من يملك قرار الحرب؟ الحكومة اللبنانية تواجه سؤال السلاح والسيادة

هل تعكس الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء اللبناني في 2 آذار/مارس 2026 محاولة جدّية لإعادة الإمساك بقرار الدولة في لحظة انزلاق أمني خطير، أم أنها استجابة اضطرارية لاحتواء تداعيات تصعيد فُرض على الداخل اللبناني من خارج آلياته الدستورية؟

عندما ينعقد مجلس الوزراء اللبناني على وقع صواريخ أُطلقت من الجنوب تبعتها غارات إسرائيلية أوقعت عشرات الضحايا ولامست مناطق حساسة سياسياً وديموغرافياً، يصبح السؤال الجوهري هو: من يملك حق تقرير السلم والحرب، وكيف يُصان هذا الحق في نظام سياسي تعددي معقّد قام أساساً على مبدأ التوازن والتسويات؟

أليست هذه اللحظة اختباراً عملياً لمفهوم السيادة كما نصّ عليه الدستور في لبنان، لا بوصفه شعاراً بل كآلية عمل يومية تحكم مؤسسات الدولة؟ وإذا كان الدستور يمنح السلطة التنفيذية مجتمعة صلاحية تقرير السياسات العامّة، فهل يعني أي فعل عسكري خارج قرارها أن ثمة خللاً بنيوياً في توزيع القوة داخل النظام؟ وكيف يمكن تصحيح هذا الخلل من دون زعزعة الاستقرار الداخلي أو دفع البلاد إلى مواجهة مفتوحة بين مكوناتها؟

وحين يصدر موقف رسمي يصف إطلاق الصواريخ من جنوب نهر الليطاني بأنه “عمل غير مسؤول” يُهدّد أمن البلاد ويمنح ذريعة لمزيد من الاعتداءات، فهل يُفهم ذلك على أنه تثبيت واضح لمبدأ حصرية قرار استخدام القوة بيد الدولة؟ أم أنه تعبير سياسي يهدف إلى تسجيل موقف أمام المجتمع الدولي والرأي العام، من دون أن يواكبه مسار تنفيذي واضح يعيد رسم حدود الفعل المسلح؟ وإذا كان التشديد قد تكرّر على رفض جرّ البلاد إلى “مغامرات جديدة”، فهل يكفي إعلان الرفض في بيئة إقليمية شديدة التقلب، أم أن المطلوب أدوات ردع داخلية تضمن عدم تكرار ما حدث؟

وعندما يعترض وزيرا حزب الله على مقررات مجلس الوزراء ويتهم رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد رئيس الحكومة نواف سلام هو وحكومته باتخاذ “قرارات عنترية” و”بخرق السلم الذي تنكر له العدو”، وفي المقابل، عندما يتبنى وزيرا حركة أمل ما صدر عن مجلس الوزراء، فإن مشهداً جديداً يتبدى جوهره تعبير رئيس مجلس النواب نبيه بري عن حرصه على عدم مغادرة شبه الاجماع اللبناني والعربي، في سياق يعتبر أنه وحده الكفيل بحماية جماعته.. ولو حصل ذلك على حساب وحدة الموقف الشيعي تكتيكياً. هذا المسار يحتاج إلى رصد من زاوية التمايز الذي يُمكن أن يتسع أو يضيق تبعاً لتدحرج ملف العدوان الإسرائيلي بكل أبعاده العسكرية والأمنية والسياسية والاجتماعية ولا سيما ما يتصل بملف النزوح الذي يُقاربه رئيس المجلس بلغة أقرب ما تكون قادرة على فهم حساسيات الواقع اللبناني وتعقيدات المشهد الإقليمي.

ثم، كيف يمكن قراءة موقف الحكومة اللبنانية في ضوء المعادلة الإقليمية الأوسع؟ أليس لبنان جزءاً من توازنات تتجاوز ساحته الجغرافية الضيقة؟ وإذا كان أي تصعيد على حدوده الجنوبية يحمل رسائل إقليمية، فهل تملك الحكومة القدرة على عزل الداخل عن صراعات المحيط، أم أن الجغرافيا السياسية تجعل هذا الفصل شبه مستحيل؟ وكيف يمكن للدولة أن تحصّن قرارها الوطني من الارتدادات الإقليمية من دون أن تدخل في عزلة أو مواجهة غير محسوبة؟

الكلفة الواقعية

أما ما تردد عن قرارٍ بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لجهة غير خاضعة مباشرة لسلطة الدولة، والدعوة إلى تسليم السلاح للمؤسسات الرسمية، فهل يمثل ذلك تحوّلاً نوعياً في مقاربة ملف السلاح خارج الإطار الشرعي؟ أم أن الإعلان، في حال ثبوته، يبقى خطوة سياسية تعكس سقفاً تفاوضياً أكثر مما تعكس خطة تنفيذية جاهزة؟ وكيف يمكن الانتقال من منطق “إدارة الازدواجية” بين الدولة والسلاح غير الرسمي إلى منطق “الحصرية الكاملة” من دون المرور بمرحلة انتقالية واضحة المعالم؟

