من هُرمز إلى بنت جبيل.. فشل استراتيجي أميركي-“إسرائيلي”!

في الحروب الكبرى، لا تكمن المفارقة في حجم النار المشتعلة، بل في الفجوة بين من يُخطّط لها ومن ينفّذها. ما بدأ كحرب محسوبة على إيقاع الاستراتيجيات الدقيقة، سرعان ما انكشف كصراع تتنازعه حسابات متناقضة بين غرف القرار وميادين التنفيذ. من طهران إلى بيروت، بدا المشهد وكأنه يُدار بعقلية لعبة شطرنج معقّدة، لكن تفاصيله اليومية كانت أقرب إلى فوضى قرارات مرتجلة، تعكس ارتباكًا في تحديد الأهداف وترجمتها إلى وقائع، فضلاً عن عدم وضوح المخارج حتى يومنا هذا.

في ظل هذا التباين، تكمن مفاتيح فهم ما جرى: عدوانٌ أميركي-“إسرائيلي” انطلق بهدف إسقاط النظام الإيراني، وانتهى إلى مأزق مفتوح على احتمالات غير محسوبة وأهداف لم تكن مطروحة أصلاً (فتح مضيق هرمز)، حيث لم تنجح الضربات العسكرية في تحقيق غاياتها، ولا الضغوط السياسية في فرض شروطها. وبين تصاعد الردود الإقليمية وتعثر المبادرات الدبلوماسية، أعادت الوقائع رسم مسار الصراع، كاشفة حدود القوة حين تُفصل عن إدراك تعقيدات الميدان وتوازناته، وبخاصة في حالة دولة-شبه قارة كإيران.

يصح القول هنا إن ما شهدناه منذ 28 شباط/فبراير 2026 حتى يومنا هذا، أقرب إلى أن يُشبَّه بلعبة شطرنج ذكية ومعقدة، يقف على طرفيها كبار المفكرين الاستراتيجيين الأميركيين والإيرانيين غير المرئيين. ولكن، من حيث الأداء على المسرح الواقعي المنظور، فإن الأمور تختلف كثيرًا. لذلك، كي يتمكن المرء من حسم رأيه حيال أي تشبيه هو الأدق، لا بد من العودة إلى مسرح الأحداث الفعلي.

وعبر خدعة الحديث عن الإيجابية التي كانت تسود المفاوضات الأميركية-الإيرانية (بين مسقط وجنيف)، أطلق التحالف الأميركي-الصهيوني عدوانه على إيران في نهاية فبراير/شباط الماضي، بأعنف غارات جوية نجحت، بشكل أساسي، في تصفية مرشد الجمهورية الإيرانية السيد علي الخامنئي، وأكثر من أربعين من كبار القادة العسكريين، بالإضافة إلى أهداف عسكرية عدة، ومنها مدرسة ميناب للبنات، حيث قُتلت أكثر من 150 طفلة. ولم يُخفِ التحالف المعتدي أهدافه من هذا الهجوم، إذ أعلن كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو أن الهدف هو إسقاط النظام الإيراني.

وبأسلوب “قطع الرأس” للنظام، كان ترامب ونتنياهو يتوقعان أن تتولى سدة المسؤولية قيادات جديدة واقعة تحت هول وصدمة الضربة الأولى، ما يجعلها أكثر ليونة. لكن حساب الحقل لم يتوافق مع حساب البيدر، كما يقول المزارعون. فقد سارع الإيرانيون إلى انتخاب نجل المرشد الراحل، السيد مجتبى الخامنئي، خلفًا لوالده، وتولى القيادة العسكرية قادة جدد أكثر تشددًا وتمسكًا بسيادة بلدهم.

