حقّاً؛ لماذا هناك “شيء”.. بدلاً من “لا شيء”؟

بالنّسبة إلى البعض، كما رأينا سابقاً، إنّه حقّاً لَسُؤال الأسئلة: لماذا "هناك".. أصلاً؟ أو: لماذا "هناك وجودٌ" بدلاً من "العدم"؟ أو بشكل أكثر تبسيطاً: لماذا هناك موجودات.. بدلاً من لا شيء أبداً؟ لماذا؟. أمّا البعض الآخر، لا سيّما من بين العلماء والفلاسفة المعاصرين ومن أهل العصور الحديثة.. فيدّعي أنّه سؤالٌ لا يُمكن الإجابة عليه واقعاً، خصوصاً وأنّنا عالقون ضمن هذا الوجود إن صحّ التّعبير، وعالقون ضمن قوالب العقل أو الذّهن كما يُردّد بعض الكانطيّين القدماء منهم والمُحدثين.

يدّعي الإلهيّون والرّبوبيّون- وزملاؤهم من بعض المثاليّين والرّوحيّين- لا سيّما من بين الفلاسفة والمفكّرين والمنظّرين المتديّنين.. أنّ الإجابة تكمن في “صفات” هذا الوجود نفسه، صفاتِهِ: ما-قبل-المادّيّة؛ أو الما-ورائيّة؛ أو ما-فوق-الطبيعيّة؛ أو الأزليّة.. إلى ما هنالك من تسميات.

حقّاً؛ إنّ العلوم الحديثة، ولا سيّما الفيزياء، لَتُجيب على كثير من الأسئلة المتعلّقة.. بالـ(ماذا) وبالـ(كَيف) إن شئت. ولكنّها تقف، ظاهراً وباطناً، أمام حائط أسئلة.. الـ(لماذا).. حتّى يكادُ يقول قائلٌ: أيُّ عِلمٍ هذا الذي لا يُمكنه أن يُجيب على سؤال “لماذا”؟ أيّ “علمٍ” هذا، لا يزيد معرفتَك حول.. الـ(لماذا)؟

حقّاً؛ فليُجب أحدهم: لِـ-ماذا هناك شيءٌ.. بدلاً من لا-شيء؟

Why is there something… instead of nothing?

رائعةٌ هي الأطر النّظريّة التي جاء بها نيوتن وآينشتاين وبلانك (وأصحاب هذا الأخير من أهل فيزياء الكمّ). وكم هي رائعةٌ أيضاً: نظريّة الثّقوب السّوداء الخاصّة بهوكينغ وغيره.

وجميلةٌ هي النّظريّات العظمى المتعلّقة بالحرارة، وبفرضيّات “نشوء الكون”، وبتصوّرات العوالم الموازية، وبمفهوم الحبال الكونيّة العجيبة (Théorie des cordes).. وصولاً إلى معادلات ورموز وأرقام الكيمياء، ووصولاً إلى عالم الأحياء بما فيه نظريّة داروين والدّراونة ومن وافقهم ومن عارضهم ومن نقدهم أجمَعين..

ووصولاً إلى استخدام قانون السّببيّة العَجيب، وغيره، في العلوم الاجتماعيّة على اختلافها، وفي علم النّفس.. وصولاً إلى بعض الانسانيّات..

حقّاً وواقعاً: كلّ ذلك رائعٌ، أو يُمكن أن يكون رائعاً، وهو ينفعنا إلى حدّ كبير نسبيّاً في معرفة العالم الذي نعيش فيه وفي التّعامل مع حياتنا اليوميّة واحتياجاتها. هو رائعٌ إذن في ما يعني: محاولة معرفة ال-ماذا (أي، خصوصاً، في الوصف والاستكشاف)؛ وال-كيف (أي، خصوصاً، في ما يعني السّببيّة الظّاهرة، أو ما نعتقد أنّه “سببيّة”).

