إسرائيل.. هل تفاوض لبنان أم تفرض عليه أمرًا واقعًا؟

لم يكن مفاجئًا ما اتفق عليه معظم المراقبين والمتابعين بشأن الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، برعاية الولايات المتحدة، والتي جرت في روما بين 4 و6 آب/أغسطس. وصفها البعض، بلغة دبلوماسية، بأنها كانت متعثرة، فيما رأى آخرون، بصورة أكثر مباشرة، أنها لم تنجح في إحداث أي تقدم ملموس، ولو محدودًا، في المسار التفاوضي.

هذا التقييم يشترك فيه كثيرون ممن يؤيدون، للتذكير، صيغة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإن كانت لديهم تحفظات تتعلق ببعض عناصر إدارتها. في مقدم هذه العناصر تحديد المرجعية التفاوضية بصورة واضحة، ووضع خريطة طريق يُلتزم بها، إلى جانب جدول زمني، ولو كان مرنًا. فالهدف هو ألا تبقى المفاوضات مفتوحة في الزمن إلى ما لا نهاية، وتحت رحمة ما تحاول إسرائيل فرضه على الأرض خدمة لرؤيتها وفلسفتها لأهداف التفاوض.

فالمسار التفاوضي، كما تواكبه إسرائيل على أرض الواقع، يجري في ظل حرب مفتوحة في الزمان والمكان، وإن كانت تتوسع جغرافيًا بصورة تدريجية، فيما يتصاعد نشاطها الميداني كما نشهد كل يوم في جنوب لبنان. ويضاف إلى ذلك التعنت الإسرائيلي وتقطيع الوقت والهروب إلى الأمام، مع محاولة إسرائيل أن تحدد، عمليًا وبمفردها، الأولويات المطروحة حول طاولة المفاوضات.

وقد أصبح رفض إسرائيل اتخاذ خطوات مطلوبة منها إحدى السمات الأساسية لسلوكها التفاوضي. والمقصود خطوات تنعكس في سياسات عملية وتحدث تغييرًا ملموسًا على الأرض، كما في موضوع “المناطق التجريبية”، بما يساعد على كسر الجمود السياسي الذي يحمل في داخله مزيدًا من التوتر وينعكس سلبًا على مسار تفاوضي ما زال في بداياته.

وفي مقدم هذه الخطوات وقف إطلاق النار. فهو شرط ضروري وواقعي وطبيعي لمنح المفاوضات المصداقية والزخم المطلوبين، وهذا ما يطالب به الجانب اللبناني بصورة متكررة.

في المقابل، تعمل إسرائيل بصورة معلنة على إحداث تغييرات في الجغرافيا اللبنانية، ويشكل «تجويف الأرض» أحد مظاهرها. والهدف أن تنعكس هذه التحولات مستقبلًا على الواقع الديمغرافي في المناطق التي تعتبرها إسرائيل جزءًا من حزامها الأمني داخل الأراضي اللبنانية. وهو حزام قابل للاتساع التدريجي، بما يخدم الأهداف التغييرية التي تحملها العقيدة الأمنية الإسرائيلية المهيمنة، والتي تحظى بإجماع واسع بين القوى السياسية الفاعلة، على الرغم من تنافسها على السلطة.

وتحاول إسرائيل ترجمة هذه العقيدة إلى وقائع على الأرض ترسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب، أو «اليوم التالي»، عندما تنتهي الحرب، وفق الشروط الإسرائيلية بطبيعة الحال. وهذا ما تذكّرنا به يوميًا تصريحات المسؤولين الإسرائيليين.

ماذا قبل الجولة الثامنة؟

يتعلق التساؤل اليوم بموعد الجولة الثامنة من المفاوضات، وباحتمال تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. ويرى كثيرون أن عقدها في ظل المعطيات القائمة قد يجعلها مجرد تكرار للجولة السابقة.

صحيح أن الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو تخوض معركتها الانتخابية فيما تستمر الحرب ضد لبنان. وهي تخوضها أيضًا، وإن بصيغ مختلفة، على جبهتي قطاع غزة والضفة الغربية. لكن من الضروري، في المقابل، عدم المبالغة في الرهان على الانتخابات باعتبارها نقطة تحول حتمية في السياسة الإسرائيلية.

