أستحقّ “الأوسكار” عن فئة الأكثر كسلًا!  

في اليوم الثالث والثلاثين في الحجر؛ يبدأ الصباح بلوم الذات جرّاء الاستيقاظ في ساعة متأخّرة. لا أزال أضبط المنبّه كلّ مساء حتّى أستيقظ باكرًا في اليوم التالي. ولا أزال أطفئ رنينه، وأستمرّ في النوم. يجب عليّ أن أتقبّل فكرة أنّي كائن ليلي، وأنّ ملازمة المنزل القسريّة لن تغيّر من طبيعتي.

في كلّ ليلة، أتقلّب في الفراش، ولا أقوى على هزم الأرق الذي يقتات منّي. كلّما نهش دماغي، سرّع دوران آلة الأسئلة فيه. أسئلة مكرّرة تنساب في تسلسل متغيّر، في كل ليلة: إلى أين؟ هل سأخسر وظيفتي بعد أن تضع الجائحة أوزارها؟ ماذا عن ديوني المتراكمة؟ هل سيتجدّد 17 تشرين، في صورة أكثر عنفًا، بلبنان؟ أي ميتة شنيعة يموتها البشر زمن “كورونا”، حتّى لو لم يصابوا بالداء؟ هم يرحلون بصمت، كأن مهانة الحياة ووجعها لا يكفيان! ما هذا الفيروس المجهري الذي عرّى الدول الكولونياليّة؟.. أسئلة، بعضها متصل، وبعضها الآخر منفصل. أسئلة يظلّ معظمها بلا إجابات، حتّى تأتيني الغفوة. الحجر المنزلي، قليله يولّد الأسئلة، وكثيره يعيد ترتيب الكون.

ينسلّ الوقت بين أصابعي، نهارًا. لم أعد أنظر إلى الساعة للتعرّف إلى المواقيت؛ تعلن عربة الخضر، التي ينادي صاحبها على “بضاعته” عن بدء دوام العمل المكتبي المنزلي. ثمّ، يوقّت نباح كلب لا أراه موعد الاستراحة بعد الظهر. وتحدّد نشرة الأخبار المسائيّة موعد إطفاء الـ”لابتوب”. أعمل، فيما جهاز التلفاز مفتوحًا طوال اليوم: أخبار وأخبار وأخبار. استهلاك الأخبار يتضاعف، مصحوبًا بالإحساس باللاجدوى. تتعاظم اللاجدوى، كلّما أنهيت المهام المطلوبة مني. من يمتلك جرأة الحديث عن مهام يؤدّيها، إن لم يكن عضوًا في الجسم الطبّي الذي يعمل في إنعاش ضحايا الوباء، أو عالمًا طبيًّا منكبًّا على التمحيص في هذا الكائن الفيروسيّ تاجيّ الشكل، أو فلّاحًا يطعم قومه؟

لطالما قلت أنّي سأعد الـ”كيك” الإسفنجي، وسأزينّه بكريما الخفق وثمار الفراولة. يرجع القول إلى ما قبل الحجر. “أستحقّ الأوسكار عن فئة الأكثر كسلًا”، أقول في سرّي، وأضحك

محظوظون، هم من يزجون وقت الحجر بمتابعة دورات التعلّم على شبكة الانترنت، أو حتّى بالانكباب على القراءة ومشاهدة الأفلام أو الطبخ. هذا ترف لا أملكه، أحدّث نفسي، فيما أنظر، بإعجاب، إلى بعض حسابات وسائل التواصل، التي يتفنّن أصحابها بالأكل. لطالما قلت أنّي سأعد الـ”كيك” الإسفنجي، وسأزينّه بكريما الخفق وثمار الفراولة. يرجع القول إلى ما قبل الحجر. “أستحقّ الأوسكار عن فئة الأكثر كسلًا”، أقول في سرّي، وأضحك.

أشيح النظر عن المكتبة المرصوصة الكتب فيها، الكتب التي تنتظرني لألمسها، فيما أحرّر خبرًا عن الروبوتات. يشرد ذهني على جاري العادة. “في الحياة الموازية، أنا “روبوت”، مهمّته أيضًا تحرير المواد الصحافيّة، وكشف الأغلاط فيها. آلة ذات هامش خطأ بسيط. آلة لا تعرف المرض أو الأعطال الرسميّة أو الغياب لظرف خاصّ”.   لن يطول الزمن الذي ستستبدل فيه الروبوتات بالبشر. التاريخ تكرار للأحداث؛ أوبئة وحروب ومجاعات وآلات تدفع بالبشر إلى قارعة الطريق. بشر يعرفون ضعفهم، ولا يفعلون طوال مسيرهم على صفحة الحياة سوى المقاومة: مقاومة اللاجدوى. مقاومة المرض. مقاومة الأنظمة القمعيّة. مقاومة رأس المال. مقاومة البلاهة. مقاومة الابتزاز العاطفي. مقاومة الظلم. وفيما أقاوم “كورونا” بالاستمرار في العمل من المنزل، مستفيدة من شبكة الإنترنت، أرى أنّ استمراريّة الأمر ليست مضمونة، مع أخبار الاقتصاد العالمي المنذر بالانهيارات.

أنهي خبر الروبوتات، وآخر عن تجربة الـ”كولوروكين” في علاج المصابين بالـ”كوفيد-19″، وثالث عن جهود دولة ما في محاربة الفيروس، ورابع عن طرق استغلال أوقات الأطفال في المنزل. أنظر إلى “واتس آب”: أبتسم لفيديو مرسل من أخي يصوّر ابنتيه، فيما هما تلاحقان بالونات الصابون، صارختين. أكرّر مشاهدته. “واتس آب” مؤنس الوحشة. تنبيه صوتي إلى رسالة من خالتي، أفتحها فأقرأ دعاءً، مُذيّلًا بقبلة. سأكلمها في المساء. تشتّت تفكيري خناقة في الحيّ. الحجر فضّاح دواخل البيوت. امرأة تشكو. الكلب ينبح بعصبيّة. حان موعد الاستراحة.

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free online course