الأسماء مرآة الأجيال.. كيف تطوّرت أسماء المسيحيين في لبنان؟

أظهر تحليل الأسماء وفقًا للانتماء الديني تنوّعات مرتبطة بالدين، ولكنها مرتبطة أيضًا بالزمن. وقد بيّن هذا التحليل أن الذكور يلعبون دور حرّاس التراث. ذلك أن هذا التقليد يظهر في بطء حركة تغيّر الأسماء، وتكرار الأسماء الدينية، ومنها ما جاء باعتباره تكرارًا لاسم الجد في الحفيد. كما اتّضح لنا أن تحول التسميات عند الإناث لا تخضع للصلابة نفسها الموجودة عند الذكور، حيث تتبدّل أسماؤهن مع تبدّل الزمن. فتدخل أسماء جديدة تعبّر عن روح العصر، لتحلّ بذلك محل أسماء باتت تعتبر "تقليدية" و"قديمة" أو "ثقيلة" (الجرس أو اللفظ).

أولاً؛ أسماء الناخبين المسيحيين بطوائفهم الكبرى

عند تحليل أسماء الناخبين المسيحيين والناخبات المسيحيات[i] داخل الطوائف المسيحية الأكبر حجمًا (الموارنة، والروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك)، تظهر عندنا مجموعة من المعطيات التي يمكن تحليلها وفق عدد من المتغيرات: الأول منها، هو الانتماء إلى إحدى الطوائف. أما المتغير الثاني، فهو الجنس. والمتغير الثالث هو تاريخ الولادة أو العقد. بعد إخضاع هذه الأسماء للتحليل ستبرز لنا مجموعة من المعطيات التي لن تظهر إذا اكتفينا بعرض الأسماء وفق متغير الانتماء الديني. ولن يظهر الكثير منها إن اكتفينا بعرض الأسماء وفق المتغير الطائفي فحسب.

أول ما نبحث عنه عند تحليل الأسماء هو مدى توزّع الأسماء على الأفراد، أي ما هو عدد الأسماء الفريدة على عدد الأشخاص؟ ما يتيح لنا الوصول إلى نسبة تركّز الأسماء. وكما ظهر معنا في المقالين السابقين، فإن نسبة التركّز تعكس أمرين مميّزين: الأول، هو التمسّك بالتقاليد من خلال تكرار مجموعة من الأسماء (وهي من سمات أسماء الذكور). أما الثاني، فهو يعكس الانفتاح على الحداثة من خلال إدخال أسماء جديدة متغيرة مع العصر (وهو من سمات أسماء الإناث).

تظهر هذه الثنائية بوضوح عند النظر في توزّع أسماء الذكور والإناث عند الطوائف المسيحية. فأسماء الذكور في هذه الطوائف أكثر تركّزًا من أسماء الإناث. إذ تشكّل الأسماء العشرين الأكثر تكرارًا عند الموارنة نسبة 36.56% من مجموع الأسماء و36% عند الروم الكاثوليك و32% عند الروم الأرثوذكس. تنخفض نسبة تركّز الأسماء عند الإناث كما بات متكرّرًا في النتائج التي حصلنا عليها، بحيث تعاكس تمامًا ما رأيناه عند الذكور. فأسماء الموارنة والروم الأرثوذكس عند الإناث أقل تركزاً منها عند الروم الكاثوليك. هذا ما يشير إلى تناقض واسع بين الحداثة والتقليد في انتقاء الأسماء عند كل من الإناث والذكور، وعند التدقيق في الأسماء يتّضح هذا الموضوع أكثر.

تتميّز أسماء الذكور الأكثر تكرارًا في أنها بمعظمها أسماء دينية (أسماء القديسين). عند الموارنة، 18 إسمًا من الأسماء العشرين الأكثر تكرارًا هي أسماء قديسين. ينخفض هذا العدد إلى ستة عشر اسمًا عند الروم الكاثوليك، وإلى أربعة عشر إسمًا عند الروم الأرثوذكس. تعكس تسمية الذكور على أسماء القديسين سمتين ثقافيتين مختلفتين؛ الأولى، هي التيمّن بالقديسين وطلب شفاعتهم، أما الثانية، فهي تعكس استمرار منظومة التسميات من خلال إطلاق تسمية الأجداد على الأحفاد. وللمزيد من التشديد على مسألة تركّز الأسماء، نجد أن عدد القديسين الذي يطلقه المسيحيون على أبنائهم هو أكثر تركّزًا مما يظهر. صحيح أن عدد الأسماء الدينية ضمن العشرين الأكثر تكرارًا عند الذكور الموارنة هو ثمانية عشر إسمًا، إلا أن العدد الحقيقي هو أقل من ذلك عندما نجمع الأسماء المتشابهة تمامًا مع اختلاف طريقة كتابتها (جوزف وجوزيف وجوزاف)، أو عندما نضيف إليها إسم القديس نفسه، ولكن بلغات مختلفة (نضيف إليها يوسف[ii] وجو).

