“السخرية السوداء” في مواجهة “الموت الأسود”

"يجوز للمؤمنين العطْس في وجه الكَفَرة، فهذا ما يُعرَف بجهاد الكورونا"؛ "سوريا تعلن عن سبع إصابات بفيروس الكورونا بينهم خمسون قتيلاً"؛ "إذا كنتَ في منزلك ولاحظت بعد خمسة أيام بعض علامات الإخضرار على جسدك، فلا داعي للهلع.. هذا عفن"؛ "يا إلهي هذه الدنيا دولاب، صرْنا نحن الثوار في البيت وصار الجيش هو مَن يقطع الطريق!"؛ "لجنة الأطباء في التيار الوطني الحرّ: كنّا بصدد اكتشاف لقاح للكورونا...لكن لم يسمحوا لنا"؛ "سؤال قانوني: إذا زارني في هذه الفترة أحدهم فعاجلتُه بإطلاق الرصاص عليه، هل يُعتبَر ذلك دفاعاً عن النفس؟"... عيّنةٌ من مئات التعليقات التي تغزو هواتف اللبنانيّين، ليل نهار. فالناس الذين ملؤوا ساحات الثورة بالأمس، يلتزمون بيوتهم اليوم، بعدما غادروا، كُرمى لوباء الكورونا، كلّ نشاطٍ اجتماعي وفردي. ومع بطالتهم "المقنَّعة"، لم يجد المحجور عليهم إلاّ السخرية والتهكّم، على حالهم وحال غيرهم، سلاحاً في معركة التصدّي والمواجهة لنكباتهم المتوالدة، طبيعيّاً وقيصريّاً. لماذا وكيف ومتى تسخر الناس من البلوى؟

أذكر أنّ أكثر شيء كان يُحسِّسني بغربتي في فرنسا، هو الاختلاف الكبير، بين أصدقائي الفرنسيّين وبيني، حيال “الضحك”؛ فغالباً ما كنتُ أعجز عن مجرّد الابتسام على نكاتهم وأسلوبهم في السخرية، بينما لم يكونوا يفهمون، هم أيضاً، لماذا أقهقه، مثلاً، على بعض التعليقات التي لا تُضحِكهم!

كانت تستوقفني كثيراً هذه المفارقة، وتعيد إلى ذاكرتي كلّ السجالات المفاهيمية حول الاختلاف والتمايز بين ثقافات الشعوب. فالسخرية، التي يشارك في صنعها الأفراد والجماعات، إنّما هي أحد الأشكال الثقافية للتجربة الفردية، وأحد أنواع التفاعل الاجتماعي في تظهير ثقافة الإنسان. هذه الثقافة التي تعني، تاريخ الإنسان المتراكم عبر الأجيال من المعرفة، والعقائد، والقيم، والعادات، وردود الأفعال، وألوان السلوك.

ومن هذا المنطلق، لا تعود السخرية عاملاً لتظهير حالة الفرح والمرح والمزاح والهزء والتهكّم و….، فحسب، بل هي تتكفّل، غالباً، بصوْغ رسالةٍ اجتماعية يفعّلها الإنسان، من خلال أحاسيسه، لاكتشاف مواضع الألم والتنقيب عليها. من هنا، تقدّم “السخرية السوداء”، كما نسمّيها، صورة هجائية للجوانب القبيحة والسلبية للحياة، ولعيوب الأفراد ومساوئهم (ولا سيّما عندما يكونون في موقع المسؤولية)، ولمفاسد المجتمعات وحيثياتها المُرّة. صحيحٌ أنّ التطوّر التكنولوجي ساعد كثيراً في “فبركة” النكات وضخّها في الوسائط الرقمية، إلاّ أنّ الكتابة الساخرة لها امتداداتٌ بعيدة جداً في تاريخ الشعوب، فيُقال إنّها تعود إلى أيام المصريّين القدامى الذين سجّلوا السخرية في رسوماتهم وكلماتهم، وحفروها على جدران معابدهم (ظُرْف المصريّين أزليّ كما يبدو).

