جنوب لبنان: جغرافيا وسيادة ومخاوف تتجاوز الدولة التقليدية!

في جنوب لبنان، لا تُقاس السياسة ببيانات الدولة ولا بخرائط الحدود، بل بقدرتها على التكيّف مع واقع يتجاوزها. هنا، يتداخل الاستثناء مع القاعدة، ويتحوّل السلاح من أداة مرحلية إلى جزء من بنية مستمرة، فيما تعجز الدولة عن حسم تعريف سيادتها. بين مقاومةٍ تنتج شرعيتها، ودولةٍ تسعى إلى استعادتها، يتكرّس نموذج لبناني فريد: استقرارٌ قائم على اختلال، وسيادةٌ تتقاسمها قوى متعددة.

ضمن هذا السياق، شهدت المنطقة الجنوبية تحولات متعاقبة امتدت من الاحتلال إلى المقاومة، وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ثم إلى مرحلة طويلة من اللااستقرار المنظم. غير أن هذه المحطات، على أهميتها، لم تُفضِ إلى خواتيم سياسية حاسمة، بل أعادت إنتاج الصراع بصيغ مختلفة. وبذلك، بدت كل مرحلة بداية تحول جديد يعيد تعريف طبيعة المواجهة ووظائفها.

من هنا، لا يمكن مقاربة الظاهرة بمعزل عن بنيتها الاجتماعية والسياسية الأوسع. فالجنوب اللبناني لا يشكّل هامشاً جغرافياً للدولة بقدر ما يمثل نقطة تماس ضمن نظام إقليمي معقّد، تتداخل فيه اعتبارات الردع مع إشكاليات السيادة. وفي هذا الإطار، تفقد مفاهيم مثل “المقاومة” و“الأمن” و“الحدود” طابعها التجريدي، لتصبح مرتبطة مباشرة بأنماط العيش والإنتاج والتنقل، وبالعلاقة المتغيرة بين الأطراف المحلية والمركز السياسي في بيروت.

هذا الواقع يطرح إشكالية أعمق تتجاوز السرديات التقليدية، وتتصل بكيفية إعادة تعريف الاستقرار في بيئة تتبدل فيها شروط الأمن باستمرار. فحين تطول الحالة الاستثنائية، وتتحول من ظرف مؤقت إلى حالة مستمرة، فإنها لا تعود مجرد استجابة لتهديد، بل تصبح جزءاً من البنية التي تعيد تشكيل النظام السياسي والاجتماعي.

نموذج حزب الله

في الأدبيات السياسية المقارنة، غالباً ما تنشأ الاستثناءات الأمنية كإجراءات مرحلية مرتبطة بظروف محددة، كالحروب أو التهديدات الوجودية. غير أن الخطر البنيوي يكمن في تحول هذه الاستثناءات إلى قواعد دائمة، تتجاوز وظيفتها الأصلية وتعيد إنتاج النظام وفق منطقها الخاص. في الحالة اللبنانية، تمثل “المقاومة” نموذجاً معقداً لهذا التحول، إذ انتقلت من كونها أداة مرتبطة بهدف تحرير الأرض إلى بنية سياسية–أمنية قائمة بذاتها، تمتلك شرعية خاصة ومنطق استمرارية مستقل نسبياً عن شروط نشأتها.

وعليه، لا يبدو الجدل الدائر حول السلاح محصوراً في بعده الأمني، بل يتصل بسؤال أوسع حول تعريف الدولة وحدود سيادتها. فالدولة اللبنانية، بحكم تكوينها التاريخي، لم تتأسس على احتكار مركزي صارم للعنف، كما في النماذج الكلاسيكية، بل على صيغة توافقية توزّع السلطة بين مكوناتها. هذا النمط أتاح إدارة التعدد، لكنه في المقابل حدّ من قدرة الدولة على فرض سيادة أمنية مكتملة، ما جعل ظهور قوى مسلحة خارج إطارها امتداداً لبنية غير محسومة أكثر منه انحرافاً طارئاً.

في هذا الإطار، شكّل اتفاق القاهرة عام 1969 لحظة مفصلية في إعادة تعريف السيادة، إذ أقرّ بوجود قوة مسلحة غير لبنانية داخل الأراضي اللبنانية ضمن هامش من الاستقلالية وأعطاها حق التصرف السيادي خارج الحدود من خلال تشريع حق العمل الفدائي عبر الحدود اللبنانية، وبلغ الأمر بأحد رؤساء الحكومات أنه طلب أن يقترن طلب منح الثقة النيابية لوزارته بشرط التصويت على اتفاق القاهرة من دون أن يطلع أعضاء البرلمان على مضمونه.. وهذا ما حصل.. أهمية هذه السابقة لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، بل في تكريس مبدأ تقنين الاستثناء، أي قبول الدولة بتقاسم احتكار العنف مع فاعلين غير سياديين. هذا النموذج سيتكرر لاحقاً بأشكال مختلفة، مع تعمّق اندماج لبنان في ديناميات الصراع الإقليمي.

