“ضوضاء القرار”.. لماذا يختلف الخبراء برغم امتلاكهم المعطيات نفسها؟

في عالمٍ تُقاس فيه الكفاءة بالخبرة، يُفترض أن تقترب أحكام الخبراء من بعضها كلما تشابهت الوقائع والمعطيات. فالطبيب الذي يمتلك سنوات طويلة من الممارسة، والقاضي الذي أمضى عمره بين القوانين، والمهندس الذي خاض تجارب مهنية متقدمة؛ هؤلاء يُنتظر منهم التوصل إلى قرارات متقاربة في مواجهة القضية نفسها؛ إلا أن الواقع يكشف مفارقة لافتة للانتباه؛ فقد يختلف قاضيان في الحكم على القضية ذاتها، أو يتباين تشخيص طبيبين للصورة الشعاعية نفسها، أو يمنح مسؤول قبول جامعي طالبًا فرصة الالتحاق بالجامعة فيما يرفضه مسؤول آخر، برغم تطابق المعايير والبيانات.

هذا الاختلاف لا يعود دائمًا إلى نقص المعلومات أو ضعف الكفاءة، بل قد يكون نتيجة ظاهرة تُعرف في علم اتخاذ القرار باسم «ضوضاء القرار» (Decision Noise)، وهي التفاوت غير المبرر في الأحكام والقرارات الناتج عن عوامل شخصية أو ظرفية أو إدراكية، حتى بين أشخاص يمتلكون المستوى نفسه من التأهيل العلمي والخبرة والصلاحيات.

لكن قبل كل هذا: متى يصبح الإنسان خبيرًا أصلًا؟

يُنظر إلى الخبرة غالبًا على أنها نتاج سنوات طويلة من العمل، وقد شاع في الأدبيات الإدارية مفهوم «عشرة آلاف ساعة» بوصفه مؤشرًا على الوصول إلى مستوى متقدم من الإتقان في مجال معين. غير أن تراكم الساعات وحده لا يكفي لمنح الإنسان صفة الخبير؛ فقد يمضي شخص ثلاثين عامًا في وظيفة واحدة، بينما يكون في الحقيقة قد كرر السنة نفسها ثلاثين مرة دون تطوير أو اكتساب حقيقي للمعرفة.

فالخبرة الحقيقية لا تُقاس بطول الزمن، وإنما بنوعية التجارب التي يمر بها الإنسان، وبقدرته على التعلم المستمر من أخطائه، وتطوير أدواته، والتعامل مع مشكلات معقدة ومتجددة.

ولذلك، يجب توافر المقومات التالية لاكتساب الخبرة:

  • تنوع التجارب العملية ومواجهة تحديات غير تقليدية في مجال الاختصاص.
  • التغذية المستمرة لقياس نتائج القرارات وتصحيحها وتطويرها.
  • نيل اعتراف مهني أو أكاديمي من خلال الأبحاث، أو تقديم الاستشارات، أو الإسهام في حل المشكلات داخل المؤسسات.

لكن حتى بعد توافر هذه الشروط، يبقى سؤال أكثر أهمية: لماذا يختلف الخبراء في أحكامهم برغم امتلاكهم الخبرة نفسها، والمعطيات ذاتها؟

هذا السؤال هو المدخل الحقيقي لفهم مفهوم «ضوضاء القرار»، وهو المفهوم الذي طوره وأبرزه عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل دانيال كانمان بالتعاون مع الباحثين أوليفييه سيبوني وكاس سونستين في كتابهم البارز (Noise: A Flaw in Human Judgment) الصادر عام 2021.

أولًا: ضوضاء المستوى

يقسّم الباحثون ضوضاء القرار إلى ثلاثة أنماط رئيسة، ويُعد «ضوضاء المستوى» (Level Noise) أكثرها وضوحًا وإثارة للانتباه.

ويُقصد بها التفاوت المستمر في الأحكام بين أشخاص يمتلكون المستوى نفسه من الخبرة والصلاحيات، ويعملون ضمن المؤسسة ذاتها، ويخضعون للقوانين والمعايير نفسها، إلا أنهم يصلون إلى قرارات مختلفة؛ فهي تعبر عن الميل العام الثابت نسبياً لدى الشخص إلى إصدار أحكام أعلى أو أقل من غيره، فينعكس ذلك على تقييم الوقائع نفسها، برغم عدم وجود أي اختلاف في الأدلة أو المعطيات.

