هذا الفيروس الذي يجعلنا نسأل

لا أعرف كيف ينبت السؤال في الرأس؟ لا أعرف كيف يخيّط الأولاد اسئلتهم الأولى؟ وكيف يكررون السؤال ويلحون للحصول على جواب؟ لا أعرف كيف يطرح المفكرون والعلماء والرؤساء تساؤلاتهم، أو كيف يمكن لهم أن يشجعوا الأشخاص على طرح التساؤلات؟

لا أعرف الكثير.

غير أنني ألاحظ، وعبر تصفح يومي للمقالات الصحافية والعلمية وعبر مراقبة النقاشات اليومية بين الأفراد، طرح كمية كبيرة من التساؤلات حول معظم عوالم حياتنا الصحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وعلاقتنا مع اجسادنا، ومع الآخرين، وعلاقات الدول، وسياساتها في تمويل البحوث والاهتمام بالصحة العامة، وفي سلوكياتنا، وفي نظرتنا للعلم وللعلماء، وفي علاقتنا مع البيئة والشجر والعصافير، وفي وسائل تواصلنا، وحتى في صورنا وغيرها.

وكأن هذا الفيروس جاء ليجعلنا نسأل، أو لينبّهنا أنه علينا أن نسأل. وانه ربما مضى وقت كثير، ونحن منهمكون ومنشغلون وسريعو الايقاع، ومستهلكون، ومنافسون، نسينا أن نسأل أو نطرح التساؤلات. ولا يمكن للانسان ألا يتساءل اذ ربما يموت. وكأن هذا الفيروس، بالرغم من بشاعته، ومخاطره، والخوف والقلق الذي زرعه في العالم أجمع، جاء ليلفت نظرنا الى أمور كثيرة كانت تحدث دون أن يخطر في بالنا أن نسأل. اذ نحن ظننا، ولكمية المعلومات التي نتلقاها، في كل ثانية، اننا نعرف الكثير الكثير فلا داعي أن نسأل، الأسئلة للأشخاص الجاهلين الذين لا يمتلكون معلومات، ونحن نعرف الكثير فلا داعي أن نسأل!

لكننا اليوم نسأل، نطرح الكثير من التساؤلات، عن شكل العالم، عن وتيرته، عن منظومة الدول، عن علاقة الشرق بالغرب، عن علاقتنا بالمجالات البحثية، عن مفاهيمنا الاقتصادية وآليات العمل، عن السياسات التي وضعها كبار القوم (الذين يعرفون الكثير!) لينظّموا لنا حياة هانئة، ويؤمنوا لنا رفاهية ونوعية حياة أفضل.

هذا الفيروس جاء ليجعلنا ندرك أن البديهيات لم تكن يوما بديهيات، وأن الأمور لم تكن، كما ظننا لوهلة ما، وعلينا أن نعيد النظر أو نغيّر في الرؤية، أو نبدّل “النظارات”

لا تقتصر تلك التساؤلات على واضعي البرامج، والسياسات، وعلى مسيّري العالم، وعلى هؤلاء الأشخاص الذين نتصور انهم على درجة أرفع منّا، بل تطال الجميع. الجميع يتساءل، امي وأبي اللذان يلتزمان الحجر المنزلي في قرية في جنوب لبنان، يتساءلان عن علاقتهما بالأرض، وكيف انهما لم ينتبها من قبل الى تفاصيل صغيرة، حتى أخي الذي كان يمضي معظم أوقاته يدرب الصغار على لعبة كرة السلة، يتساءل ان كانت كرة السلة لعبة أو أكثر.. حتى ان الصحافيين (وفي مختلف انحاء العالم وباختلاف الوتيرة والمعالجة) يتساءلون، وهناك الكثير من علامات الاستفهام في عناوين المقالات والبرامج، عن علاقة العلوم بالسياسة، وبالإقتصاد، وبالمجتمع، وبالأمن حتى، وعن علاقة الفيروسات بمعدّلات التلوث وبنوعية الهواء، وعن فعالية الأنظمة الصحية في تلبية نداءات المرضى، حتى انهم بدأوا يتساءلون عن “حياة الأشخاص”! كيف يمضي هؤلاء الأشخاص وقتهم في عزلتهم القسرية، وماذا يقرأون، وماذا يشعرون، تلك الحيوات التي كانت ربما منسية. من كان ليفكر أو يهتم بكيف يمضي الأشخاص أوقاتهم وماذا يفعلون. فهذه الأمور كانت من البديهيات، من المسلم بها. نحن أشخاص نستيقظ في الصباح، ونشرب القهوة، ونتأنق، ونخرج الى العمل، ونعمل، ولدينا وسائل حديثة متطورة تسهل حياتنا، ولدينا هاتف فيه الكثير من الصور، ونحن أيضا نلتقط الكثير من الصور، وفيه الكثير من المعلومات والأرقام، ونحن نعود الى المنزل، والمنزل مريح، وفيه أجهزة الكترونية مريحة، وننام، فيومياتنا.. حياتنا من البديهيات.

غير ان هذا الفيروس جاء ليجعلنا ندرك أن البديهيات لم تكن يوما بديهيات، وأن الأمور لم تكن، كما ظننا لوهلة ما، وعلينا أن نعيد النظر أو نغيّر في الرؤية، أو نبدّل “النظّارات”. لهذا، تكثر التساؤلات في رؤوسنا، وفي مجتمعاتنا، وفي وسائلنا الاعلامية، وعلى طاولات القرار، وفي مختلف أنحاء العالم. وربما لا تبغي، هذه التساؤلات، أجوبة واضحة، وربما لن تجدها، غير انها تساؤلات تعيدنا الى ما يحرّكنا في أعماقنا، الى ما يشكّل جوهرنا ودهشتنا، تذكرنا بتلك الخلايا الموجودة في رأسنا، والتي تصيغ الأسئلة التي تحيينا. وان كان هذا الفيروس قاتلا، وخطيرا، وكريها، وبشعا، ولئيما، غير انه أعاد احياء التساؤلات، هي تنبت من جديد، حولنا وحوالينا، من دون ان اعرف حقا كيف ينبت السؤال، فهل السؤال ينبت في الرأس؟

ملاك مكي

طالبة دكتوراه بالصحافة في جامعة باريس ديكارت

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course