ويختلف توزّع الأسماء اللادينية عند الذكور (ضمن الأسماء العشرين الأكثر تكرارًا) بين طائفة وأخرى. فالأسماء اللادينية أكثر انتشارًا عند الروم الأرثوذكس (20/6) يليهم في ذلك الروم الكاثوليك (20/5)، وأخيرًا الموارنة (20/2). سنرى لاحقًا في هذا المقال، إن كان إسم سمير يعكس دلالة سياسية أم لا عند تفكيك الأسماء وفقًا لكل عقد.

عند الانتقال إلى تحليل أسماء الإناث، تبرز الملاحظة التي أشرنا إليها في المقالين السابقين حول تحرّر الإناث من المسؤولية الثقافية لمنظومة الأسماء. إلا أن ما برز في تفكيك الأسماء وفقًا للطوائف، هو أن أسماء الإناث عند الطوائف المسيحية الكبرى في لبنان تعكس هذه الظاهرة. هكذا تشير الأرقام إلى أن أحد عشر إسمًا عند الإناث المارونيات من أصل عشرين هي أسماء لا دينية. وعدد هذه الأسماء عند الروم الكاثوليك هو ثلاثة عشر إسمًا. أما عددها عند الروم الأرثوذكس فهو خمسة عشر إسماً. والأهم أن معظمها أسماء عربية. حتى عند عرض الأسماء الدينية، نجد أن أكثر اسم ديني مستخدم عند الموارنة والروم الكاثوليك هو للقديسة ريتا، وأكثر إسم مستخدم عند الروم الأرثوذكس هو “ماري”. ولكن عند جمع الأسماء التي تشير إلى مريم العذراء عند الطوائف الثلاث نجد أن التشفع باسم مريم العذراء هو الأكثر شيوعاً (بلفظه العربي والفرنسي واللاتيني)، حيث تبلغ نسب اللواتي يحملن أيًّا من هذه التسميات الثلاث: 3.42% عند الموارنة و3% عند الروم الأرثوذكس و3.3% عند الروم الكاثوليك.

نشير هنا إلى ظاهرة هامة لها علاقة في الأسماء الدينية. إذ نرى أن إسم القديسة ريتا يأتي في المرتبة الثانية عند الروم الأرثوذكس، علماً أن القديسة ريتا (Rita of Cascia) هي من قديسات الكنيسة الكاثوليكية. وهذا ما نراه أيضًا في إسم القديس شربل (الراهب الماروني) عند الذكور الأرثوذكس، حيث يحمل هذا الإسم 852 ناخبًا من الروم الأرثوذكس، أي ما نسبته 0.62%. هذه النسبة تضع إسم القديس شربل في المرتبة السابعة والعشرين لأسماء الناخبين الأرثوذكس. تشير هاتان الواقعتان إلى تحوّل القديسَين (ريتا وشربل) إلى ما يشبه الشفيعين اللبنانيين، مع أن القديسة ريتا ليست لبنانية، ولكنها أصبحت من أهم القديسات اللبنانيات منذ إنشاء الكنيسة الأولى في لبنان التي تحمل اسمها عام 1960. لا نشهد هذه الظاهرة عند تحليل إسم مارون الذي لا يحمله إلا 0.07% من الروم الأرثوذكس، أي أن القديس مارون بقي يحتفظ بموقعه كشفيع لطائفة. ولم يستطع العبور إلى الطوائف الأخرى. مع ذلك، تبقى متانة التقليد هي الأقوى حتى في هذه الظاهرة، حيث لم يتح للإسم عند الذكور أن يصعد إلى مرتبة أكثر تقدّمًا (كما هو الحال عند الإناث). هكذا نستنتج أن الإسم عند الذكور، وإن اكتسب حداثة مرتبطة بواقع مستجد. وهو وإن اكتسب أهمية لموقع ما يعنيه الإسم، إلا أن الغلبة لا تزال للأسماء التقليدية التي وإن خضعت لحراك هابط أو صاعد لناحية الأهمية، تبقى أشد بطءاً من ذلك الذي تخضع له أسماء الإناث.

