طليع كمال حمدان, Author at 180Post

800-34.jpg

ليست الأمم مجرد خرائط مرسومة على الورق، ولا الدول مجرد مؤسسات دستورية وقوانين نافذة؛ فبين الدولة بوصفها كياناً سياسياً، والأمة بوصفها شعوراً جماعياً بالانتماء، تقوم مساحة شديدة التعقيد، يصنعها التاريخ والذاكرة والأسطورة السياسية والأيديولوجيا.

800-2.png

شكّلت الحرب الإسرائيلية على لبنان بين عامي 2024 و2026، زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا، اختلف اللبنانيون في مقاربته. فقد رأى بعضهم في النتائج فرصة قد لا تتكرر للتخلص من تيار المقاومة وأدبياته ورموزه. في المقابل، رأى فيها آخرون جولة جديدة من جولات الصراع الطويل، ودعوا إلى مقاربة تُقرأ فيها المصلحة الوطنية من منظور جامع، لا فئوي ولا استقوائي، ولا يقتصر النقاش فيها على مستقبل سلاح المقاومة ودورها، أو على طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق تحديد العدو والصديق، ورسم موقع لبنان في الإقليم، وإعادة تعريف مفاهيم السيادة والسلام.

800-22.jpg

لا يبدو الانسداد السياسي اللبناني الراهن، في ضوء التحولات التي أعقبت حرب 2024-2026 والخيارات الرسمية المتصلة بالتفاوض مع إسرائيل، مجرد أزمة عابرة في إدارة الحكم، ولا خلافًا تقنيًا حول صلاحيات مجلس الوزراء أو حدود سلطة الدولة. إنّه، في العمق، عودة مكثفة إلى السؤال التأسيسي الذي رافق نشوء لبنان الكبير منذ سنة 1920: هل يقوم النظام اللبناني على حكم الأكثرية العددية، أم على شراكة ميثاقية بين جماعات تاريخية تخشى أن تتحول الديموقراطية العددية إلى أداة غلبة؟

780-1.jpg

في أحد أكثر مشاهد مسلسل "الفايكنغز" دلالة، يُحذّر راغنار لوثبروك ابنه قائلاً: "السلطة خطرة دائمًا؛ إنها تجذب الأسوأ وتفسد الأفضل، ولا تُمنح إلا لمن يستعدون للانحطاط من أجلها". ليست العبارة تعريفًا للسلطة، لكنها تختصر إحدى مفارقاتها؛ فالسلطة التي يُفترض أن تحمي الجماعة قد تتحول إلى غاية تبرر التنازل عن جزء من حقوق الدولة وسيادتها عندما يصبح همّها الأول البقاء.

800-24.jpg

ليست الإشكالية اللبنانية ـ الإيرانية الراهنة وليدة الحرب الأخيرة وحدها، ولا هي مجرد خلاف حول سلاح حزب الله أو حدود الدور الإيراني في لبنان. إنها حصيلة مسار تاريخي طويل انتقلت فيه العلاقة بين بيروت وطهران من علاقة رسمية هادئة ومحدودة التأثير إلى علاقة مركبة أصبح فيها لبنان (ولا سيما مقاومته)، جزءاً من تصوّر إيراني أوسع للأمن القومي.

800-1.jpg

أبعد من الإشكاليات التي تتصدر المشهد السياسي والإعلامي اللبناني حول قرار الحرب والسلم والسيادة وحصرية السلاح، ثمة ما هو أعمق وأخطر من ذلك ويتمثل في "الانعزال الشعوري" الذي بات يتجلى في أداء السلطة الرسمية وفي مواقف شريحة وازنة من المجتمع اللبناني. ما يجعل سؤالنا الإشكالي يطال مستويات أعمق في البنية النفسية والاجتماعية اللبنانية: هل ما زال اللبنانيون قادرين على الإحساس بعضهم ببعض؟ وهل بقي بينهم حدّ أدنى من التعاطف الإنساني يسمح لأي تسوية سياسية بأن تعيش، ويسمح لنا لاحقاً بالحلم بقيام دولة المواطنة؟

800-32.jpg

لم تعد الحرب على لبنان، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، قابلة للاختزال في معادلة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وحزب الله. فالمشهد، بعد اتساع التدمير والنزوح، وانتقال الملف إلى جولات تفاوضية في واشنطن، وظهور مسار أمني تُيسّره الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، يكشف أننا أمام طور جديد من الصراع والتفاوض يسيران في خطين متوازيين. وفي هذا الطور، يصبح الميدان الجغرافي عنصرًا حاسمًا في إعادة ترتيب الأرض والديموغرافيا والسيادة، بل وربما مستقبل لبنان وبنية نظامه السياسي.

800-18.jpg

تدخل المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المباشرة في واشنطن، هذا الأسبوع، جولتها الثالثة، على وقع خروقات واسعة لما تسمى "الهدنة المؤقتة"، وكذلك في ظل استمرار التدمير والتهجير المنهجيَّين وتهديدات إسرائيلية بتوسيع العمليات البرية. وبذلك، لا تبدو الطاولة التفاوضية منفصلة عن الميدان، بل امتدادًا له بوسائل أخرى: يذهب لبنان إليها مثقلًا بملف وقف العدوان، والانسحاب، وعودة المهجّرين، وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار، فيما تدخلها إسرائيل من موقع القوة، واضعةً نزع سلاح المقاومة في صلب أي تفاوض مع لبنان.

800-7.jpg

لم يعد النقاش في لبنان يدور حول سلاحٍ أو تفاوضٍ أو حدودٍ فحسب، بل حول سؤالٍ أبعد وأخطر: أيّ دولة يريدها اللبنانيون، وأيّ دولة يمكن أن تُؤتمن على قرار الحرب والسلم؟ في لحظةٍ تختلط فيها نار الجنوب بانقسام الداخل، ويعلو فيها صوت التفاوض مقابل صوت المقاومة، تتكشف أزمة أعمق من كل العناوين المعلنة: أزمة ثقة بدولةٍ لم تُستكمل شروطها، وبنظامٍ لم يُطبّق عقده المؤسس إلا على نحوٍ انتقائي. من هنا، يعود اتفاق الطائف إلى الواجهة، لا بوصفه نصًا يُستدعى عند الحاجة، بل بوصفه وعدًا مؤجّلًا لدولةٍ لم تولد بعد.

800-43.jpg

تُظهر الحروب الإسرائيلية المتعاقبة على لبنان وجنوبه أنّ التهجير والتدمير لم يكونا نتيجةً جانبيةً للعمليات العسكرية، وإنما جزءٌ من هندسة الحروب الإسرائيلية المتكرّرة. المحطات كثيرة ولكن أفدحها ما شهدناه بعد اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وما نشهده منذ سريان هدنة 17 نيسان/أبريل 2026. هناك نحو 100 قرية لبنانية، بينها حوالي خمسين قرية ومزرعة ضمن ما يسمى "الخط الأصفر" يتم تجريفها وتدميرها بالكامل مثل بنت جبيل وعيتا الشعب والخيام والطيبة وميس الجبل ورشاف والبياضة ومحيبيب ومارون ويارون وكفركلا وعديسة وعيترون وعيناتا وبليدا ومركبا ورب ثلاثين وغيرها.