كلّ ذلك رائعٌ.. ولكن، من يَقول لنا: ل-ماذا هناك “وجودٌ” أصلاً؟

ولماذا نشعر وكأنّ الذّهن الانسانيّ هذا، الذي يقدّم لنا من قبل البعض على أنّه جبّار الجبابرة.. ومع ذلك، يقف بذهول أمام أكثر الأسئلة بديهيّة على الاطلاق: حسناً، لماذا هناك كلّ هذه الموجودات.. بدلاً من لا شيء بالمرّة؟ لماذا هناك وجودٌ وموجودٌ.. بدلاً من العدم؟

***

السّؤال أخطر بكثير ممّا قد يتصوّره أكثرنا. حتّى استخدام “مفهوم الإله” كما يتصوّره عدد كبير من المتديّنين، أي مع التّبسيط، مفهوم الإله “المُنفصل عن الوُجود ككلّ”: فقد يُقابَل، بسهولة، من خلال سؤال.. ولماذا هناك “إلهٌ” كهذا أصلاً؛ ولو كان هذا “الإله”، ضمن هذا المفهوم العامّ أيضاً، هو المَوجود الأوّل؟ أي، بعبارة أخرى: ولماذا هناك موجودٌ أوّل من أساسه؟

القضيّة أخطر وأعمق بكثير ممّا نتخيّله عادةً، وقد تمّ التّعامل معها من قبل عدد من المدارس الفكريّة وعدد من الاتّجاهات الفلسفيّة. ولكنّنا، في ما يلي، سنحاول التّركيز على أهمّها في نظرنا، مع اعتماد النّقاش الغربيّ بشكل خاصّ، لا لشيء آخر إلّا من أجل البقاء قريبين من الأُطُر الفلسفيّة والمنهجيّة التي تعتمدها العلوم الحديثة.. لا سيّما منها ما نسمّيه عادةً بالعلوم الطّبيعيّة.

الاتّجاه العامّ الأوّل: مع شَيخِ الحاسِبين وعَلمَ الرّياضيّين، ونابغةِ من عَرَفَ من المُتفَلسفين العقلانيّين.. غوتفريد فيلهلم لايبنيتز (ت. ١٧١٦ م).

تحدّثنا في ما سبق عن اعتماد لايبنيتز على السّؤال قيد النّقاش بهدف بناء نظريّته الشّهيرة حول الوجود والكون والعدالة الالهيّة. باختصار، ومع التّبسيط: ينطلق لايبيتز من تصوّره لما يُمكن أن تكون عليه “صفات الوجود الحقّ والكامل” كما يُعبّر البعض بلغتنا.. أو ما يُسمّيه البعض الآخر أيضاً بالصّفات الالهيّة أو “بصفات الله”.

بالنّسبة إلى لايبنيتز ومن تبعه ومن وافقه من الأوّلين والآخرين إذن، وصولاً إلى منطقيّ ورياضيّ نابغة معاصر وصديق لآينشتاين، مثل كورت غودل (ت. ١٩٧٨ م).. ومع تكييف مدروس للمصطلحات قدر الإمكان، مناسبةً للغتنا العلميّة المعاصرة: إنّ الوجود أزليّ، وله صفات أزليّة؛ الوجود أزليّ هنا، ليس بجانبه المادّيّ طبعاً، بل بجانبه “العقلانيّ” أوّلا إن جاز التّعبير؛ بعد ذلك: فإنّ الصّفات الأزليّة للوجود الأزليّ هذا هي صفات الكمال المُطلق..

ومن صفات الكمال المُطلق أو “الكامِل” المُطلق أنّه، موجود طبعاً (راجع اعتراض كانط ومن تبعه في ما يلي)، وأنّه أيضاً، ظاهرٌ. ولو لم يَكُن ظاهراً، فلَما كان “كاملاً” في الواقع، فأيّ كاملٍ هذا الذي لا يَظهر؟ وبالتّالي، فإنّ صفات هذا الوجود الأزليّ الكامل.. تجعل من الضّروريّ وجوده (جانب الوجود المحض Being إن شئت)، بل وظُهوره (جانب الموجود Existents إن شئت).

لذلك، فإنّ “الوجودَ” قد “ظَهر” بالضّرورة من خلال مَظَاهر هي المَوجودات، والتي ما هي بالتّالي إلّا انعكاسٌ لتجلّي صفاته الكماليّة.

