقدَّم سريعاً بوصفها تهديداً للجماعات الطائفية. هنا، يتحوّل الإصلاح من مطلب عقلاني إلى “خطر” أو “تهديد محتمل”، ويُعاد تعريفه باعتباره اختلالاً في “الميثاقية”، ما يسهّل تعطيله أو إفراغه من مضمونه.
برغم حيوية الحياة السياسية اللبنانية على مستوى النقاش العام، سواء في المقاهي أو الجامعات أو الإعلام ووسائل التواصل، لم تُفضِ هذه الحيوية إلى تحوّل سياسي عميق. فالمشاركة الكلامية الكثيفة لم تتحوّل إلى قوة مؤسسية، بل أدّت، في كثير من الأحيان، دور التفريغ الرمزي للغضب. السلطة، في هذا السياق، تحتمل الكلام، لكنها تُقفل آليات التغيير، وهنا نستذكر القول الشهير للرئيس الدكتور سليم الحص: في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الديموقراطية
إلى جانب ذلك، لم تتشكّل الدولة اللبنانية كدولة رعاية اجتماعية حديثة، بل كدولة توزيع ريعي للمغانم عبر الزعماء. فالوظيفة العامة، والخدمات الصحية، وفرص العمل، وحتى المساعدات الاجتماعية، تمرّ في الغالب عبر قنوات حزبية وطائفية. في هذا النمط، يصبح الولاء السياسي مرتبطاً بالحاجة الاقتصادية، ويتحوّل الزعيم إلى بديل عملي عن الدولة، لا سيما في غياب سياسات حكومية اجتماعية شاملة.
ضمن هذا الإطار، لا يعود الشارع فضاءً مستقلاً للاحتجاج المستدام، بل يصبح قابلاً للاستدعاء والتعبئة وفق حسابات سياسية محددة. ومع ذلك، شهد لبنان محطات حاول فيها الشارع كسر هذا النمط. شكّلت انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تجاوزت الخطاب الطائفي التقليدي وطرحت مطالب اجتماعية وسياسية جامعة. غير أنّ النظام الطائفي استطاع امتصاص هذه اللحظة التاريخية عبر ثلاث آليات متداخلة: إعادة تفسير الحراك طائفياً؛ تفكيكه تنظيمياً عبر منع تشكّل قيادة موحّدة، وترك الانهيار الاقتصادي يتفاقم بما أدى إلى دفع الجمهور للجوء إلى شبكات الأمان الطائفية.
تُظهر هذه التجربة أنّ قوة النظام اللبناني لا تكمن في استقراره، بل في قدرته على “العيش والتعايش مع الأزمات”، فالانهيار لا يُتم التعامل معه بوصفه إخفاقاً يستدعي إصلاحاً جذرياً، بل كأداة لإعادة ضبط المجتمع وإعادة ربطه بالزعامات التقليدية وترويضه إلى حد التكيف مع الأزمات وهل هناك أزمة أفدح من سرقة ودائع اللبنانيين؟ هنا، يتحوّل الخوف من الفوضى إلى عنصر أساسي في إعادة إنتاج الشرعية المشكو منها والمسؤولة عن المصائب والنكبات التي تحل بالجماعات اللبنانية.
ولم تكن النقابات، تاريخياً، بمنأى عن هذا المسار. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شكّلت فضاءً عابراً للطوائف، كما في تجربة الاتحاد العمالي العام. غير أنّ الحرب الأهلية وما تلاها أدّيا إلى إخضاعها لمنطق المحاصصة والتفريخ والتفريغ، ففقدت استقلاليتها وتحولت قياداتها إلى صدى للتوازنات السياسية والطائفية القائمة. أما الأحزاب، فغالباً ما تحوّلت إلى ملكيات سياسية شبه عائلية، تفتقر للحوار وإلى الحدود الدنيا من الحياة الحزبية السليمة، ما أضعف قدرتها على إنتاج نخب بديلة.
في المقابل، لم تنجح الأحزاب العقائدية العابرة للطوائف في اختراق البنية الاجتماعية العميقة للنظام، إمّا بسبب محدودية انتشارها، أو بسبب انخراطها التدريجي في لعبة السلطة نفسها أو بسبب التشوهات الطائفية والمذهبية التي اصابت معظمها. بذلك، ظلّ المجتمع المدني مفككاً، عاجزاً عن تشكيل كتلة ضغط مستقلة قادرة على فرض تغيير مستدام.
وبرغم حيوية الحياة السياسية اللبنانية على مستوى النقاش العام، سواء في المقاهي أو الجامعات أو الإعلام ووسائل التواصل، لم تُفضِ هذه الحيوية إلى تحوّل سياسي عميق. فالمشاركة الكلامية الكثيفة لم تتحوّل إلى قوة مؤسسية، بل أدّت، في كثير من الأحيان، دور التفريغ الرمزي للغضب. السلطة، في هذا السياق، تحتمل الكلام، لكنها تُقفل آليات التغيير، وهنا نستذكر القول الشهير للرئيس الدكتور سليم الحص: في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الديموقراطية.
خلاصة القول؛ أبواب التغيير في لبنان ما زالت مقفلة أو مؤجلة، في انتظار أن تتكوّن كتلة تاريخية قادرة على تحويل النقاش العام إلى قوة مؤسسية منظمة، تتجاوز الطوائف من دون إنكار الواقع الاجتماعي، وتعيد تعريف السياسة بوصفها إدارة للمصلحة العامة لا ساحة لتقاسم الحصص. السؤال لم يعد ما إذا كان اللبنانيون قادرين على النقاش السياسي، فهم يمارسونه بكثافة، بل ما إذا كانوا قادرين على تحويل هذا النقاش إلى فعل تغييري مستدام.