ثانياً؛ تطور أسماء الموارنة

شهدت أسماء الموارنة منذ 1990 إلى 2005 تقلبات وثباتًا. ففي حين برزت غلبة الأسماء الدينية عند الذكور وغلبة الأسماء اللادينية عند الإناث في العقود جميعها، ظهرت تحوّلات على مقاربة بعض التسميات. فاسم يوسف الذي كان الأكثر رواجًا عند الناخبين الموارنة في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات، تراجع مع العام 1950 إلى أن اختفى تمامًا عن لائحة الأسماء العشر الأكثر تكرارًا في السبعينيات. في الوقت نفسه، بدأ إسم شربل يظهر في لائحة الأسماء ابتداءً من 1950 مع تطويب القديس شربل (راجع المقال السابق). ثم بدأت شعبية الاسم تزداد إلى أن أصبح الإسم الأول من السبعينيات، ولا يزال إلى اليوم.

بقيت بعض الأسماء الدينية نفسها تتكرر بصيغ مختلفة. إذ انحصرت جميعًا بعدد محدّد من أسماء دينية، مع ما تستدعيه روح الحداثة السائدة في كل عقد. فبقيت أسماء: يوسف وجرجس والياس وميخائيل وحنا وبطرس وأنطونيوس طيلة العقود من 1930 إلى 2000. إلا أن ظاهرة لافتة للانتباه برزت عام 1980 تمثّلت في ظهور إسم مارون (أب الطائفة المارونية) ضمن الأسماء الأكثر تكرارًا، وعودته مجدّدًا في الألفية الجديدة. هذا الصعود لإسم مارون الذي ازدادت نسبة الذين يحملونه بشكل مطّرد من 4.92% في عقد السبعينيات إلى 9.14% في الألفية. ومارون يشير إلى اتجاه واضح في إظهار الهوية المارونية في منظومة التسميات، وعدم الاكتفاء بإظهار الهوية المسيحية.

أما عند الإناث، فكانت اتجاهات “موضة التسميات” أكثر تميّزًا عن ممارسة اظهار الهوية. صحيح أن إسمَي ماري(ا) وريتا بقيا الأكثر انتشارًا، إلا أنّ أيًّا منهما لا يشير إلى هوية طائفية (وبخاصة بعد ما أشرنا إليه أعلاه في ما يتعلق باسم ريتا).

دخلت أسماء عديدة وخرجت من لائحة الأسماء الأكثر تكرارًا، حيث بلغت الأسماء الفريدة التي كانت في لوائح الأسماء الأكثر تكراراً 45 إسمًا. هنا نجد تبدّلًا سريعًا في الكثير من الأسماء التي تكاد لا تستمر شعبيتها أكثر من عقد واحد من الزمن. فتتراجع مقابل صعود شعبية أسماء أخرى.

إقرأ على موقع 180  دراسة أرقام 2022: إعادة نظر بتوزيع المقاعد النيابية على الطوائف

تتميّز منظومة التسميات عند الإناث الموارنة بتراجع التسميات العربية ابتداءً من عقد الثمانينيات، حيث لم يعد هناك أكثر من إسمين عربيين، مقابل صعود أسماء أجنبية لا تحمل بالضرورة أي دلالة دينية.

ثالثاً؛ تطور أسماء الروم الأرثوذكس

تختلف منظومة التسميات عند الروم الأرثوذكس عن تلك الموجودة عند الموارنة، وذلك في عدد من النواحي، وتتشابه معها في نواحٍ أخرى. يظهر الاختلاف الأول في تنوّع الأسماء الأكثر تكرارًا لتصل إلى تسعة وعشرين إسمًا فريدًا عند الذكور، خلال ثمانية عقود من الزمن (مقابل إثنين وعشرين عند الناخبين الموارنة). كما أنها تختلف لناحية انتشار الأسماء اللادينية أكثر من الموارنة، حيث نجد ازدياد إسمين من الأسماء اللادينية في عقد (1930-1940)، ثم إلى ثلاثة أسماء وإلى أربعة أسماء (1970-1980) لتتراجع إلى إسم واحد فقط بعد 1990. تختلف منظومة تسميات الناخبين الروم الأرثوذكس أيضًا في ثبات إسم جورج على رأس اللائحة، دون أن يتمكن أي إسم آخر من احتلال المرتبة الأولى، ولكن مع ملاحظة ديناميكية التسمية بهذا الإسم، حيث ارتفعت نسبة استخدامه بشكل ثابت من 1930 إلى ،1960 لتبدأ النسبة بالتراجع بعد 1970. بقي إسم الياس ثابتًا إلى عام 1970. ثم بدأت التسمية الفرنسية تأخذ مكانه بشكل تدريجي بعد هذه الفترة. كما نلحظ اختفاء الأسماء الدينية التقليدية (جرجس، حنا، إبراهيم..) تدريجيًا منذ منتصف القرن العشرين من لائحة الأسماء الأكثر تكرارًا.

