نحتاج أن نصفّق لهم

يعلو التصفيق، أسمعه من خلف النافذة، أسمعه في معظم الشوارع والمدن. أشمه حتى، كأن لهذا التصفيق رائحة جميلة، كرائحة الشمس، كرائحة الربيع، كرائحة الحياة.

يعلو التصفيق، نصفق جميعا، في معظم انحاء العالم، تقديرا وتشجيعا لجهود وتضحيات الممرضات والممرضين، الطبيبات والأطباء، جميع العاملات والعاملين في القطاع الصحي، الذين يبذلون التضحيات في سبيل انقاذ المرضى والأفراد في مختلف أنحاء العالم.

وهم يعملون، ويتعرّضون للمخاطر، وهم يتعبون، وهم يسهرون، وهم يتحمّلون الضغط النفسي والجسدي، وهم يقلقون بالنسبة الى عائلاتهم وأولادهم وذويهم، وهم يحاولون التخفيف عن أوجاعنا، وانقاذنا من الموت، يقولون لنا، نحن الذين نصفّق من خلف النوافذ والشبابيك والشرفات، ونحاول ان نلتقط نسمة أو بسمة أو هواء، انه يمكن انقاذ الحياة، وان الأشخاص الذين يضحون من أجل انقاذ الآخرين ما زالوا موجودين، وما زالوا هنا، وان كنا قد ظننا لوهلة اننا نعيش في عالم انفرادي، وانعزالي، وغير إنساني.

ونحن نصفّق من خلف النوافذ والشبابيك، نتذكر انسانيتنا، ما هو عميق ومتجذر فينا، ما هو جميل فينا، ما هو حيّ. ربما نحتاج لفعل التصفيق، لنكمش بين ايدينا انسانيتنا، لنلتقط بين ايدينا وجعنا، خوفنا من الموت واملنا في الحياة، فنلتقط هذا الأمل، ونوزعه بيننا، ونهبه للريح فننشره، ونصفق كثيرا نحن الذين ظننا ان العوالم التي نعيش فيها متوحشة، وجشعة، وفردية.

سنصفّق جميعا لجميع العاملين والعاملات في القطاع الطبي، لجميع الطبيبات والأطباء، لجميع الممرضين والممرضات، لجميع من يضحوا في هذه الأوقات، من دون ان ننتبه لهم، أو نعرفهم، أو نتذكرهم، ليس لكي نشكرهم، أو نشجعهم فحسب، بل لأنهم يقولون لنا الكثير، عن أفرادنا، وانسانيتنا

وهم يلتزمون أخلاقيات مهنتهم، وآداب رسالتهم، وهم ينغمسون في معالجة الأفراد والاشخاص المصابين بفيروس كورونا، يذكروننا نحن الذين نلتزم منازلنا وبيوتنا، ان الالتزام الانساني فعل جميل، أو ربما أكثر رهيب (فيه شيء من الرهبة)، ولهذا نصفّق، لا نحتمل هذه الرهبة، هي أكبر منا، نحتاج أن نصفق، أن نحدث صوتا قويا، متطايرا، جماعيا، لأن الفعل جميل، لا نستطيع ان نتحمله وحدنا، في بيتنا، نرغب في ان نصفق ونصفق.

وهم عائدون الى منازلهم، وبعد معاركهم الطويلة والصعبة، وآثار الندوب على وجوههم، ندوب الكمامات التي وضعوها لفترة طويلة، نصفق، نحتاج أن نصفق، خوفا من ان تنهمر دموعنا ألما أو أملا او خشوعا. نخشع لهذه الندوب التاريخية، التي سيتذكرها التاريخ. هي ليست جروحا، ولا آثار تعذيب، ولا لكمة، ولا تعثر في غصن شجرة، هي أثر حي أليم وجميل. وفي بعض الاحيان، ندوب الألم فيها من الجمال الموجع الذي يجعلنا نصفق، نحتاج أن نصفق، نحن الذين نخاف على بشرتنا، وعلى ملامح وجوهنا، وندقق في الخطوط التي تلف عيوننا، نحتاج أن نصفق عميقا وكثيرا. ربما نرغب في ان نطبع شيئا، من كلّ هذا، على ايايدينا، فنصفق.

أسمع هذا التصفيق، اشمه ربّما. فيه شيء من الحياة في معركة مع الموت. سنصفق جميعا لجميع العاملين والعاملات في القطاع الطبي، لجميع الطبيبات والأطباء، لجميع الممرضين والممرضات، لجميع من يضحوا في هذه الأوقات، من دون ان ننتبه لهم، أو نعرفهم، أو نتذكرهم، ليس لكي نشكرهم، أو نشجعهم فحسب، بل لأنهم يقولون لنا الكثير، عن أفرادنا، وانسانيتنا، وهذا الكثير، لا قدرة لأجسادنا المنزوية في البيت أن تتحمله، يؤلمها ربما، فنحتاج أن نصفق، لكي ننشر ما هو جميل، وانساني، و”رهيب” (من الرهبة).

ملاك مكي

طالبة دكتوراه بالصحافة في جامعة باريس ديكارت

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course