هذه، مع التّبسيط، إجابة لايبنيتز الذي يبني بالتّالي لوحةً للموجودات، انطلاقاً من تخيّله للائحة الصّفات الكماليّة.. لتُصبح اللّعبة، إلى حدّ كبير، لعبة تصوّرات ومحاكاة رياضيّة الطّابع. هذه أيضاً، وفي العموم، إجابة الكثير من المدارس الالهيّة والمؤمنة، لا سيّما مدرسة العرفان – أو التّصوّف – النّظريّ ضمن ثقافتنا الاسلاميّة، أي تلك المدرسة التي تُحاول أن تَبنيَ نظريّة عقلانيّة بهدف وصف النّظرة الصّوفيّة للوجود وللموجود.. لكن، هذا بحثٌ آخر قد نعود إليه لاحقاً.

الاتّجاه العامّ الثّاني: مع شيخِ الفلاسفةِ النّقديّين أجمَعين، وعَلَمِ عصر النّهضة والبَعث الأوروبّيّ المُبين، عمانوئيل كانط (ت. ١٨٠٤ م).

من المُرجّح جدّاً أن تُثير طريقة التّفكير السّابقة سُخرية، وربّما غضب وانتفاضة، الكثير من الفلاسفة المادّيّين والمتشكّكين والتّجريبيّين الرّاديكاليّين (من ماركس ربّما، وصولاً إلى كثيرٍ من المؤمنين بأزليّة “المادّة”، مروراً بدايفيد هيوم وبالمدرسة التّجريبيّة الانكليزيّة وغيرهم وغيرها).

ولكنّ النّقد الأكثر جدّيّةً وصرامةً وخطورةً برأيي، لهذا النّمط العامّ من التّفكير: جاء من المدرسة العامّة التي يُمكن تسميتها بمدرسة العقلانيّة-الواقعيّة.. ويُمكن نسبتها ابتداءً وإلى حدّ كبير، إلى شيخ النّقديّين والألمانيّين الأكبر عمانوئيل كانط، مع التّنويه بأنّ امتدادها يصل بقوّة إلى عصرنا وعلومه الطّبيعيّة، وبشكل خاصّ عبر شَيخ عقلانيّ-واقعيّ فيلسوف، وعَلَمٍ نَقديٍّ خطيرٍ مَعروف وهو كارل بوبر (ت. ١٩٩٤ م).

بالنّسبة إلى هذا الاتّجاه العامّ إذن، وبالنّسبة إلى شيخه المُرجّح شبه الأكيد، وشيخِ الكانطيّين والنّقديّين أجمَعين: فإنّ مَثَل لايبنيتز في استنتاج الوجودِ والمَوجود من افتراض صفات مُعيّنة للوجود، كمَثَلِ من استدلّ على وجود “الإله”.. من خلال افتراض صفات “الإله”! إنّه، طبعاً، مَثَل ومِثال الكاهن الفيلسوف المسيحيّ العجيب، صاحب البُرهان الأنطولوجيّ (أو الوجوديّ) الغريب.. أي القدّيس آنسليم من كانتربوري (ت. ١١٠٩ م).

إقرأ على موقع 180  جمهورية الرقابة تُفكّرُ عنا في حجرنا "الإختياري"

هكذا يفهم كانط والنّقديّون، في العموم، بُرهان القدّيس العجيب: إنّ “تصوّر الله” موجود في ذهننا بشكل ضروريّ إن شئت، ومن خلال صفات كماليّة بالتّحديد، مُطلقة أو تميل إلى الاطلاق. ومن صفات الكامِل كما رأينا.. أنّه، بالطّبع، مَوجود. وبالتّالي، فإنّ الله.. مَوجود.

بمعزل عن تحليلنا لحجّة أو برهان آنسليم، لنركّز على ما يلي: بالنّسبة إلى هذا الاتّجاه النّقديّ العامّ، فإنّ طريقة لايبنيتز وأصحابه تُشبه طريقة آنسليم، إن لم تكن مُجرّد تحديث لهذه الأخيرة. لماذا؟ مع التّبسيط: لأنّه، بحسب هؤلاء، فإنّ لايبنيتز يستنتج ظهور الوجود – عقلانيّاً ومادّيّاً – من خلال صفات مفترضة له. بعبارة أخرى: يفترض اللّايبنيتزيّون وجود صفات أزليّة كهذه.. ليُفسّروا الوجود و/أو الموجود.. كمن يُفسّر، إن شئت، صفاتِ الوجود بصفاتِ الوجود!