ولعل من أشهر الدراسات التي كشفت هذه الظاهرة تلك التي تناولت قرارات منح اللجوء السياسي في الولايات المتحدة عام 2007، والمعروفة باسم «روليت اللاجئين» (Refugee Roulette).

هدفت الدراسة إلى قياس مدى اتساق الأحكام الصادرة عن قضاة الهجرة عندما تُعرض عليهم طلبات لجوء متشابهة، تُوزع عليهم بصورة عشوائية داخل النطاق الجغرافي نفسه. وكان المتوقع أن تكون نسب القبول متقاربة؛ لأن الجميع يعملون وفق القانون ذاته، ويخضعون للمعايير والإجراءات نفسها.

لكن النتائج جاءت صادمة.

ففي أحد مكاتب الهجرة، لم تتجاوز نسبة قبول أحد القضاة لطلبات اللجوء الواردة من دولة معينة 5%، بينما بلغت لدى قاضٍ آخر 88% بالنسبة إلى الطلبات القادمة من الدولة نفسها.

أي أن مصير طالب اللجوء لم يكن يتحدد، في كثير من الحالات، بمدى قوة ملفه أو حجم الخطر الذي يهدده، بقدر ما كان يتأثر باسم القاضي الذي أحيلت إليه القضية عشوائيًا. وهنا تتجلى ضوضاء المستوى بأوضح صورها؛ فالاختلاف لم يكن في الوقائع، وإنما في الشخص الذي أصدر القرار.

ثانيًا: ضوضاء النمط

النوع الثاني هو «ضوضاء النمط» (Pattern Noise)، وهي أكثر خفاءً من سابقتها.

ففي هذا النوع لا يكون الاختلاف ناتجًا عن تشدد أحد الخبراء أو تساهل الآخر، بل تشير إلى اختلاف طريقة استجابة كل خبير لخصائص الحالات المختلفة. قد يتشدد خبير في نوع من الملفات ويتساهل في نوع آخر، بينما يتصرف خبير آخر بالعكس.

فلكل خبير عدسته الخاصة التي يقرأ من خلالها الوقائع، ولكل منهم بصمته الخاصة التي تشكلت عبر سنوات الخبرة والتجربة، فتؤثر في قراره دون أن يشعر بذلك.

ولتوضيح هذه الفكرة، أُجريت دراسة على مجموعة من أطباء التشخيص الشعاعي، عُرضت عليهم مئة صورة أشعة لمرضى يعانون أمراضًا في الرئة، وكان جميع الأطباء يمتلكون سنوات خبرة متقاربة.

وللمفارقة، لم تكن قراءاتهم متطابقة.

فقد كان أحد الأطباء يمنح أهمية كبيرة لوجود ظل دقيق عند أطراف الرئة، ويراه مؤشرًا يستحق الاهتمام، بينما لم يكن طبيب آخر يعدّه ذا دلالة كبيرة، إذ كان يركز بصورة أكبر على كثافة الأنسجة في وسط الرئة.

إقرأ على موقع 180  "ويلٌ لأمة" لا تمتلك القوة.. لإثبات حقها!

وهكذا لم يكن الخلاف في مستوى المعرفة الطبية، وإنما في الزاوية التي ينظر منها كل طبيب إلى الصورة الشعاعية. وتكشف هذه الدراسة أن الخبراء لا يختلفون فقط في درجة التشدد أو التساهل، بل يختلفون أيضًا في ترتيب الأولويات، وفي العناصر التي تسترعي انتباههم عند تحليل الوقائع، وهو ما يجعل بصمتهم الشخصية جزءًا من عملية اتخاذ القرار.

ثالثًا: ضوضاء الظرف

النوع الثالث، هو «ضوضاء الظرف» (Occasion Noise)، ويختلف عن النوعين السابقين في أنه لا ينشأ من اختلاف الأشخاص، بل من اختلاف الظروف التي يمر بها الشخص نفسه.

فقد يصدر الخبير قرارًا معينًا اليوم، ثم يصدر قرارًا مختلفًا عند تقييم الحالة نفسها في يوم آخر، برغم ثبات جميع المعطيات. ويعود ذلك إلى عوامل تبدو في ظاهرها بعيدة عن جوهر القضية، لكنها تؤثر بصورة غير مقصودة في عملية التقييم، مثل الإرهاق، والحالة المزاجية، وضغط العمل، وحتى الظروف البيئية المحيطة.