وحضرت السخرية، بثبات، في ثقافتنا العربية وموروثنا الشعبي، وتناقلتها الأمم وتوارثتها الأجيال من خلال الرواية والشعر والأغنية والسينما والمسلسلات والبرامج التلفزيونية والمسرح (ولا سيما ما يُعرِف اليوم بـ st.up comedy). وفي أيامنا هذه، تنشط العديد من المواقع الإلكترونية في تقديم أخبار ساخرة (غالباً غير دقيقة)، وتبالغ، من خلال رسائل وتغريدات وبوستات وهاشتاغات وأشعار وتعليقات وتوقّعات وصور مركّبة وخيالية ومقاطع فيديو…، في سخريتها من الواقع السياسي والاجتماعي للناس، ومن أداء الطبقات السياسية الحاكمة، هنا وهناك، ومن العادات والتقاليد والكليشيهات المنتشرة، في هذه المنطقة أو تلك.

فالسخرية تعني البكاء بقهقهة الضحك، وهي، في بعض تعريفاتها، اللغة التي تنطق بها الغالبية الصامتة من الناس، انتقاداً وتهجّماً على الظلم الاجتماعي والإدارة السيئة للمسؤولين والقمع الفكري والتعبيري للشعوب. طوال مسار البشرية، جُوبه الضحك والكوميديا بالبطش، لذا لجأ بعض الكتّاب إلى السخرية، أسلوباً رمزياً مبطّناً في كتاباتهم، يعبّرون من خلالها عمّا كان ممنوعاً عليهم قوله. ورغم هذا الشكل للتهرّب من محاكمة رجال السلطة، إلاّ أنّهم تعرّضوا لمضايقاتٍ وصلت، أحياناً، إلى حدِّ النفي أو القتل، على يدّ الحكّام الديكتاتوريّين في العالم، مثلما حدث، تحديداً، في عهد النازية في ألمانيا. ماذا عن سخريتنا السوداء في زمن النسخة الجديدة لـ”الموت الأسود” (لقب وباء الطاعون الذي انتشر في القرن الرابع عشر)؟

السخرية الأزماتية الراهنة، إذا جاز التوصيف، ليست بدعة لبنانية، بطبيعة الحال، لكنّ أهل بلاد الأرز أتقنوها وطوّعوها وطبّعوها بطابعهم، بعدما تفرّغوا “للفكاهة” في زمن فوبيا الكورونا

منذ شهر تماماً، تفشّت في لبنان حمّى السخرية السوداء واجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، بشكلٍ غير مسبوق، وقد يفسِّر البعض ذلك، ربّما، بالخبرة الواسعة التي اكتسبها اللبنانيون في مجال الأزمات ونكبات الدهر. وهذه السخرية الأزماتية الراهنة، إذا جاز التوصيف، ليست بدعة لبنانية، بطبيعة الحال، لكنّ أهل بلاد الأرز أتقنوها وطوّعوها وطبّعوها بطابعهم، بعدما تفرّغوا “للفكاهة” في زمن فوبيا الكورونا. فلقد أسقطوها، مع بعض التعديلات في تحديث النصوص وتوليفها وإخراجها، على معظم بلاويهم السابقة والمتجدّدة والمنتظرة في قابلِ الأيام (حروبهم الأهلية وغير الأهلية، اللاجئون والنازحون، الفساد، الكهرباء، النفايات، غلاء المعيشة، البطالة، الإفلاس، فيضانات الشوارع والمياه المقطوعة، …إلخ). اعتبروا أنّه، وطالما أنّ كلّ فرص الاستثمارات انقرضت في البلد، فلماذا لا يستثمرون الطرفة والضحك في العملية النقدية، بمعيارية مفارقاتية تقدّم النقد الموجع واللاذع في قالب فكاهي؟

صحيحٌ أنّ السخرية تُعتَبَر أحد أشكال العنف اللفظي، لكنّها تُعتَبَر، أيضاً، من أرقى أنواع الفكاهة، لما تحتاجه النكتة من ذكاء وحذاقة ومهارة في إيصال الأفكار إلى غايتها في التأثير، بواسطة محمولاتٍ لفظية تدلّل إلى نقدٍ أو موقفٍ سياسي أو إيديولوجي، قد تكون أفعل بكثير من مقالةٍ صحفية جادّة ورزينة. ولكن، لماذا تسخر الناس، بعامّة، من أزماتها ومشاكلها؟ وما هي أسباب شيوع هذا المنسوب العالي من النكات؟ هل هو لإيصال الرأي من خلال النكتة، أم محاولة لتمويه هذا الرأي من موقفٍ أو إجراءٍ ما؟ هل هو عدم الخوف من المشكلة أم أسلوبٌ لتصريف الخوف؟

