لوثة النرجسية لدى بعض المعارضة السورية!

يقول العالم الكيميائي والفيلسوف الفرنسي لافوازييه (1743-1794): "لا شيء يضيع، ولا شيء يُكتَسَب".. بمعنى آخر، لا شيء يذهب هباءً!

يمرّ الإنسان بتجارب عديدة في الحياة، تأخذ الكثير من وقته وجهده ومن عزيمته وصحته. لكنها في النتيجة، سواء كانت تجارب حلوة أو بشعة، فهي تعلّمه وتُغني معرفته، وقد يكمن العلم والمعرفة في البشاعة أحياناً! فما مرّت به بلادنا، وما تزال، من حرب وقتل وخراب ودمار بشع، علّمنا أشياء كثيرة وعرّفنا بمن حولنا، وحتى بأنفسنا وقدراتنا على العمل والتحمّل والتسامح والحب.

ما جرى في سوريا مثلاً خلال عقد ونصف ماضٍ من زمننا هذا، أدّى إلى أن تطفو على السطح معارضة سياسية للنظام الساقط، فيها الغثّ وفيها السمين، وتميّزت في معظمها برفعة المستوى الثقافي. وهذا أمر جيد من أجل البناء الفكري والثقافي، في بلاد ما بعد الحرب. لكنّ بعضها تميّز كذلك بميزة بشعة، وهي النرجسية، ومن بعضها هذا ثمة وجوه بارزة على مستوى سوريا والوطن العربي!

من هو النرجسي؟

في الواقع، اضطررتُ للبحث في هذا الموضوع طويلاً، برغم عدم تخصّصي لا في علم النفس ولا في الروح، فتبيّن لي من خلال البحث أن اضطراب الشخصية النرجسية هو اضطراب في الروح، إضافة إلى كونه اضطراباً في النفس، كما أن النسبة في العالم كبيرة من المصابين به، وهي حوالى (2%)، ويظهر هذا الاضطراب بشكل أكبر عند الذكور منه عند الإناث.

النرجسي، ظاهراً كان أم خفيّاً، (وهذا الأخير يكون اكتشافه أكثر صعوبة من الأول)، شخصية سامّة، تتميّز سمّيتها بأمور كثيرة، منها:

  • يتحدث أكثر بكثير مما يستمع، وإن استمع، فهو لا يجيد الإصغاء.
  • يعيش على النميمة، ولا يحترم مطلقاً مقولة (المجالس بالأمانات).
  • النرجسي الخفي بخاصةً، يفترض نفسه معصوماً عن الخطأ، وتالياً، فهو يُسقِط خطأه وعيوبه على الآخر، فلا يعتذر لأحد، وإن حدث واعتذر مضطرّاً، فعن غير اقتناع!
  • هو دائم الانتقاد للآخرين، ولا يتورّع عن الطعن بأقرب الناس إليه وبأصدقائه.
  • يكذب كما يتنفّس، وبخاصة حين تنكشف خدعته!
  • لا يستطيع التعاطف مع أي إنسان، فيعتبر نفسه هو الضحية دائماً.
  • هو فارغ من الداخل ولديه شعور بالدونية والنقص تجاه الآخرين، فيغار منهم ويحقد عليهم، ويرتدي أقنعة عديدة ليقنعهم بعظمته، وهو يقلّدهم، ولكنْ، لا أصلَ حقيقياً متجذّراً فيه هو.
  • في الحوار معه، لا يمكن الوصول إلى نتيجة نافعة: فهو دوماً على حق! لذلك، فهذا ليس إلا سجالاً بيزنطياً عقيماً.
  • لا يقبل الرأي الآخر، فرأيه هو الصحيح، حتى لو توصّل الحوار، ديموقراطياً، مع المجموع، إلى نتيجة تخالف رأيه. فكأنما يتمّ الحوار باستفزاز فقط، يخلقه طفل ويصرّ على أنه هو الوحيد على حق!