ومع اندلاع الحرب الأهلية (1975-1990)، لم يعد السلاح استثناءً، بل أصبح القاعدة المنظمة للحياة السياسية، حيث تفكك احتكار الدولة للعنف وظهرت منظومات أمنية متعددة. في هذه البيئة، تلاشت الحدود بين المقاومة والميليشيا، واندمجت الأهداف الوطنية مع الحسابات الطائفية والإقليمية، ما ترك أثراً دائماً على مفهوم المقاومة ذاته، الذي لم يعد قابلاً للفصل عن سياقاته السياسية.

بدوره، شكّل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 نقطة تحول أساسية، إذ أفضى إلى بروز نموذج جديد للمقاومة تمثّل في اليسار اللبناني أولاً (أخرج إسرائيل من العاصمة اللبنانية) ومن ثم حزب الله، الذي جمع بين البعد الأيديولوجي والتنظيم المركزي والارتباط الإقليمي. هذا النموذج أتاح بناء شرعية مزدوجة، محلية بوصفه مقاومة، وعابرة للحدود بوصفه جزءاً من محور إقليمي، ما منحه قدرة على الاستمرار تتجاوز السياق المحلي الضيق.

ومع نهاية الحرب الأهلية، كان من المفترض أن يشكّل اتفاق الطائف إطاراً لإعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها للسلاح. غير أن الاستثناء الذي مُنح للمقاومة تحت عنوان تحرير الأرض أدخل عنصراً مزدوجاً في النظام، قوامه تعايش دولة تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها مع قوة عسكرية تحتفظ بشرعيتها الخاصة. هذا الترتيب لم يبقَ مؤقتاً، بل تحوّل تدريجياً إلى جزء من بنية النظام، منتجاً ما يمكن وصفه بنموذج “الدولة الهجينة”.

الاندماج الاستراتيجي.. إقليمياً

شكّل تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي في أيار/مايو عام 2000 لحظة اختبار لنموذج “الدولة الهجينة”، إذ كان يفترض أن يعيد تعريف وظيفة المقاومة. غير أن المسار اتجه نحو إعادة إنتاج الدور، من التحرير إلى الردع، ومن إنهاء الاحتلال إلى إدارة الصراع. هذا التحول يعكس ما يُعرف بتمدد المهمة، حيث تستمر الفواعل بعد انتهاء مبررها الأصلي عبر إعادة تعريف وظائفها.

إقرأ على موقع 180  قدرية لبنان السياسية.. متى يحين تفاهم "الكبار" علينا؟

ومع مرور الوقت، لم يعد السلاح عاملاً خارجياً، بل أصبح جزءاً من معادلة القوة الداخلية، بحيث بات التوازن السياسي مرتبطاً، بصورة أو بأخرى، بالتوازن العسكري. هذا الواقع أعاد تشكيل النظام اللبناني نحو نموذج توازن غير متكافئ، تتداخل فيه الشرعية المؤسسية مع عناصر قوة موازية.

اجتياح 1978

على المستوى الإقليمي، شهدت العلاقة بين المقاومة والسياق الخارجي تحولاً ملحوظاً، لا سيما بعد عام 2005، حيث انتقل الارتباط من مستوى التوظيف السياسي إلى مستوى الاندماج الاستراتيجي ضمن شبكة إقليمية أوسع. هذا التحول زاد من تعقيد أي مقاربة داخلية، إذ باتت المسألة متشابكة مع توازنات تتجاوز الحدود الوطنية.

كما أدى الانخراط في صراعات إقليمية، وخصوصاً في الساحة السورية، إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني، بحيث لم يعد محصوراً بحماية الحدود، بل امتد إلى إدارة التهديدات خارجها. غير أن هذا التوسع يحمل في طياته مفارقة، إذ يمكن أن يعزز الأمن من جهة، ويعرضه لمخاطر إضافية من جهة أخرى.

