سمح اتفاق وقف النار لإسرائيل، في البند الثالث (مذكرة وزارة الخارجية الأميركية) وبصيغة مرنة، بالاحتفاظ بحقها «في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت ضد أي هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية»، الأمر الذي يترك الباب مفتوحًا أمامها للعودة إلى العمل العسكري في جنوب لبنان، وهو ما لم يتوقف فعليًا، وإسقاط الهدنة المؤقتة والهشة بطبيعتها. وتؤكد إسرائيل يوميًا أن «نهاية الحرب» ستعني إقامة حزام أمني على حدودها، يُقال إنه سيكون بعرض يقارب 10 كيلومترات، ما يعني استمرار احتلال 55 قرية ومنع الأهالي من العودة إليها.
وعلى صعيد آخر، يُسمع يوميًا أن إسرائيل تسعى إلى فرض سيطرة أمنية على المنطقة الواقعة بين «الحزام الأمني» ونهر الليطاني تحت مسمى «السيادة الأمنية». وقد يعود السكان مستقبلًا إلى هذه المنطقة، لكن السيطرة الإسرائيلية ستستمر عليها بأشكال وصيغ مختلفة. ويبدو أن هذا المفهوم آخذ في الترسّخ كجزء من العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية.
كما يبدو أن إسرائيل استلهمت ما أقامته في غزة من «خط أصفر» (منطقة سيطرة إسرائيلية كاملة)، جرى توسيعه مرارًا في القطاع «المنسي» حاليًا بسبب أولوية الحرب على لبنان، لتطبيقه في الجنوب اللبناني.
في المقابل،
يتحدث لبنان الرسمي عن إرساء هدنة كاملة، مع وقف جميع الاعتداءات الإسرائيلية، برًا وبحرًا وجوًا، تمهيدًا للذهاب إلى التفاوض، وهو ما ترفضه إسرائيل كليًا حتى الآن. وترفع إسرائيل شعار التوجه نحو السلام، من دون أن يكون واضحًا تعريفها له، باستثناء ترتيبات أمنية أحادية ذات طابع احتلالي، تبقى بطبيعة الحال مناقضة لأي مفهوم معروف للسلام بين الدول، إلا إذا كان المقصود بذلك الاستسلام.
ومن المعروف أن “الخط الأزرق”، وهو خط مؤقت، يتضمن 13 نقطة خلافية، وهو أمر طبيعي لأنه لا يستند إلى الحدود الدولية المعترف بها بين الدولتين، بل يشكّل «حدود» وقف إطلاق النار، وبالتالي فهو خط مؤقت بطبيعته.
إن المطلوب، قبل الولوج في المفاوضات، إلى جانب وقف الأعمال العدائية الإسرائيلية المستمرة، ولو بشكل متقطع، تحديد خريطة طريق واضحة للمفاوضات والمسار المطلوب بلورته. وهذا يستدعي بطبيعة الحال مواكبة من قبل الوسيط أو الوسطاء، ورعايتهم ودعمهم، وتوفير جدول زمني، ولو مرنًا، لكنه واضح، للمضي في المسار التفاوضي وتحقيق الأهداف المرجوة.
إن أي مسار تفاوضي طبيعي وواقعي يجب أن يستند إلى تحقيق أهداف محددة، قد تكون مختلفة بين طرفي الصراع، لكنها غير متناقضة بما يمنع قبولها بشكل متبادل. غير أن ذلك يستدعي، بداية ومن منظور واقعي، أن تقبل إسرائيل بالعودة إلى خط الهدنة لعام 1949، القائم على الحدود الدولية المعترف بها تاريخيًا بين لبنان وفلسطين. إن تثبيت هذه الحدود، لا رسمها، يتطلب تسوية بعض النقاط الخلافية، وهو أمر ليس مستحيلًا، وإن لم يكن سهلًا، في ظل رفض إسرائيل الاعتراف بهذه الحدود سعيًا لاقتطاع أجزاء من الأراضي اللبنانية وضمها رسميًا، لا فعليًا فقط.
إن الشرط الضروري للحديث عن مفاوضات سلام جدية، خلافًا لما تدعيه إسرائيل، يبدأ بإنهاء الاحتلال، وتعزيز وتفعيل اتفاقية الهدنة بما يجعلها متطابقة مع الحدود الدولية المشار إليها. وللتذكير، فإن لبنان ملتزم بمبادرة السلام العربية التي أُقرت في قمة بيروت عام 2002، والتي تستند إلى القرارات الدولية ذات الصلة. غير أنه لا يمكن الحديث، بشكل واقعي وشرعي، عن سلام فعلي ودائم ما لم يستند إلى هذه الثوابت، والتاريخ حافل بالأمثلة والدروس في هذا السياق.
هذه بعض الأسس والمرجعيات التي ينبغي أن تحكم الموقف اللبناني في المفاوضات، متى بدأت… أو إذا بدأت.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
