وإن غداً فيروسياً ينتظرنا من جديد

كادت الحرب الكونية أن تشتعل وقد تهيأت لها كل الظروف والأسباب، وها هو فيروس كورونا يطل علينا وبأمر من صانع هذا الكون لكي ينقذنا منها. نعم وقد فعل ذلك بجدارة وسيذكر تاريخ الحروب كيف توقف اندلاع أعنف حرب بين البشر.

لنتذكر ما مضى، وليس ببعيد، من حرائق وفيضانات واعاصير وبراكين وذبح لأطفال وشيوخ ودهس لمارة وعابري سبيل.

رب قائل أن هذا يحصل هناك. بعيدا عنا.. وقريبا من شاشات هواتفنا!

فجأة ظهر هذا المارد الصغير الحجم، والاصح اللامرئي بالعين المجردة، وقد اقترب من كل واحد منا. الملوك والأمراء والجبابرة والعظماء والبسطاء والفقراء. هو كالظل الملازم لهؤلاء جميعاً.

هناك لم تعد هناك، بل اقتربت أكثر فأكثر لتصبح هنا هنا!

هو هنا وهو هذا الواقع المتناهي الصغر ولكنه الكبير في مفاعيله من خوف وذعر وقلق وموت وأسئلة لا متناهية.

يمكنه أن يسبب أزمة ويطيح بانجازات قرون عدة من التطور والتقدم الهائل وأن يشكل تهديدا لحياة كوكب بأسره في أية لحظة.

كل فيروس يثير فينا الهلع وما أكثرها من فيروسات وقد فعلت ذلك، فحياته هي تحويل لحياة الآخرين. هو دليل أن الحياة التي نعتبرها ملكا لنا لم تعد كذلك ويمكن في أي لحظة  أن يستأجرها فيروس أو ميكروب قادم من عالم قد لوثناه وقضينا على مخلوقاته نتيجة اوساخنا واطماعنا ومشاريعنا وجبروتنا بحيث أننا دمرنا ما يسمى بكل أدب:”التوازن البيئي”!

فعلها الكورونا بعد أن استقر في حياتنا وأصبح سيدها.

هو هذا التغير وقد ارهقنا ثابت أمرنا والثابت فيه أننا أسرى كل شيء إلا بيوتنا.

علمنا بأن نعود إلى غرفنا بعد أن تهنا خارجها ونحن نلهث وراء مشاريعنا الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، فكل حياتنا ركض بركض كما ندعي وبصراحة..

انه طيب وعلينا أن نشكره لأنه اعادنا إلى المربع الأول. إلى مطابخ بيوتنا ووجوه أطفالنا وجدران طفولتنا.

اعادنا إلى عادات وتقاليد قد نسيناها والى تحضير قهوة الصباح أو فنجان الشاي بأيدينا وقد نسينا ذلك لأننا نهرب صباحا إلى أقرب اكسبرس ليمدنا بمشروب بلا نفس أو رائحة

نحن من يقضي نصف عمره حتى يبني بيتا لكي يراه الآخر من الخارج وقد زينّاه بكل ما استطعنا واستعنا بكل مهندسي الديكور والاثاث المنزلي لكي تنزل صوره على شاشات الآخر!

اعادنا إلى عادات وتقاليد قد نسيناها والى تحضير قهوة الصباح أو فنجان الشاي بأيدينا وقد نسينا ذلك لأننا نهرب صباحا إلى أقرب اكسبرس ليمدنا بمشروب بلا نفس أو رائحة! صرنا عبيداً لسيارات وأملاك وعقارات لن يقترب منها هذا المرض الحميد.

نعمل ليل نهار ولا داعي لذكر الحلال والحرام بقدر ما أننا نقدم للآخر أكثر مما نقدم لذواتنا.

الآخر ينتظرنا بفارغ الصبر. الآخر هو الإستهلاك. المطاعم وشركات التأمين والسفر ومراكز التجميل واللياقات، ودعك من نواد رياضية وغير رياضية.

جاء كورونا ليعلمنا ألا نقيس قوتنا بموازين التطور التكنولوجي وجاء ليكسر نرجسيتنا وقد أطلنا في تأمل غطرستنا.

جاء ليسخر منا جميعا، من انظمتنا المستبدة ومن قيود فرضتها على شعوبنا وليسخر من أنظمة مستكبرة فرضت حصارا وعقوبات على شعوب تنتمي إلى التركيبة الجينية نفسها.

جاء الكورونا ليساعدنا في التحرر بشكل من الأشكال من قيود فرضناها على أنفسنا قبل أي شيء آخر، وأهمها هو الاستهلاك وقد طوقنا بكل ما يملك من قوة وقدرة وفعل كل ذلك بملء رغبتنا وارادتنا.

اللحظة اللحظة الراهنة إن لم نقبض عليها ستفلت منا إلى الأبد وإن غداً فيروسياً ينتظرنا من جديد.

نصف سكان العالم يعيشون بأقل من دولار يوميا وثلث سكان الكوكب لا تتوفر لهم أقل الحقوق من مياه صالحة للشرب أو دواء يشفيهم من أمراض الفقر كالسل وغيره من الأمراض المعدية، ورب سائل فيروسي يتساءل إن لم يكن الآن فسيكون غدا بالتأكيد.

بتنا أسرى داخل شرنقة الكراهية والأنانية والغطرسة والجشع نسجتها مقولات وشعارات مسلمات وفرضيات حبكتها صور وفيديوهات تعكس تفاهة عيشنا وخفة تصرفاتنا ونحن أسرى الشاشة!

لكن ما نعيشه في الواقع لا تعكسه تلك الشاشة بكل ما يحمله من تفاصيل الحياة بكل آلامها.

علينا الآن، وتحت وطأة المناسبة، وبأمر من مستر كورونا، أن نطرح السؤال الأهم وهو الآتي:

لماذا وجدنا وما الغاية من ذلك وإلى أين نحن راحلون؟

(*) طبيب لبناني مقيم في فرنسا

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download