أليس السؤال الأكثر حساسية هو: ما هي الكلفة الواقعية لأي مسار لنزع السلاح أو ضبطه؟ هل ستكون كلفة سياسية تُدفع عبر إعادة تشكيل التحالفات الداخلية؟ أم كلفة أمنية قد تظهر في شكل توترات ميدانية؟ أم كلفة اجتماعية في بيئات ترى في هذا السلاح ضمانة أمنية؟ وكيف يمكن بناء سردية وطنية جامعة تُعيد تعريف مفهوم الحماية والأمن بحيث يصبح احتكار الدولة للسلاح عنصر طمأنينة لا مصدر قلق؟

وعندما يُكلَّف الجيش بتنفيذ خطة لنزع السلاح شمال نهر الليطاني، فهل يُقصد بذلك توسيع نطاق بسط سلطة الدولة انسجاماً مع التزامات دولية سابقة، أم إعادة رسم خطوط تماس داخلية بطريقة أكثر انضباطاً؟ وهل يمتلك الجيش، بما لديه من رصيد وطني، الإمكانات اللوجستية والغطاء السياسي والمالي الكافي للقيام بمهمة دقيقة تتطلب جهوزية عالية وتنسيقاً داخلياً وخارجياً؟ وإذا وُضع في موقع تنفيذ قرار خلافي، فكيف يمكن تحييده عن التجاذبات ومنع استنزافه معنوياً أو ميدانياً؟

ثم، كيف ستتفاعل المجتمعات المحلية مع أي انتشار أو إجراءات ميدانية جديدة؟ هل ستُقرأ كخطوة طبيعية نحو تعزيز سلطة الدولة وحماية السكان من تداعيات التصعيد، أم كمحاولة لإعادة ترتيب توازنات قائمة منذ سنوات؟ وهل تستطيع الحكومة مواكبة أي خطة أمنية بخطاب تواصلي شفّاف يشرح أهدافها ويطمئن مختلف الفئات إلى أنها لا تستهدف أحداً بل تسعى إلى تثبيت الاستقرار؟

إقرأ على موقع 180  أناقة الموت وعبثية حياةٍ لا تستحق حتى.. اسمها!

مساءلة.. أم سجال سياسي؟

وفيما يتعلق بالإجراءات القضائية والأمنية لملاحقة المسؤولين عن إطلاق الصواريخ، هل يشكّل ذلك مدخلاً فعلياً لترسيخ مبدأ المساءلة في قضايا تمُّس الأمن القومي، أم أن الملف سيتحول إلى مادة سجال سياسي؟ وهل يمكن للمؤسسات القضائية أن تتحرك باستقلالية كاملة في قضية تتداخل فيها اعتبارات أمنية وسياسية؟ وكيف يمكن ضمان أن تكون أي ملاحقة مبنية على أدلة واضحة وإجراءات قانونية سليمة، بحيث لا تتحول العدالة إلى أداة تجاذب؟

وفي خلفية كل ذلك، هل تمثل هذه الجلسة بداية مسار لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وأي قوة مسلحة خارج إطارها، وفق رؤية تدريجية تُعيد دمج كل عناصر القوة ضمن المؤسسات الشرعية؟ أم أنها حلقة ضمن إدارة أزمة آنية هدفها منع توسع المواجهة مع الخارج وشراء الوقت بانتظار اتضاح صورة إقليمية أشمل؟ وهل يملك لبنان، في ظلّ أزماته الاقتصادية والمالية والاجتماعية العميقة، هامشاً لتحمل تداعيات صراع داخلي حول هذا الملف، أم أن الأولوية ستبقى لتفادي الانهيار الشامل حتى لو أُجّلت المعالجة البنيوية؟

أخيراً، هل تفتح مقررات الثاني من آذار/مارس نافذة لإعادة تثبيت قواعد واضحة تحكم القرار الأمني والعسكري، بحيث يصبح أي استخدام للقوة خاضعاً حصراً لمؤسسات الدولة ورقابتها؟ أم أن تعقيدات الواقع اللبناني، بتشابكاته الداخلية والإقليمية، ستجعل من هذه اللحظة محطة أخرى في مسار طويل من إدارة التوازنات الدقيقة بين السيادة والاستقرار؟ وهل يكون التحدي الحقيقي ليس في إصدار القرارات، بل في القدرة على تحويلها إلى مسار مُستدام يُعيد تعريف الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للعنف المشروع، ويحمي في الوقت نفسه السلم الأهلي الهشّ؟

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ألعاب خطرة على حافة النار