يصيح كانط والكانطيّون وأصحابهم: كيف عَرَفتم، وبأيّ “عقل”، أنّ هناك “كائناً” أزليّاً كهذا.. أو “وجوداً” أزليّاً بهذه الصّفات؟ كيف؟

وكما نكرّر ونفصّل على الدّوام طبعاً: يدعو هذا الاتّجاه عموماً إلى تقبّل مفهوم أنّ العقل لا يُمكنه انتاج معرفة لا جذور حسّيّة أو تجريبيّة لها. لذلك، فمن الحكمة ومن العقلانيّة ومن الواقعيّة عندهم: اعتبار أنّ سؤال “لماذا هناك شيء بدلاً من لا شيء”.. هو سؤالٌ ميتافيزيقيٌّ محضٌ، وبالتّالي لا يُمكن للعقل الإجابة عليه عمليّاً. بتعبير مبسّط: لا يمكن الوصول إلى “معرفة” يُعوّل عليها، من خلال هذا النّوع من الأسئلة، وقد يكون من الصّحيح إلى حدّ بعيد الاعتقاد بأنّ الغرب ونخبَه وعلومَه يعيشون في ظلال التّفكير الكانطيّ هذا.. إلى اليوم، ولو بأنماط متنوّعة نسبيّاً، وبأشكال غير واعية أحياناً.

الاتّجاه العامّ الثّالث: مع شيخِ الوجوديّين المعاصرِين أجمَعين، ورُكن المتأمّلين غير الالهييّن، مارتن هايديغر (ت. ١٩٧٦ م).

فصّلنا بما يكفي، في ما سبق من قول ومن مقال، موقف هايديغر من هذا السّؤال العجيب وحولَه: لماذا هناك شيء.. بدلاً من لا شيء؟

وقد ذكرنا أنّه، أي هايديغر، والأغلبيّة الكبيرة ممّن تبعه بشكل مباشر أو غير مباشر من الفلاسفة الوجوديّين المعاصرين خصوصاً، المُلحدين منهم والمؤمنين.. لقد ذكرنا أنّه: قد اعتبر أنّ سؤال “ال-لماذا” هذا يشكّل فخّاً خطيراً جدّاً للعقل الانسانيّ.

نعم، يُمكننا اعتبار هايديغر أيضاً من أهمّ وأخطر من قاموا بنقد نمط التّفكير الميتافيزيقيّ بشكل عامّ.

وهو، كذلك إذن، من أهمّ من دعوا إلى التّركيز على مجرّد ادراك أنّ “هناك” (There is).. بدلاً من التّركيز على “الـ(لماذا)” (Why) وعلى “الموجودات” (Something).

الـ(لماذا)، بالنّسبة إلى هذا الاتّجاه العامّ، هي فخّ كما بدأنا بالإشارة.. بل، بالأحرى وبالأدقّ، هي حِجاب مُبين. هي حجابٌ: يحجبنا عن فهم وادراك عظمة أن يكون هناك وُجودٌ أصلاً.. بدلاً من أن نتلهّى بالتّفكير حول المَوجود، ولماذا هنالك مَوجود. عند هايديغر وأصحابه: فلنتأمّل في عظمة الوجود (The Being) نفسه، ولو أنّنا عاجزون عن فهمه من خلال عقلنا، وعن فهم ال-لماذا الخاصّة به طبعاً (لاحظ هنا التّأثّر الأكيد بالكانطيّة على المستوى المعرفيّ).

عند هياديغر والوجوديّين وأصحابهم: إنّ مجرّد إدراك أنّ “هناك وجود” (Being).. هو سرّ الأسرار، ومنتهى طلب الوعي والعقل أبي الأفكار. لذلك، فلنتأمّل في “مجرّد هذا الوجود” إن جاز التّعبير، السّابق على أيّ ماهيّة متخيّلة، والسّابق على أيّ فكرة أو مفهوم: فالوجود هو مجرّد وجود.