خطة تلو خطة بناتج صفري

مع فشل الخطة الأولى في تحقيق الهدف المرجو، انتقل التحالف المعتدي إلى الخطة “ب”، التي تقوم على دعوة المعارضة الإيرانية للنزول إلى الشارع والقيام بأعمال شغب، جرى التمهيد لها بقصف كل مقرات قوات “الباسيج” التي عادة ما تتولى مواجهة الاحتجاجات. وبدأ المعتدون، عبر وسائل إعلامهم وإعلام الدول الحليفة لهم، بتلميع صورة رضا بهلوي، نجل الشاه محمد رضا بهلوي، وتقديمه بتسرع مفضوح إلى المسرح السياسي الإيراني كبديل للنظام القائم، وهو شخصية مكروهة، كأبيه، لدى غالبية الشعب الإيراني. لكن هول العدوان وأثره على الأرض شكّل صدمة للشعب الإيراني، الذي عرف جيدًا كيف يميز بين خلافه مع نظام بلده والاعتداء الاستعماري الهادف إلى وضع اليد على الثروات الطبيعية لإيران. فبدلًا من نزول الناس إلى الشارع لدعم العدوان، نزلت الملايين إلى ساحات المدن الإيرانية للتنديد به.

انتقل المعتدون إلى الخطة “ج”، التي كانت تقوم على تسليح الأكراد الإيرانيين في المنطقة الواقعة شمال غرب إيران، وعبرهم تمرير السلاح إلى من يعتبرون معارضين للنظام في مختلف المدن الإيرانية. لكن الأكراد لم ينجرّوا إلى الطعم الأميركي، بل رفضوا الوقوع في الفخ، إذ استلموا كمية كبيرة من الأسلحة الأميركية، بحسب ما أعلن ترامب نفسه، ولم يسلموها لأحد في إيران، كما أنهم رفضوا الصدام مع النظام الإيراني، لا سيما بعد أن رأوا كيف تخلت الولايات المتحدة الأميركية عن إخوانهم أكراد سوريا وسلمتهم لتركيا ولنظام أحمد الشرع في دمشق.

خلال العمل على تنفيذ الخطط الثلاث المذكورة، كثّف التحالف المعتدي هجماته على إيران، منفذًا آلاف الغارات الجوية ومطلقًا آلاف الصواريخ والمسيرات من حاملات الطائرات الأميركية ومن القواعد الأميركية في كل من دول الخليج والأردن، ومن الكيان الصهيوني نفسه. وكان الأمل لدى المعتدين أن يرضخ القادة الإيرانيون الجدد ويرفعوا الراية البيضاء. لكن ما حصل هو أن القيادة الإيرانية استوعبت صدمة الضربة الأولى، وأخذت ترد الصاع صاعين على قواعد المعتدين، فضربت حاملات الطائرات بشدة، ما أجبر واشنطن على سحبها كخردة بقيمة ثلاثة مليارات دولار، بحسب وصف بعض الإعلام الأميركي. كما اضطرت القيادة العسكرية الوسطى للجيش الأميركي إلى إخلاء كل قواعدها في دول الخليج بعد أن حولها القصف الإيراني إلى أثر بعد عين. أما الضربات الإيرانية على عمق الكيان الصهيوني، وبالرغم من التعتيم الإعلامي الذي يمارسه الجيش “الإسرائيلي” والعقوبات الصارمة التي فرضت على كل من ينشر صورًا لنتائج القصف، فإن ما ظهر من لقطات فيديو وصور يؤكد أن الضربات الإيرانية كانت مؤلمة للغاية ومكلفة اقتصاديًا.

حلفاء إيران.. وهرمز

على مستوى المنطقة، فقد كانت المقاومة اللبنانية أول من دخل المعركة بعد يومين من بدء العدوان على إيران، قائلة في بيانها إنها تدخل المعركة لإسناد إيران والانتقام لاغتيال المرشد الخامنئي من جهة، ومن جهة أخرى لإنهاء حالة استمرار الاعتداءات “الإسرائيلية” على طول الأراضي اللبنانية وعرضها، خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ولم تلتزم به “إسرائيل”، ما أدى إلى سقوط قرابة 500 شهيد و1500 جريح جراء هذه الاعتداءات على مدى 15 شهرًا سبقت دخول المقاومة اللبنانية الحرب إلى جانب إيران. وكان من الواضح أن دخول المقاومة اللبنانية الحرب حمل رهانًا بعدم تركها وحيدة تحت العدوان “الإسرائيلي” المتمادي، وأن أي تسوية للعدوان على إيران لا يمكن أن تتم إلا إذا شملت لبنان وكفّت اليد “الإسرائيلية” التي أطلقتها الولايات المتحدة عليه.