يبقى المشترك الأساسي بين الموارنة والروم الأرثوذكس عند الذكور هو تفوّق التسميات الدينية على ما عداها، وإن كان بشدّة متفاوتة بين الطائفتين. نشير هنا أيضًا إلى تميّز الروم الأرثوذكس باستخدام إسم نقولا (نسبة للقديس نيقولاوس، وهو قديس مشترك عند الكاثوليك والارثوذكس). إلا أن التسمية وفقاً للجرس العربي (نقولا) هي الأكثر انتشاراً عند الروم الأرثوذكس (57.6%)، تليها نسبة الإسم عند الروم الكاثوليك (21.6%) فالموارنة (17.9%).

تشترك منظومة التسميات عند الإناث الأرثوذكس بتلك الموجودة عند الإناث المارونيات أكثر مما هو موجود عند الذكور. يبرز هذا التوجّه في كثرة الأسماء اللادينية في كل العقود (مع استثناء وحيد في التسعينيات). لا بل إن عقد الخمسينيات لم تحتوِ لائحة الأسماء الأكثر تكرارًا إلا على إسم ديني واحد (ماري) من أصل الأسماء العشرة. كما أن ظاهرة موضة الأسماء منتشرة بقوّة عند الروم الأرثوذكس. ذلك أن الأسماء اللادينية بغالبيتها العظمى كانت أسماء عربية (ليلى، منى، سميرة..) إلى أن تراجع هذا التوجّه مع عقد السبعينيات، وصولًا إلى تنامي التسميات الأجنبية الجديدة في الألفية الجديدة (ليا، لين، سيلين..).

بقي إسم ماري الأكثر انتشاراً بين الأسماء الدينية. إذ كان الأول طيلة فترة طويلة من الزمن، إلى أن تراجع لمصلحة إسم ريتا ابتداءً من السبعينيات (كان إسم ريتا الثاني في الستينيات)، وهي الفترة نفسها التي أشرنا إليها في أكثر من مكان والمتزامنة مع افتتاح أول كنيسة في لبنان للقديسة ريتا. اختفى إسم ماري من لائحة الأسماء الأكثر تكراراً في التسعينيات، حيث حلّ مكانه إسم ماريا وهو نمط متكرّر عند كل المسيحيين، وكان مترافقاً مع موضة المسلسلات المكسيكية التي انتشرت في بداية التسعينيات. بالإضافة إلى أن معظم بطلات المسلسلات كن يحملن إسم ماريا.

هكذا مع تطوّر الموضة (الترند) تغيّرت أسماء الإناث من العربية اللطيفة المكوّنة من حرفين أو ثلاثة أحرف إلى أسماء غربية تحمل جرسًا موسيقيًّا سلسًا، إلى أسماء مستوحاة من الثقافة الشعبية Pop Culture السائدة. وهو ما سينعكس لاحقًا في انتشار أسماء مستوحاة من المسلسلات التركية التي اشتهرت ابتداء من النصف الأول للعقد الأول من الألفية (إلا أننا لا نملك المعطيات الرقمية في لوائح الناخبين على هذه الموضة المستحدثة).