ومن الدراسات التي تناولت هذا النوع من الضوضاء تلك التي أجراها الباحث أوري سيمونسون عام 2007 حول قرارات مسؤولي قبول الطلبات في الجامعات الأميركية.

حللت الدراسة آلاف طلبات الالتحاق، وربطت نتائجها بحالة الطقس في اليوم الذي راجع فيه مسؤولو القبول الملفات. وأظهرت النتائج أن المسؤولين في الأيام الغائمة كانوا يمنحون وزنًا أكبر للمؤشرات الأكاديمية، مثل المعدلات الدراسية والتحصيل العلمي، بينما كانوا في الأيام المشمسة أكثر تساهلًا وأكثر اهتمامًا بالأنشطة الشخصية والجوانب غير الأكاديمية للمتقدمين.

وبذلك لم يتغير محتوى الملف، وإنما تغيرت الظروف المحيطة بمن يقرأه، فتغير معها القرار. وتكشف هذه النتيجة أن الإنسان قد لا يحتاج إلى معلومات جديدة ليغير حكمه، بل قد يكفي تغير ظرف خارجي بسيط ليعيد ترتيب أولوياته دون أن يدرك ذلك.

لماذا يهمنا فهم “ضوضاء القرار”؟

إن إدراك وجود ضوضاء القرار لا يعني التقليل من قيمة الخبراء أو التشكيك في كفاءتهم، بل على العكس، يمثل الخطوة الأولى نحو تحسين جودة القرارات التي تصدر عنهم. فالهدف ليس إلغاء العنصر البشري، وإنما تقليل أثر العوامل العشوائية التي تتسلل إلى عملية اتخاذ القرار، وتجعل نتائجها أقل ترابطاً وعدالة.

ولهذا تدعو الأدبيات الحديثة في علم اتخاذ القرار إلى اعتماد ما يُعرف بـ«نظافة القرار» (Decision Hygiene)، وهي مجموعة من الممارسات التي تهدف إلى الحد من الضوضاء قبل إصدار الأحكام، ومن أبرزها:

  • تقسيم عملية التقييم إلى مراحل مستقلة.
  • توحيد المعايير والمؤشرات المستخدمة في إصدار الأحكام.
  • استخدام نماذج وإرشادات واضحة عند التقييم.
  • الاعتماد على تقييمات جماعية أو لجان مستقلة في القضايا المهمة، بدلًا من ترك القرار النهائي لشخص واحد متى كان ذلك ممكنًا.

فكلما كانت آلية اتخاذ القرار أكثر تنظيمًا وموضوعية، انخفض تأثير العوامل الشخصية والظرفية، وازدادت نزاهة النتائج.

خاتمة

كثيرًا ما ننسب الاختلاف في إصدار القرارات إلى نقص المعلومات أو ضعف الكفاءة، بينما يكون السبب الحقيقي هو الضوضاء التي تتسلل بصمت إلى عملية الحكم.

فالخبرة، مهما بلغت من العمق، لا تعصم صاحبها من التأثر بعوامل نفسية أو إدراكية أو ظرفية قد تغير قراره دون أن يشعر. ولهذا لا ينبغي النظر إلى ضوضاء القرار بوصفها عيبًا في الأشخاص، بل بوصفها سمة طبيعية في طريقة عمل العقل البشري تستدعي بناء أنظمة أكثر انضباطًا وعدالة.

إن المؤسسات الناجحة لا تُقاس فقط بكفاءة خبرائها، بل أيضًا بقدرتها على تصميم آليات تقلل التفاوت غير المبرر بين القرارات. فكلما انخفضت ضوضاء القرار، ارتفعت جودة الأحكام، وتعززت الثقة بالمؤسسات، واقتربت العدالة من غايتها.

ولهذا، فإن مواجهة ضوضاء القرار لم تعد تنظيرًا، بل أصبحت ضرورة مهنية وأخلاقية لكل مؤسسة تسعى إلى إصدار قرارات أكثر دقة وإنصافًا.

 

 

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  الفلسطينيّ المُهمّش في "التجمعات".. "جل البحر" نموذجاً