لبنان الممكن.. لبنان المستحيل

حين يصبح الواقع السياسي مثقلًا إلى حد العجز عن تفسير نفسه، لا يعود الخيال ترفًا فكريًا ولا هروبًا أدبيًا، بل يتحول إلى أداة نقدية. التفكير في عالم موازٍ لا يعني اختراع واقع مثالي، بل النظر إلى الواقع القائم كما لو أن قوانينه ليست قدرًا نهائيًا.

العالم الذي نعيش فيه ليس الصيغة الوحيدة الممكنة للتاريخ أو السياسة، وكلُ ادعاء بتعذر البديل ليس دائمًا تعبيرًا عن الواقعية؛ قد يكون أحيانًا الطريقة الأكثر هدوءًا لإغلاق باب البدائل، وحين يغيب البديل، لا تختفي الأزمات، بل يتعايش الناس مع ما يرفضونه.

لبنانياً، ليست المشكلة مشكلة مؤسسات بقدر ما هي عجز عن إنتاج المعنى السياسي الذي يفترض أن تؤديه مؤسسات موجودة، قوانين مكتوبة، مواعيد دستورية، انتخابات وجلسات وقرارات؛ لكن القرار نفسه يبقى قابلًا للتأجيل والتعطيل والتسويف والالتفاف. المواطن حاضر دائمًا في الخطاب، غائب دائمًا عن القرار، والسلطة تُمارس كغياب أكثر مما تُمارس كفعل.

لكن اختزال هذا العجز في سوء الإدارة أو ضعف الكفاءة يترك السؤال الأهم: كيف يتوزع القرار؟ ومن يملك حق تعطيله؟ ومن يحتاج إلى بقاء الدولة عاجزة؟

***

لبنان لا يشكو فقط من ضعف دولته بل من تعدد مراكز القوة والنفوذ. تعددٌ لا يتحول بالضرورة إلى تنافس داخل الدولة، بل إلى تنافس على الدولة نفسها. عندها يصبح التوافق، الذي يفترض أن يكون وسيلة لإدارة الاختلاف، وسيلة لتأجيل الحسم؛ وتتحول المؤسسات، بهدوء من أدوات لإنتاج القرار إلى مساحات لإدارة التعطيل، وتصبح الطائفية أكثر من انتماء اجتماعي أو ثقافي حين تتحول إلى نظام للتمثيل والحماية والنفوذ.

تتعدد أبواب الدولة بتعدد مفاتيح القوة، ويصبح الانتماء السياسي أقرب إلى شرط عبور منه إلى اختيار، وفي مثل هذا النظام، لا تحتاج الوصاية على القرار إلى أن تعلن نفسها وصاية. يكفي أن يصبح الناس مقتنعين بأن غيابها أخطر من حضورها، وأن البديل أكثر خوفًا من الواقع، وأن كل محاولة لتغيير قواعد اللعبة قد تفتح بابًا لا يمكن إغلاقه، هكذا يصبح الخوف أكثر من شعور سياسي؛ يصبح أداة لإدارة الممكن.

***

في العالم الموازي، لا تختفي الطوائف ولا الأحزاب ولا المصالح. يتغير موقعها. تتنافس داخل الدولة بدل أن تتنافس عليها. تختلف على القرار بدل أن تتقاسم حق تعطيله، وتصبح العلاقات الخارجية سياسة للدولة لا مصدرًا موازيًا لقرارها. هنا يصبح السؤال عن الحرب والسلم أكثر من سؤال أمني سياسي؛ ليس السؤال فقط من يملك القوة؟ بل من يملك القرار الذي يتحمل لبنان نتائجه؟

قد تختلف القوى السياسية حول الأمن والمقاومة والعلاقات الإقليمية، لكن القرار الذي يغيّر مصير بلد بأكمله يحتاج إلى جهة واضحة تتحمل مسؤوليته أمام مواطنيها، فالدولة قد تخطئ، وقد تُساء محاسبتها، لكن القرار الذي لا يملك صاحب مسؤولية واضحة يتحول بسهولة إلى قرار بلا مساءلة.

ضعف الدولة يولد الحاجة إلى البدائل، والبدائل تكرّس ضعف الدولة، ثم يُستخدم ضعفها نفسه لتبرير استمرار البدائل. ومع كل أزمة، يعود المواطن إلى الحلقة ذاتها، دولة لا تتحمل مسؤوليتها، وقوى بديلة لا تسمح لها بأن تكفي، وخوف من البديل يجعل الواقع القائم يبدو أقل كلفة من تغييره.