رابعاً؛ تطور أسماء الروم الكاثوليك

تظهر أسماء الروم الكاثوليك بتطوّرها عبر العقود تشابهًا مع أسماء الموارنة أكثر من تلك الموجودة مع الروم الأرثوذكس. يطغى الاسم ذو الخلفية الدينية على منظومة التسميات الأكثر تكرارًا عند الذكور. ففي العقود المدروسة جميعًا، باستثناء عقد السبعينيات، لم يكن هناك أكثر من إسمين من الأكثر انتشارًا هما لادينيين. فكانت الغلبة الواضحة للأسماء الدينية. إلا أن الاختلاف المسجّل عن الموارنة هو أن اسم شربل لم يصل إلى المرتبة الأولى إلا في العقد الجديد من الألفية؛ ولم يظهر الإسم أصلًا عند الروم الكاثوليك ضمن أكثر الأسماء استخدامًا إلا بعد 1970. هكذا بقي إسم جورج هو الأكثر انتشاراً إلى أن حلّ مكانه إيلي في الثمانينيات والتسعينيات. يبقى إسم الياس بجرسيه (إيلي وإلياس) عند الروم الكاثوليك أكثر الأسماء الدينية انتشارًا بحيث تزيد نسبة التشفّع بالإسم عن أي إسم ديني آخر. كما أن إسم الياس بقي من ضمن الأسماء الأكثر تكرارًا، ولم يُستبدل باسم إيلي وإن كان أكثر منه تكرارًا. كما أن أسماء الروم الكاثوليك لناحية التركّز والتكرار هي أقرب لما هو موجود عند الموارنة، حيث بلغ عدد الأسماء الفريدة أربعة وعشرين إسماً (22 عند الموارنة و28 عند الروم الأرثوذكس).

تتقارب منظومة التسميات لإناث الروم الكاثوليك مما هو موجود عند الموارنة والروم الأرثوذكس في وقت واحد. فهي تتشابه مع الروم الأرثوذكس لناحية طغيان الأسماء اللادينية والعربية طيلة العقود جميعًا مع تراجع مسجّل في التسعينيات. كما أنها تتقارب مع الموارنة لناحية ديناميكية إسم ريتا الذي ترافق مع ديناميكيّته عند الموارنة: بروزه في الستينيات وبقاؤه في المرتبة الأولى طيلة أربعين عامًا، إلى أن أخذ اسم ماريا مكانه في العقد الأول من الألفية الجديدة. كما نلحظ المسار نفسه للأسماء غير الدينية من خلال استخدام الأسماء العربية التقليدية، ومن ثم استبدالها بأسماء عربية أصغر حجمًا وأسهل وزنًا، وانتهاءً باستبدالها بأسماء أجنبية لا تحمل بالضرورة خلفية دينية. كل هذا يدل على أن الإسم عند المسيحيات يتأثر بالموضة والثقافة السائدة. وهو وإن حمل المعنى الديني، إلا أن الموضة السائدة تؤثر به أيضًا حيث أتى إسم ريتا ليس فقط لأنه على إسم قديسة تحصل على الكثير من الاحترام والتبجيل في لبنان، ولكن أيضًا وبالمصادفة، جاء إسمها عصريًّا قصيرًا وسهلًا على السمع. وما أن انتشر إسمٌ سادَ في الثقافة الشعبية لعقد معين، وكان دينيًّا في الوقت نفسه (ماريا)، حتى أصبح أكثر رواجًا من ريتا.

تبيّن معنا ضمن كل ما تقدم ثبات ما توصّلنا إليه سابقًا حول ثنائية التقليد والحداثة بين الذكور والإناث، وتطوّر الإسم بما يبيّن توجّه الثقافة السائدة وروح العصر (أو العقد) في لبنان. وكان أن ساهمت سهولة تغيير جرس الإسم ولغته في بقاء أسماء تدل على معنى (أو شخص) واحد، وتحديث الإسم بما يتماشى مع العصر. وهذا ما لم يكن جليًّا عند المسلمين، كما سنتبين في المقال المقبل حول منظومة التسميات الدينية عند المسلمين في لبنان وفقًا لطوائفهم.

(يتبع)

[i]. مصدر المعطيات: لوائح الناخبين 2026. التحليل الاحصائي لهذه المعطيات للباحث.

[ii]. تذكير بأن يوسف وفق تسمية المسيحيين هو القديس يوسف (يوسف النجار) هو خطيب مريم العذراء ويختلف هكذا عن النبي يوسف بن يعقوب.

– راجع المقال الأول ضمن هذه السلسلة بعنوان: تحليل إحصائي لأسماء اللبنانيين.. من هم الأكثر شيوعاً؟

– راجع المفال الثاني ضمن هذه السلسلة بعنوان: الانتماء الديني وأسماء اللبنانيين: متانة التقليد وتمثّلات الحداثة

(*) راجع جداول أسماء المسيحيين

Print Friendly, PDF & Email
شوقي عطيه

باحث متخصص بالديموغرافيا وأستاذ جامعي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  رياض سلامة و"طرابيش" التبييض وجذب العملات.. والعمولات!