  • هدفه هو التحكّم والسيطرة والهيمنة، فيحرّك الآخرين كالدمى.
  • يعشق الاهتمام من الآخرين، ويحبّ المديح، فهو الإمداد بالنسبة له، إذ إن عدم تفخيم إنجازاته يُشعره بالاضطراب والقلق والاكتئاب، وبالمقابل، هو لا يمدح أحداً.
  • يتميّز بالغضب المفاجئ، الذي لا يتناسب في حدّته مع الموضوع المطروح أمامه، لتفعيل سياسة قلب الطاولة على الآخر.. وخلال غضبه، يظهر وجهه الحقيقي الشرس.
  • هو جبان، لذلك يتفادى الشجعان ويستقوي على من يظنّهم ضعفاء.
  • هو لا يقبل بأنّ ثمة من هو أكثر نجاحاً منه، فقد رتّب حياته على ارتداء الأقنعة ليخفي عيوبه وفراغه الداخلي. وهو يخشى التقدّم في السنّ، لأنه يشعر بفَقْد السيطرة، أي بالضعف والخوف منه.
  • يؤذي ضحاياه ويستمتع بأذيّتهم، ثم يبدّلهم بسهولة كبيرة كي يستمرّ في الحصول على الإمداد الذي يعيش عليه.
  • لا يطلب المساعدة من أحد، لذلك، لا أمل مطلقاً بتغييره كي يصبح إنساناً سويّاً.

وهذا غيض من فيض النرجسية.

وهنا نتساءل، كيف ستظهر تلك الصفات النرجسية في المعارضة السورية خاصةً؟ وهذه الـ”خاصةً” هي للتأكيد على فداحة المصيبة.. فالسلطة عادةً تتميّز بالنرجسية، ولكنْ أن تكون المعارضة كذلك، فهنا تكمن الطامّة الكبرى بالنسبة للشعب!

فالنرجسي في بعض المعارضة من المثقّفين، خاصة إن كان نرجسياً خفياًّ، يسبّب الضرر للوطن كلّه. فلوثة النرجسية، حين تتمكّن من بعض المعارضة، في الوقت الذي ينتظر فيه الشعب من المعارضة فرض التوازن على الأرض كي تمدّ خشبة الخلاص لشعب خارج من حرب طاحنة لمدة عقد ونصف، إضافة إلى رزحه تحت فقر مدقع وبطالة متفشّية ونزوح ولجوء. وإذ ببعض المعارضة تغرق في نرجسيتها وفي أناها، لتنسى حاجات الناس المُلِحّة.

لقد أقرّ الاختصاصيون بأنّ اضطراب الشخصية النرجسية هو نوع من الوباء.

ما العمل إذن؟

من الأفضل لهذا النوع من المعارضة الابتعاد تماماً عن العمل في الشأن العام، لأنّ عملهم لن يكون ذا فائدة للناس. فالعمل في الشأن العام لا يحتاج إلى شخصيات نرجسية، ظاهرة أو خفيّة، بل إلى شخصيات تعرف أنها تبذل جهدها من أجل أهل بلدها، لا من أجل تمتّعها بالتطبيل لذواتها، ثم بذل كل شيء في سبيل هذا التطبيل، كذباً وتكاذباً ونفاقاً.

إقرأ على موقع 180  أيُّ حرب تنتظرُ إسرائيل وجيشها؟

في الختام؛

أيها النرجسيون، تقاعدوا من العمل في الشأن العام لأنكم لستم على مستوى المسؤولية الوطنية، ولستم على مستوى تضحيات الشعب السوري المنهَك.

كونوا صادقين، ولو لمرّة واحدة مع أنفسكم ومع الناس، وتنحّوا جانباً، واتركوا العمل في الشأن العام للذين يبذلون جهودهم الصادقة من أجل أناسهم، لا من أجل أناهم! (الفارق بين المفردتيْن هو حرف السين، لكنّ الفارق في المعنى واسع وعظيم).

Print Friendly, PDF & Email
ريم منصور سلطان الأطرش

كاتبة عربية، دمشق

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ما هي أولويات التعاون الأمني بين تركيا وسوريا؟