وعندها يصبح السؤال عن الدولة سؤالًا غير مريح لمن اعتاد أن يتحدث باسمها من خارجها، فماذا يبقى من دولة عندما لا تعود المسؤولية إليها وحدها؟

ولا يظهر هذا العجز فقط في القرارات الكبرى، فمن يدخل دائرة رسمية يعرف الدولة من صورتها اليومية: إجراءات تتكرر، مسؤوليات تتداخل، ووقت يُستهلك في مطاردة معاملة يفترض أن تكون بسيطة، المواطن يتعلم تدريجيًا أن الطريق الأقصر إلى حقه قد لا يمر بالمؤسسة نفسها، وأن معرفة الشخص المناسب قد تكون أحيانًا أكثر فاعلية من معرفة القانون ولا بأس بالرشوة إذا كانت تفي بالغرض.

تتسع الخسائر، تتراجع الخدمات، تتعطل الحلول، ثم تبدأ المسؤوليات بالتوزع داخل متاهة سياسية لا تنتهي بسهولة إلى مسؤول واحد. الجميع حاضر في تفسير الأزمة، لكن المسؤولية تظل أقل حضورًا من التفسير.

***

في العالم الموازي، لا تختفي الأزمة. الذي يتغير هو مسارها. الخسارة تُعلن. المسؤولية تُحدد. الخطة تُناقش. القضاء يمارس دوره. البرلمان يصوّت. والحكومة تُحاسَب. ليس لأن البشر أصبحوا أكثر كمالًا، بل لأن المؤسسات أصبحت قادرة على تحويل الخلاف إلى مسار سياسي بدل تركه يتحول إلى أزمة مفتوحة. حتى الاحتجاج لا يُقمع ولا يُقدّس. هو جزء من السياسة. الطائفية لا تختفي، لكنها تعود إلى موقعها الطبيعي. طقوس لا أكثر ولا أقل.

لا يوجد عالم بلا أزمات، لكن العبرة في قدرة هذا الكيان أو ذاك على إدارة أزماته من داخل مؤسساته، بدل أن تتحول الأزمات نفسها إلى نظام حكم ومؤسسات!

إن لبنان الممكن ليس لبنانًا بلا صراعات، ولا لبنانًا بلا طوائف أو أحزاب أو مصالح متعارضة. إنه لبنان تكون فيه المنافسة على إنتاج القرار، لا على امتلاك مفاتيح تعطيله؛ وتكون فيه الحماية حقًا عامًا، لا امتيازًا خاصًا؛ وتكون فيه العلاقات الخارجية جزءًا من سياسة الدولة، لا بديلًا عنها.

إقرأ على موقع 180  ماذا عن الحرب الغربية ضد غزة ولبنان؟

ليس المطلوب عالمًا مثاليًا. المطلوب أن يصبح الاختلاف ممكنًا من دون أن يتحول إلى شلل، وأن يصبح القرار ممكنًا من دون أن يتحول إلى مغامرة، وأن تصبح السلطة السياسية قادرة على الخطأ والتصحيح والمحاسبة، بدل أن تبقى أسيرة الخوف والتغيير!

***

سياسه – احد المضربين في شاتيلا ( بلال قبلان

العالم الموازي ليس بالضرورة مكانًا آخر. قد يكون لبنان نفسه، لو أن الدولة كانت هي المرجعية الأولى، ولو أن الاختلاف بقي اختلافًا ولم يتحول إلى تعطيل، ولو أن الخوف لم يتحول إلى حجة لتأجيل الحسم.

عندها لا يعود السؤال: من يستطيع أن يحكم الفراغ؟ بل: لماذا بقي الفراغ قابلًا للحكم أصلًا؟

ربما لا يحتاج لبنان إلى معجزة كي يصبح ممكنًا. ربما يحتاج فقط إلى أن تتوقف الدولة عن الاعتذار عن وجودها، وأن يتوقف المواطن عن اعتبار عجزها قدرًا، وأن يصبح القرار حيث يجب أن يكون في مؤسسة تتحمل المسؤولية، أمام مواطن يستطيع أن يسأل ويحاسب.

الدولة لا تنهار فقط حين تسقط مؤسساتها. تبدأ بالانهيار حين يصبح غيابها أكثر اعتيادًا من حضورها، وحين يصبح الاستثناء أكثر طبيعية من القاعدة، وحين يصبح الخوف من تغيير الواقع أقوى من الرغبة في تغييره.

ربما كان لبنان الممكن موجودًا منذ البداية؛ ما ينقصه ليس أن نخلقه، بل أن نكفّ عن قبول لبنان المستحيل بوصفه قدراً.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  إنّه خطابُ الفتنة في الأيّام اللبنانية الزائدة