ومع تصاعد العدوان على إيران، بدأ حلفاؤها يدخلون الحرب تباعًا. انخرط “الحشد الشعبي” العراقي عبر قصف القواعد الأميركية، وتبعته حركة “أنصار الله” اليمنية بقصف محدود لعمق الكيان “الإسرائيلي” مع تلويحها باستخدام ورقة باب المندب في “التوقيت المناسب”. في المقابل، رفعت إيران مستوى ردها بإطلاق صواريخ بالستية نوعية على القواعد الأميركية في الخليج وعلى عمق الكيان، وأعلنت إغلاق مضيق هرمز.

إقرأ على موقع 180  العلاقة السُنيّة-الدرزية بين الديناميكيات التاريخية والتقلبات الجيوسياسية الحديثة (2/2)

أدى إغلاق مضيق هرمز إلى توجيه ضربة للإقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وكانت دول الاتحاد الأوروبي الأكثر تضررًا. رأت الإدارة الأميركية في ذلك فرصة لجرّ حلفائها الأوروبيين وحلف “الناتو” إلى الحرب تحت عنوان فتح المضيق، لكنها فشلت، إذ تهرّب الحلفاء من الاستجابة لطلبات ترامب، ما أثار غضبه ودفعه إلى تهديدهم.

أمام هذا الفشل، صعّد ترامب تهديداته معلنًا أنه “سيمحو الحضارة الإيرانية”، وهو ما فُسّر بإمكانية استخدام السلاح النووي، ما أثار قلقًا عالميًا واسعًا. غير أنه عاد ليُخفّف من وقع تهديده، موضحًا أنه يقصد تدمير البنى التحتية الحيوية. ردّت إيران ببرودة، مؤكدة أن أي ضربة ستُقابل بالمثل، وأنها قادرة خلال ساعة واحدة على إغراق دول الخليج في العتمة وضرب منشآتها الحيوية.

هذا التصعيد حرّك دولًا إقليمية، أبرزها باكستان والسعودية وتركيا ومصر، التي اتفقت على تكليف باكستان إطلاق مبادرة لوقف إطلاق نار شامل يشمل إيران والعراق واليمن ولبنان. وافقت طهران وواشنطن على المبادرة، لكن الأخيرة حاولت استثناء لبنان عبر حليفها “الإسرائيلي”، ليؤكد رئيس وزراء باكستان شهباز شريف شمول لبنان بالاتفاق.

لبنان.. الشيء وعكسه!

في المقابل، برز موقف لبناني رسمي مختلف، إذ أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نوّاف سلام رفضه التفاوض بالنيابة عن لبنان، وفي الوقت نفسه اتصل بنظيره الباكستاني وطلب منه تأكيد أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان، “منعاً لتكرار الاعتداءات الإسرائيلية التي شهدناها أمس»، حسب بيان صادر عن رئاسة الحكومة اللبنانية، غداة “الأربعاء الأسود” الذي أدى إلى استشهاد ما يزيد عن 300 وجرح أكثر من 1500 معظمهم في العاصمة اللبنانية بيروت.