مع هايديغر، يمكننا أن نقول ما يلي: لِنقرّب وعيَنا من هذا الوجود، ولو بغير استخدام للأفكار وللمفاهيم وللماهيّات. ولنكتفِ بذلك: بدلاً من الغرق في ظلمات الحُجُب والماهيّات.. وعلى رأسها سؤال “ل-ماذا” وما يُمكن أن ينبثق منه وعنه.

إذن: إلى الجَحيم.. سؤال الـ(لماذا). وأهلاً وسهلاً بعد ذلك.. بمُجرّد الوجود. وهل أحلى من مجرّد إدراك والعيش مع.. أنّ “هناك” وُجُود؟ (لاحظ القرب من النّظرة الصّوفيّة الاسلاميّة، من هذه الزّاوية تحديداً).

***

حقّاً؛ لماذا هناك شيء.. بدلاً من لا شيء؟

هل يُمكننا الهروب من هذا السّؤال.. حقّاً وبأمانة؟

من يتابع كتاباتي وأبحاثي يعلم بأنّني أوافق الاتّجاهَين، الثّاني (الكانطيّ، أو العقلانيّ-النّقديّ) والثّالث (الهايديغريّ، أو الوجوديّ والنّقديّ أيضاً) أعلاه، وفي أمور متعدّدة وعميقة وخطيرة. ولكنّني، حول هذا السّؤال تحديداً، أي سؤالنا قيد النّقاش، أميلُ قطعاً إلى تأييد الاتّجاه اللّايبنيتزيّ العامّ، أي الاتّجاه الأوّل المذكور أعلاه.. مع تشديدي على ضرورة إصلاحه وتحديثه من بعض الجوانب، لا سيّما تحديثه في ما يعني مفاهيمنا الفلسفيّة والعلميّة وحتّى التّجريبيّة المعاصرة.

الحديث قد يطول كثيراً، ولكن، لنركّز على الأسئلة المفتاحيّة التّالية:

أوّلاً؛ إذا ما بقينا ضمن اطار “الوجود” و”العدم” الفلسفيَّين (أو الأنطولوجيَّين): أفلا يكون من الواضح بالتّالي أنّ علينا الاقتناع بأنّ الوجود بما هو وجود (أي The Being) أزليٌّ بالضّرورة.. لأنّ نقيضَه هو العَدَم الفلسفيّ أو الوجوديّ. والعدم الوجوديّ هذا شاملٌ أيضاً لكلِّ قَبليّة أو “ماضٍ” أو زمان أو أيّ بُعدٍ آخر يمكن تخيّله: فطالما أنّنا “هاهُنا” لسنا في “وضعيّة عدم” كهذه، فنحن بالضّرورة ضمن “وضعيّة وجود” منذ الأزل.

مع الايجاز الشّديد: طالما أنّ هناك وجود، فمن اليقينيّ أنّه لم يكن هناك عدم – بهذا المعنى – أبداً؛ وبالتّالي، فنحن ضمن وجود أزليّ بالضّرورة.

ثانياً؛ أليس علينا أن نتعمّق أكثر في التّأمّل وفي التّفكّر في مُعطى أنّ هذا الوجود وهذا الكون (بما في ذلكم، الأبعاد المادّيّة إن جاز التّعبير).. إنّما قد أدّى ظهورهما أو تجلّيهما: إلى ظهور أو تجلّي كائنات واعية مثلنا.. تسأل سؤالاً كهذا؟ حقّاً، إلى أيّ حدّ يُمكن الهروب من اعتبار الوعي جزءاً لا يجزّأ من هذا الوجود، أو أنّه صفةٌ من صفاته الأساسيّة و(ربّما) الأزليّة؟

ثالثاً؛ إلى أيّ حدّ يُمكن الهروب أيضاً من واقع ومُعطى أنّ “وعيَنا” هذا يميل بشكل قويّ – إن لم يكن بشكل ضروريّ – إلى تصوّر الصّفات الكماليّة المُطلقة أو المتّجهة نحو الاطلاق.. عدا عن دفعه نفسه على الدّوام نحو الاقتداء بهذه الصّفات الكماليّة.. أو السّير نحو “الاتّصاف” بها؟

لنتأمّل ولنتفكّر، جيّداً، في هذه الأسئلة.. قبل العودة إلى هذا النّقاش لاحقاً ربّما.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "صُورةُ العصر".. وصورُ عالمٍ يتحول!