“إذا رأيتَ الناس تُكثِر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أنّ الفقر قد أقبع عليهم… وهُم قوْم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمَن يُساق إلى الموت وهو مخمور”، هكذا يقدِّر “أبو علم الاجتماع” ابن خلدون خلفيّة هذه الظاهرة الاجتماعية في مقدّمته الشهيرة قبل ستة قرون. وبعده، حاولتْ عشرات النظريات العلمية (ولا تزال) تفسير استيقاظ حسّ الدعابة والفكاهة لدى الجماعات المأزومة، والوقوف على أسباب ردّات فعل الأفراد المتهكّمة على واقعهم. كابد العلماء والمفكّرون، كي يفهموا دوافع هذا النوع من السلوكيات الذي ينشط في موسم الأزمات والنكبات والكوارث، ومدى علاقته بالعوامل المحيطة والمؤثِّرة بمواقف الناس “الهازئة” من أحداثٍ مؤلمة ومؤذية و… قاتلة، أحياناً.

يرى علم الاجتماع (الإنتروبولوجيا تحديداً) إلى السخرية، كآلية “إسقاط” نفسية يستخدمها الإنسان بطريقة لاشعورية كي يحمي بها نفسه، ويقوم عبرها بإلصاق العيوب والنواقص والرغبات المستهجَنة بالآخرين المسؤولين (برأيه) عن همومه وآلامه ومشاكله وأزماته. كما ويُعتَبَر التهكّم، أسلوب لومٍ “للآخر” على ما فشل الفرد في تحقيقه أو في إيجاد حلٍّ له، بسبب ما وُضِع (ويوضع) أمامه من عقبات، وما يقع فيه من زلّات وأخطاء. وفي حين وصف أحدُ أبرز المفكّرين في تاريخ الفكر الحديث الفيلسوف الألماني فرديريك نيتشه النكتة “بأنّها سخرية من موت الشعور”، أسهب العالم النفسي الشهير سيغموند فرويد (في كتابه “علاقة النكتة باللاشعور”) في تفنيد أنواع النكات ووظائفها المختلفة. فقد ركّز، مثلاً، على أثرها العميق في النفس وقدرتها على كشف الأفكار الحقيقية للإنسان من دون قصد منه، وشخّصها وسيلةً للتخفيف من التوتّر النفسي والتقليل من الخوف وتخفيف الضغط (على أنواعه ومصادره) عن طريق الضحك وإضحاك الناس. وفي مثل هكذا أوضاع مفاجئة (اجتياح الكورونا)، تساعد السخرية في التخفيف من هوْل المشهد أو الموقف الذي يواجهه اللبنانيون، ومن حدّة الأزمة التي يمرّون بها، عبر اللجوء إلى ما يُعرف في علم النفس بـ”آليات الدفاع”، والتهكّم يمثّل إحدى هذه الآليات. إذْ تنتج أهمية السخرية، أساساً، من كونها وسيلة دفاعية تجعل البشر يحاربون اليأس بالدعابة، ويواجهون خطر النهايات بأسلوبٍ تهكّمي، لتحويل الأنظار عن الواقع المأزوم وأخْذه باتجاهٍ آخر. وسخرية اللبنانيّين التي نحن بصدد مقاربة تجلّياتها في يوميات نكبة الكورونا المستوردة (بخلاف نكباتهم الأخرى)، إنّما تحاول جاهدةً أن تعبِّر، تحديداً، عن شدّة قلقهم وخوفهم من الوباء (أو الجائحة بحسب المصطلح الجديد عليّ)، وعن عمق لاثقتهم ويأسهم من العجز المعهود والمتأصّل لدى زمرة “مَن وُلِّيوا عليهم” في مواجهة ومعالجة أزماتهم الفردية والجماعية. ماذا بعد؟

قال الكاتب الإيرلندي الشهير جورج برناردشو، ذات مرّة: “لكي يُسمَع ما أقول، اضطررتُ إلى أن أتكلّم على نحوٍ يجعل الناس يتصوّرون أنّني مجنون. فالمجنون يسمحُ له الناس بالحقوق والحريات التي يتمتّع بها مهرِّج البلاط”. إقتضى الجنون والسخرية في زمن الجائحة.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course