وكان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد أطلق مبادرة، عشية الحرب الأخيرة، أبدى فيها استعداد لبنان لإجراء مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل” شرط وقف النار أولاً. وغداة الأربعاء الدامي، جدّد الموقف نفسه وكلّف سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض تمثيل لبنان في لقاء قررت واشنطن عقده في وزارة الخارجية الأميركية بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو والسفير “الاسرائيلي” في واشنطن يحيئيل ليتر، الأمر الذي عرّض رئيسي الجمهورية والحكومة لانتقادات كثيرة، لجهة توفير تغطية سياسية للعدوان “الإسرائيلي” غير المسبوق. وبالتزامن، ركزت “إسرائيل” هجومها على مدينة بنت جبيل، لكنها فشلت في تحقيق تقدم برغم حشدها آلاف الجنود من ألوية النخبة ممن فشلوا في إحكام سيطرتهم على مدينة تُشكّل رمزاً معنوياً للمقاومة حيث ألقى على مسرح ملعبها قائد المقاومة الراحل الشهيد السيد حسن نصرالله خطاب التحرير في العام 2000 وقال فيها جملته الشهيرة “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”. والجدير ذكره أن الفشل في بنت جبيل كان استكمالاً للتعثر “الإسرائيلي” في مدينة الخيام واستعصاء الوصول إلى نهر الليطاني عبر بلدتي الطيبة والقنطرة.

بالتوازي، واجهت واشنطن استعصاءً دبلوماسيًا في إسلام آباد، حيث تمسك الوفد الإيراني بشروطه، وأبرزها وقف الحرب على لبنان ورفع العقوبات وتقديم ضمانات وتعويضات. وبعد 21 ساعة من التفاوض دون اتفاق، استمر وقف إطلاق النار، فيما حاولت واشنطن تحويل هدفها من إسقاط النظام الإيراني إلى فتح مضيق هرمز.

لكن إيران رفضت ذلك، فردت واشنطن بفرض حصار على الموانئ الإيرانية، ما زاد من حدة الأزمة الاقتصادية العالمية. ومع اقتراب انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، عادت التحركات الدبلوماسية، في وقت بدا فيه أن ترامب أمام خيارين: إما التصعيد العسكري والغرق أكثر في الحرب، أو العودة إلى التفاوض بشروط أكثر واقعية.

ومع ترجيح كفة الخيار الثاني حتى الآن، بالرغم من الحشود الأميركية في المنطقة وإعادة التذخير، أعلن ترامب في تغريدة له أن عون ونتنياهو سيتحدثان مباشرة عبر الهاتف في اتصال ثلاثي يبادر إليه وزير خارجيته ماركو روبيو. غير أن عون، الذي لمس ردة الفعل الشعبية الغاضبة على مفاوضات واشنطن وعدم حماسة السعوديين لهذه الخطوة، تشاور مع رئيس البرلمان نبيه بري، الذي رفض الأمر بشدة ونصح عون بعدم القيام به، وهو الموقف نفسه الذي عبّره الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، مُحذراً من حرق مراحل يرتد سلباً على موقع رئاسة الجمهورية. في ضوء ذلك، اتصل عون بروبيو واعتذر عن المشاركة في مكالمة هاتفية مع نتنياهو. وأعلن بري بعد ذلك تلقيه اتصالًا من نظيره الإيراني محمد باقر قاليباف، أبلغه فيه أن “إسرائيل” ستوقف إطلاق النار بإيعاز من واشنطن، مؤكدًا أن لبنان ليس تحت وصاية واشنطن ولا رعايتها. وما إن صدر إعلان بري حتى اتصل ترامب شخصيًا بجوزاف عون ليبلغه الأمر، وأن ذلك سيحصل عند منتصف الليل بتوقيت لبنان، مستبقًا أي إعلان “إسرائيلي” أو اجتماع للكابينت كما جرت العادة.

إن التزام “إسرائيل” بوقف إطلاق النار في لبنان يعني مجددًا إعادة ربط مساره بمسار المفاوضات الإيرانية الأميركية.. وما اتصال ترامب بعون بعد اتصال قاليباف ببري إلا محاولة إخراجية مسرحية أقرب إلى التهريج منها إلى العمل السياسي، ما يعيدنا إلى القول إن التفكير السياسي الاستراتيجي في الإدارة الأميركية، الذي يشبه لعبة الشطرنج، يُنفَّذ على أرض الواقع من قبل لاعبين أقرب في عقليتهم إلى لعبة “بيت بيوت”، يقودهم الرئيس ترامب وفريقه.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  قصة النجاح الروسي ضد إنكار مشجعي المنتخب الأمريكي!