في هذا السياق، تتخذ كلفة هذا النموذج طابعاً مركباً، لا يقتصر على البعد الأمني، بل يشمل أبعاداً سيادية ودبلوماسية واقتصادية واجتماعية. هذه الكلفة، وإن لم تظهر دائماً بشكل مباشر، تتراكم تدريجياً وتؤثر على قدرة الدولة على استعادة فاعليتها.

وبرغم الطرح المتكرر لفكرة الاستراتيجية الدفاعية، فإن ترجمتها العملية تصطدم بإشكالية بنيوية تتعلق بكيفية دمج قوة غير نظامية ضمن دولة تعاني أصلاً من ضعف مؤسساتي. وهنا، لا تبدو المشكلة تقنية بقدر ما هي سياسية، لأنها تتصل بإعادة توزيع القوة داخل النظام.

يمكن، في هذا الإطار، قراءة الجدل حول المقاومة من خلال مقاربتين متقابلتين: الأولى ترى في السلاح ضرورة في بيئة إقليمية غير مستقرة، والثانية تعتبر احتكار العنف شرطاً أساسياً لقيام الدولة. وبين هذين التصورين، يجد لبنان نفسه في موقع وسطي، غير قادر على الحسم لصالح أي منهما.

تكمن المفارقة في أن هذا النموذج أنتج نوعاً من الاستقرار، لكنه استقرار غير مكتمل، يمنع الانهيار الكامل من جهة، ويحول دون قيام دولة مكتملة السيادة من جهة أخرى. وبذلك، لا تبدو الأزمة قابلة للاختزال في مقاربات ثنائية، بل تتطلب إعادة نظر أعمق في مفاهيم الدولة والسيادة والأمن.

المنطقة الوسطى!

في المحصلة، لا يمكن فهم الحالة اللبنانية من خلال سؤال السلاح وحده، بل من خلال طبيعة النظام الذي سمح بتشكّل سيادة مزدوجة، تتداخل فيها الشرعية القانونية مع شرعيات وظيفية أخرى. وفي هذا السياق، يشكّل الجنوب اللبناني نموذجاً مكثفاً لهذا التداخل، حيث تتعايش مستويات متعددة من السلطة ضمن واقع يومي يقوم على التفاوض المستمر.

وما يجعل هذه الحالة أكثر تعقيداً هو أن هذا التوازن لم يعد يُنظر إليه كمرحلة انتقالية، بل كصيغة قابلة للاستمرار. أي أن الاستثناء لم يعد مؤقتاً، بل أصبح جزءاً من تعريف النظام نفسه. وهو ما يجعل أي محاولة لإعادة التأسيس تصطدم ببنية متراكمة من التوازنات الداخلية والإقليمية.

وما يزيد الأمر تعقيداً أن هذه البنية الراسخة، منذ ربع قرن من الزمن، تقيم على نصاب سياسي وازن (ثنائي حزب الله وأمل وجزء من اليسار اللبناني) ونصاب شعبي عريض لا يقيم اعتباراً لأولوية تتقدم على أولوية استمرار المقاومة.. والأمثلة كثيرة من 2006 حتى 2026 مروراً بجبهة الإسناد وحرب 2024.

ضمن هذا الواقع، لا يعيش لبنان حالة حرب أو سلام بالمعنى التقليدي، بل يقيم في منطقة وسطى مستقرة في عدم استقرارها، حيث تستمر المؤسسات والمجتمع في التكيف مع حالة يمكن وصفها بالاستمرارية غير المكتملة.

وعليه، لا يقتصر التحدي على إدارة السلاح أو إعادة تعريف المقاومة، بل يمتد إلى إعادة التفكير في مفهوم الدولة ذاته، في سياق لم يعد يستجيب بالكامل للنماذج الكلاسيكية للسيادة. فالحالة اللبنانية، في نهاية المطاف، لا تعكس أزمة سياسية فحسب، بل تطرح سؤالاً نظرياً مفتوحاً حول حدود الدولة الحديثة في بيئة إقليمية تنتج باستمرار أشكالاً متعددة من السلطة والسيادة.

بهذا المعنى، لا تكون الحدود مجرد خط جغرافي، بل فضاءً حيوياً تتقاطع فيه الخبرة التاريخية مع شروط العيش اليومي، بحيث تتحول السياسة من مجال مجرد إلى واقع معاش يطبع تفاصيل الحياة اليومية؛ الحياة التي تجعل بيئة تتفرج على قرى جنوبية مخيّرة بمآلاتها بين أحد نموذجي بيت حانون أو رفح، أي المسح الكامل.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  لقاحات كورونا: أين لبنان من عدوه.. "إسرائيل نموذجًا"!