فمن منظور واقعي، ومهما تكن نتائج الانتخابات، فإن قيام ائتلاف حكومي جديد يعكس توازنات سياسية مختلفة، أو حتى إضعاف نتنياهو أو إخراجه من السلطة، لا يعني بالضرورة قيام سياسة إسرائيلية مختلفة جذريًا تجاه لبنان. وحتى إذا تراجعت قوة نتنياهو لمصلحة قوى أخرى، بعضها مشارك أصلًا في الحكومة الحالية، فإن الثوابت الأساسية للسياسة الإسرائيلية قد تبقى على حالها. وتدل مؤشرات سياسية عديدة داخل إسرائيل على وجود مساحة واسعة من التوافق حول عدد من هذه الثوابت الأمنية.

لذلك، لا تكمن القضية الأساسية في عقد الجولة الثامنة قبل الانتخابات أو تأجيلها إلى ما بعدها. المطلوب هو توفير شروط تسمح بإطلاق مسار تفاوضي منتج وفعال، والاستفادة من دروس الجولات السابقة.

وفي مقدم هذه الشروط، وقف إسرائيل إطلاق النار بصورة كاملة، ثم المضي في مسار يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي وفعلي، بالتوازي مع بسط الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، بدءًا من جنوب الليطاني وصولًا إلى الحدود الدولية للبنان.

أية مرجعية للتفاوض؟

التفاوض بشأن الحدود، عندما يبدأ، لا يمكن أن يجري في فراغ، كما تحاول إسرائيل أن تطرحه عمليًا. المطلوب أن يستند أولًا إلى اتفاقية الهدنة (1949) بوصفها مرجعية أساسية للمفاوضات، بما يقود إلى تثبيت الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، وهي الحدود الدولية المعترف بها للبنان.

ليس ذلك أمرًا سهلًا، بطبيعة الحال، في ضوء المواقف والسياسات الإسرائيلية المعروفة. لكنه ليس مستحيلًا أيضًا، وخصوصًا إذا كان الهدف إنجاح المفاوضات بصورة فعلية وواقعية، وصولًا إلى عودة الدولة اللبنانية كاملة إلى ممارسة دورها.

وهنا تحديدًا تبرز مسؤولية «الطرف الثالث»، أي الولايات المتحدة بصورة أساسية، إلى جانب دعم القوى الدولية المعنية بإنجاح المفاوضات. فدور الوسيط لا ينبغي أن يقتصر على إدارة الجولات التفاوضية، بل يفترض أن يساعد على توفير الشروط التي تسمح للمفاوضات بأن تخلص إلى نتائج فعلية على الأرض.

إقرأ على موقع 180  قمة ترامب - نتنياهو من وجهة نظر إسرائيلية: التعارضات كبيرة في غزة وسوريا ولبنان!

أولًا.. البيت اللبناني

لكن تعزيز الموقف اللبناني لا يرتبط بالخارج وحده. فالدفع في هذا الاتجاه يفترض أيضًا حوارًا هادفًا وملتزمًا وعمليًا داخل «البيت اللبناني»، بصرف النظر عن الصيغة التي يتخذها هذا الحوار.

ويجب أن يتناول النقاش مختلف المقترحات التي تقدمها الأطراف اللبنانية لتعزيز استراتيجية السلطة اللبنانية في التفاوض أمام التحديات الكبيرة التي تواجهها. كما ينبغي استخلاص الدروس والعبر من الجولات التي عقدت حتى الآن، والبحث في مقترحات عملية توفر دعمًا فعليًا للموقف اللبناني حول طاولة المفاوضات.

إن النجاح في هذا التحدي الوطني، على الرغم من العوائق الكثيرة والمتنوعة، يشكل شرطًا أساسيًا لدعم مسار تفاوضي جدي. والغاية واضحة: وقف الحرب الإسرائيلية بصورة كاملة، وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية المعترف بها.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن فصل نجاح المفاوضات عن استعادة الدولة اللبنانية مسؤوليتها الكاملة والفعلية. فالمطلوب هو تأكيد دور الدولة، والدولة وحدها، في إدارة جميع قضايا الأمن الوطني، وفي مقدمها ممارسة السيادة الكاملة وتحمل المسؤوليات الأمنية، بالمفهوم الشامل للأمن، على جميع الأراضي اللبنانية.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

 

Print Friendly, PDF & Email
ناصيف حتي

وزير خارجية لبنان الأسبق

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  معنى أن يستعيد السوريون مُلكيتهم لقضيتهم